الإيدز في السودان.. 13 ألف مريض وأزمة علاج تحت غبار الحرب

عاين- 24 أغسطس 2026

من مركز علاجي حكومي شمال العاصمة السودانية، تسرد طبيبة كيف أن مرضى فيروس نقص المناعة “الإيدز” كانوا يحصلون على برتكولات العلاج الذي توفره وكالات وصناديق دولية، قبل أن تحوّل الحرب هذا المكان إلى مكان مظلم ومحطم منذ منتصف العام 2023، ويتفرق المرضى بين الولايات ودول اللجوء، وهم يحملون حياتهم على كف عفريت جراء توقف العلاج.

في العشرين من أغسطس الجاري، كشفت وزارة الصحة السودانية عن وصول مرضى الإيدز في البلاد هذا العام تراكمياً إلى 13.401 ألف شخص، وهي النسبة الموثقة والحالات التي وصلت إلى المراكز المتخصصة.

ويرى الطبيب محمد أبو بكر، أن إعلان وزارة الصحة السودانية رسمياً لإحصائية المصابين بالإيدز جاء لحث المنظمات الدولية على الاستمرار في تمويل العلاج والتشخيص والمراكز المتخصصة في التتبع والرصد للشبكات النشطة في نقل العدوى.

ويقول محمد أبو بكر، وهو طبيب تابع علاج مرضى بشكل روتيني بالعاصمة السودانية قبل ثلاث سنوات، لـ(عاين): إن “الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة لا تدعو إلى القلق، ولكن لا بد من حصرها في هذه الحدود من خلال تحسين التدخلات الرسمية والشعبية والطوعية، والتعامل مع المرض دون قيود سياسية أو اجتماعية، مثل تشجيع الأشخاص على استخدام أدوات الحماية”. وتابع قائلاً: “قد لا يؤدي الاختلاط بالمصابين إلى مخاطر، ولكن في المجتمعات السودانية يجب أن تتولى الحكومة إقناع المقبلين على الزواج بالفحص المسبق ضمن تدابير محاصرة المرض ومراقبة الشبكات النشطة عن بعد وهي معلومة لدى الأجهزة الصحية”.

تأثير الحرب والإمداد

أما الطبيبة (أ- ع)، التي تابعت بروتوكولات العلاج للمصابين الذين كانوا يترددون على إحدى الوحدات في مستشفى الخرطوم بحري، تقول لـ(عاين): إن “العلاج اعتمد على بروتوكولات معلنة من وزارة الصحة، ولا يمكن اتباعها خارج هذا النظام بسهولة”. وتابعت قائلة: “العلاج يستمر بانتظام لفترات طويلة تساعد المريض على اكتساب المناعة رغم كل الأزمات. كان هذا الوضع مستمراً، ويتيح مجانية العلاج للمصابين المترددين على المراكز الحكومية، لكن الحرب أثرت وأوقفته تماماً قبل أن يستأنف خلال الأشهر الماضية”.

من جهته، يؤكد مصدر بوزارة الصحة السودانية لـ(عاين)، أن الإحصائيات لا تعني الوصول إلى مرحلة الخطر مشيراً إلى أن التقرير جاء ضمن الشفافية التي تتبعها المؤسسات الصحية في البلاد لاتخاذ التدابير الوقائية مثل حصول المصابين على العلاج بشكل منتظم. وأضاف قائلاً: “أثرت الحرب على انتظام سلاسل الإمداد من وكالات الأمم المتحدة في الأشهر الأولى، ولكن اتُخذت حلول طارئة بتعيين مكاتب خدمات بمستشفيات في ولايتي الجزيرة والبحر الأحمر، وتحذر الوزارة بشكل مستمر من إيقاف البروتوكولات المتبعة في علاج المصابين وعدم الاعتماد على الأعشاب من الأسواق”. وكشف المصدر، عن استعادة بعض المراكز العلاجية بالعاصمة السودانية ومدن أخرى.

