انسحابات القوات.. العقبة الوحيدة أمام هدنة وشيكة في السودان
عاين- 11 يوليو 2026
وسط اهتمام بالغ، تابع السودانيون خلال اليومين الماضيين تطورات عديدة حول الورقة الأخيرة لمستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، بشأن هدنة لـ90 يوما بين الجيش وقوات الدعم السريع، وإطلاق عملية سياسية شاملة.
ويعترض الجيش السوداني على بند واحد من البنود الخمسة التي اقترحتها الورقة الأمريكية، ويشترط الجيش السوداني انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023.
وجاءت موافقة الجيش السوداني عقب لقاء جمع عضو مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، بمستشار البيت الأبيض للشؤون الإفريقية مسعد بولس في العاصمة المصرية القاهرة نهاية يونيو الماضي، وفقاً لما أفاد به مصدر دبلوماسي مطلع (عاين). وأضاف: “إن الكباشي اجتمع مع مسعد بولس بموافقة مباشرة من البرهان، وأن الخلافات حالياً باتت محصورة حول نقاط انسحاب قوات الدعم السريع من ولاية شمال كردفان، حيث من المرجح أن تتولى الأمم المتحدة الإشراف على هذه العملية من الناحية الفنية”.
الآلية الأممية
وحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، ينص الاقتراح الأمريكي على إنشاء آلية بقيادة الأمم المتحدة لدعم عمليات انسحاب محدودة لقوات الدعم السريع، مع إعطاء الأولوية لولاية شمال دارفور، حيث سيطرت القوات شبه العسكرية في الآونة الأخيرة على مدينة الفاشر عقب هجوم عنيف، وكذلك لولاية شمال كردفان التي تُعد حالياً هدفاً لغارات مستمرة بالطائرات المسيرة تشنها قوات الدعم السريع.
وحول مستقبل إقليم دارفور، أردف المصدر قائلًا: “ستبقى قوات الدعم السريع في أغلب مناطق سيطرتها الحالية، مما يعني فعلياً إدارة الإقليم عسكرياً مع الاحتفاظ بالنفوذ السياسي، ما لم تُشكَّل حكومة مدنية مستقلة تكون قادرة على التعامل مع هذا الوضع المعقد”.
ملامح العملية السياسية
ويتوقع المصدر الدبلوماسي، أن اتفاق الهدنة بين الجيش وقوات الدعم السريع سيُوقَّع في غضون الشهرين القادمين، على أن تعقبه عملية سياسية شاملة بين القوى السودانية، باستثناء الحركة الاسلامية، بهدف تشكيل حكومة مدنية، مع السماح للعسكريين بالاستمرار في هياكل السلطة دون نزع صلاحياتهم إلى حين ميعاد انعقاد الانتخابات.
وكشف المصدر الدبلوماسي، عن وجود مقترح أمريكي يقضي بتوقيع الهدنة الإنسانية إما في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في جنيف، مشيراً إلى أن بولس أبلغ الكباشي بضرورة الإسراع في تنفيذ هذه الخطوة لضمان عدم التراجع عن الالتزامات تحت وطأة الضغوط الداخلية.
وأضاف المصدر الدبلوماسي نفسه: “لن تشمل العملية السياسية المقبلة الإسلاميين، وفي الوقت ذاته سيتم فك الحصار الجزئي المفروض على مدينة الأبيض عبر تراجع قوات الدعم السريع في ولاية شمال كردفان”، معتبراً أن الشروط الراهنة المفروضة من جانب الجيش بمثابة خطوة للتصعيد التفاوضي وتحسين الشروط فقط.
ووفقاً للوثائق التي اطلعت عليها “رويترز”، فقد وافقت الحكومة السودانية بقيادة الجيش على معظم بنود المقترح الأمريكي، لكنها اعترضت على مسألة الانسحاب المحدود، واشترطت أن تشمل الخطة انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ الحادي عشر من مايو 2023.
محاولات إفشال الهدنة
ويرى المحلل السياسي أحمد مختار في مقابلة مع (عاين): إن “الجيش والدعم السريع باتا أقرب من أي وقت مضى لتوقيع هدنة إنسانية تفتح مساراً يؤدي إلى عملية سياسية لاحقاً، وذلك بعد وصول الطرفين إلى مرحلة توازن ميداني تسمح لهما بالتوقف عن القتال”.
وحول التحديات التي تحيط بالوصول إلى اتفاق سلام مستدام، أجاب مختار: “قد تحاول بعض الأطراف والكتل الداعمة للجيش السوداني إفشال هذه التحركات، لكن موقفها يبقى ضعيفاً؛ لأن البرهان مضى قدماً في هذا الاتفاق، وهو يحظى بمساندة كاملة من أعضاء مجلس السيادة، وهو ما دفعه لابتعاث الكباشي للقاء المستشار الأمريكي مسعد بولس”.

بالمقابل، يرى المحلل الدبلوماسي عمر عبد الرحمن أن الهدنة تواجه شبكة معقدة من التحديات جراء اشتراط الجيش السوداني عودة قوات الدعم السريع إلى وضعية ما قبل 11 مايو 2023، معتبراً هذا الأمر مستحيلاً من الناحية العملية؛ لأن قوات الدعم السريع ستجد نفسها مجردة من أوراق الضغط القوية إذا ما أقدمت على ذلك.
كما أشار عبد الرحمن، إلى تحديات داخلية أخرى تتمثل في وجود مجموعات عسكرية وسياسية داعمة للجيش لا ترغب في المضي بمسار الهدنة الإنسانية؛ كونها عبارة عن تشكيلات عسكرية تعاني “تفتت أمني” وتعبر عن المصالح الخاصة لقادتها، بما في ذلك بعض التيارات الإسلامية، وأضاف: “كل هذه العوامل، إلى جانب الموقفين السعودي والمصري اللذين يسعيان لبناء حاضنة سياسية حول قائد الجيش السوداني، قد تؤدي إلى إضعاف مسار الهدنة الإنسانية والعملية السياسية الموثوقة”.
مستقبل السلطة
وتابع عبد الرحمن قائلاً: “إن خطاب القادة العسكريين من كلا الطرفين لا يزال أسيراً لمربع الحرب، ولم يؤمنوا بعد بضرورة السلام بقدر خضوعهم للضغوط الأمريكية الراهنة؛ ومع ذلك، هم يبحثون عن ضمانات تضمن بقاءهم في السلطة لفترة طويلة دون المرور بعملية سياسية حقيقية تسفر عن حكومة مدنية مستقلة تماماً عن سيطرة العسكريين”.
ويعتقد المحلل الدبلوماسي عمر عبد الرحمن، أن مصر والمملكة العربية السعودية تظهران موقفاً يميل إلى استمرار العسكريين في السلطة القائمة بمرحلة ما بعد الحرب، مع التركيز على ضرورة تهيئة بيئة سياسية موالية للمؤسسة العسكرية، مستدركاً بأن هذا الاتجاه قد لا يؤدي إلى خلق استقرار مستدام على المدى البعيد.





