خطة المحاصرة والتمويل

أما عن خطة حصر الإصابات وكبح الشبكات النشطة من نشر الفيروس، لا سيما الممارسات الجنسية تقول الطبيبة ملاذ عثمان لـ(عاين): إن “تتبع المصابين بالإيدز من خلال خارطة الحركة أو المكان لا يمكن إجراؤه قانونياً واجتماعياً، لكن يمكن وضع نظام يسمح بمحاصرة المرض من خلال التحقق من الشبكات النشطة والحد من توسع النطاق، رغم حساسية هذا الإجراء وصعوبته”. وترى هذه الطبيبة أن الإيدز مرض لا يمكن التعايش معه في السودان، لأن المريض عادة يشعر “بالوصمة الاجتماعية”، وكثيرون عانوا نفسياً من المجتمع، ولا زالوا يعانون.

وتشير الطبيبة ملاذ عثمان إلى السودان يتلقى تمويلاً يصل إلى 50 مليون دولار سنوياً لمكافحة الملاريا والإيدز والدرن، وإذا تم تخصيص نحو 30% فقط من هذا التمويل لمرضى نقص المناعة يمكن أن يشكل فارقاً كبيراً.

قيود ومخاطر

“الحرب دمرت البنية التحتية لعلاج مصابي الإيدز أو مكاتب الوقاية التي كانت متخصصة في الكشف عن الفيروس أو مراكز تشجيع الأشخاص على الفحص، ووزارة الصحة السودانية تتعامل بصورة مرنة ومقبولة مع التصدي لهذا المرض، لكن الأمر يتعلق بالسياسات المعلنة من الدولة؛ مثل عدم السماح ببيع أدوات الوقاية بالصيدليات نتيجة رفض جهات دينية أو جهات حكومية بحجة أنها تشجع على “ممارسة الجنس” لا سيما وسط الشبان والفتيات”. يقول الباحث في القطاع الصحي أحمد عبد القادر لـ(عاين).

ويشير عبد القادر إلى أن الحالات المثبتة معملياً هي التي وصلت إلى 13.401 ألف حالة هذا العام تراكمياً، بالمقابل فإن عدد الحالات التي لم تخضع للاختبارات أكثر من هذا العدد بكثير، مقارنة مع عدد سكان البلاد الذين يتجاوزون نحو 49 مليون شخص. ويضيف: إن “الحرب أدت إلى زيادة نسبة المصابين نتيجة وجود عوامل كثيرة، مثل انتشار الفوضى في المدن، لا سيما العاصمة الخرطوم لفترات طويلة خلال فترة تواجد قوات الدعم السريع”.

موجة ثانية من (كورونا) تفتك بالسودانيين في خضم وضع صحي واقتصادي هش
معظم الحالات المكتشفة جاءت عن طريق “الممارسة الجنسية”، وحال اكتشاف الفيروس من قبل شخص ما عن طريق الصدفة أو الاختبار المباشر، فإنه يتجنب الإعلان عن ذلك- معالجة نفسية

بينما ترى المعالجة النفسية مروة إبراهيم في حديث لـ(عاين)، أن توقف الخدمات الصحية أثر في برامج علاج مرضى الإيدز؛ لأن البروتوكولات تعتمد على أوقات طويلة، والنزاع المسلح في المدن الكبرى انعكس عليها وأوقفها لفترات طويلة.

تشير مروة إبراهيم إلى أن معظم الحالات المكتشفة جاءت عن طريق “الممارسة الجنسية”، وحال اكتشاف الفيروس من قبل شخص ما عن طريق الصدفة أو الاختبار المباشر، فإنه يتجنب الإعلان عن ذلك، ويتعامل على نحو سري. وتؤكد مروة إبراهيم صعوبة تولي جهات بعينها مسؤولية حث المقبلين على الزواج لفحص مرض الإيدز، متسائلة عن الجهة التي ستتولى هذه الأمور: هل هم رجال الدين أم الأطباء أم المبادرات الاجتماعية؟

وتعتقد إبراهيم، أن منظمات المجتمع المدني التي انخرطت في التعامل مع مصابي الإيدز وبرامج العلاج يجب أن تعود إلى العمل وتنشر الوعي وسط المجتمع، وتدعم المصابين للاستمرار في تلقي العلاج بانتظام، مثل جمعية المتعايشين مع فيروس نقص المناعة “الإيدز”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *