هل تنجح “قوات تأسيس” في التحول إلى جيش نظامي؟

عاين- 6 يوليو 2026

مع تطاول أمد الحرب الدائرة في السودان يتجه تحالف السوداني التأسيسي “تأسيس” والذي يضم حركات مسلحة أبرزها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية وقوى سياسية مدنية إلى تأسيس جيش وسط تحديات بالغة التعقيد يواجهها التحالف الذي شكل بالفعل حكومة مدنية في المناطق الخاضعة لسيطرته في إقليمي دارفور وكردفان.

وينص دستور وقع عليه مؤسسو تحالف “تأسيس” في الرابع من مارس 2026 بالعاصمة الكينية نيروبي على أن تتبنى “حكومة تأسيس” خطوات ضرورية لتكوين جيش وطني جديد وموحد وقومي بعقيدة عسكرية جديدة. وفيما يتعلق بمشروع تحول قوات تأسيس إلى جيش نظامي فقد نص الدستور على أن تكون قوات الدعم السريع، والجيش الشعبي لتحرير السودان، وحركات الكفاح الُمسلَّح الموقعة على ميثاق السودان التأسيسي، نواةً للجيش الوطني الجديد، بينما لم يتضمن الميثاق أي نصوص حول الجيش السوداني.

تحديات الهيكلة الداخلية

ويقول المتحدث باسم تحالف السودان التأسيسي، أحمد تقد، لـ(عاين): إن “قوات تأسيس قادرة على إدارة التباين الموجود داخلها، وهي تتمتع بهيكلية واضحة وإدارة منظمة، وهناك ترتيبات للإعلان عن هيئة قيادة موحدة ومشتركة للقوات”. ويضيف تقد قائلاً: “حتى هذه اللحظة لا يوجد تباين وسط قوات تأسيس بسبب تكوينها، ولا نرى في الأفق ما يدل على وجود ذلك لأنها تؤدي المهام الموكلة إليها، وهذا لا يعني عدم وجود خطوات عملية لإعادة تنظيم هذه القوات بالصورة التي تمكنها من أداء مهامها”.

وكشف تقد، عن ترتيبات جارية بواسطة القيادة لهيكلة هذه القوات من الناحية الإدارية، ومن حيث القيادة والسيطرة، مضيفاً أن “الاستفادة من الموارد والفرص المتاحة مسألة طبيعية لأي قوات عسكرية”، وذلك في رده على سؤال حول مصادر تمويل قوات تأسيس. وفيما يتعلق بالاعتراف والشرعية، يؤكد المتحدث باسم تحالف تأسيس، أحمد تقد، أن حكومة تأسيس لديها “خطوات كبيرة” للحصول على اعتراف على المستوى الإقليمي والدولي، وأن شرعية أي قوات نظامية تُستمد من حصول الحكومة على الاعتراف الدولي والإقليمي؛ لذلك هذا الأمر مرتبط بمسارين: “إما ميلاد دولة حديثة تحظى بالشرعية، أو حصول الحكومة على اعتراف دولي، ونحن في هذا الصدد لا نشعر بالقلق، وسيأتي الوقت الذي نكشف فيه عن الجهات الإقليمية والدولية”.

الولاء العشائري

بينما يقول الباحث في القطاع الأمني والعسكري، عادل السني، إن تكوين جيش جديد ينبغي أن يحصل على أدوات للتجانس، لأن التكوين الاجتماعي لجنود وضباط الجيش هو العامل الأبرز في انسجام هذه القوات، وبالتالي خفض الانتهاكات والدفاع عن كامل التراب الوطني. ويعتقد السني، في حديثه لـ(عاين)، صعوبة مهمة تكوين جيش من نواة الدعم السريع ذات المجموعات العسكرية العشائرية، بما في ذلك الحركة الشعبية (شمال) والحركات الأخرى المتحالفة؛ لأن طبيعة تكوين الدعم السريع مرت باختلالات كبيرة، وعندما كُونت بواسطة نظام البشير اعتمدت على ولاء رجالها لـ”حميدتي” وشقيقه لا إلى جيش مهني موحد، لذلك عُرفت هذه القوات بالبطش والشراسة لا بطبيعة ديناميكيتها العسكرية.

بالمقابل، يعتقد عثمان الشيخ، وهو باحث في قضايا والدمج والتسريح في حديثه لـ(عاين)، أن تحول “قوات تأسيس” إلى جيش نظامي بحاجة إلى عملية سياسية عميقة ومتجذرة في المقام الأول لوضع اللبنة الأولى لقيام قوات عسكرية. وأضاف قائلاً: “تمر العملية السياسية عبر انتزاع اعتراف من المجتمع الدولي للحكومة القائمة حالياً، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الاعتراف بالجيش”. ويرى مساعد أن المجتمع الدولي يعترف حالياً، على الأقل، بقوات الدعم السريع كطرف أمر واقع، والدليل على ذلك مساواتها مع الجيش في مفاوضات وقف الحرب.

ويرى عثمان الشيخ، أن قائد تحالف تأسيس محمد حمدان دقلو، يريد الوصول إلى مرحلة الجيش النظامي عبر اتفاق سلمي مع الجيش للحصول على الشرعية، من خلال ترتيبات أمنية مراقبةٍ دولياً، تؤدي إلى جيش قومي أو جيش قائم بذاته حال حدوث انقسام للبلاد.

وتابع قائلاً: “من الوارد أن يصدر مجلس الأمن والدفاع برئاسة حميدتي قراراً بتكوين هيئة للقيادة الموحدة، ولكن ديناميكياً على الأرض لا يمكن تحقيق الانسجام؛ والدليل على ذلك أن وزير الداخلية سليمان صندل احتفل قبل أيام بتخريج قوات تابعة لحركته، بدلاً من الذهاب نحو الهيكلة”.

تمويل الجيش

وفي السياق ذاته، يقول عثمان عبد الله، الباحث الأكاديمي في مجال النزاعات في إفريقيا، لـ(عاين)، إن النواة الصلبة لقوات الدعم السريع ترتكز على مجموعات عرقية محددة تهيمن على مركز القيادة والقرارات، ويرى أن هذا التكوين يتناقض جذرياً مع مفهوم “الجيش النظامي القومي” الذي يتطلب ولاءً كاملاً لمؤسسة الدولة بغض النظر عن الانتماء الإثني. كما يتطرق عبد الله إلى افتقار قوات الدعم السريع وحلفائها العسكريين إلى التأهيل العسكري الأكاديمي المتبع في الكليات الحربية للنظم العسكرية، حيث يعتمد الترقي والقيادة لديهم على الولاء الشخصي والخبرة الميدانية، مما يجعل انصهارها تحت قيادة ضباط محترفين أمراً بالغ الصعوبة.

ويشير عبد الله، إلى أن قوات الدعم السريع اعتمدت هذا العام، مع انحسار المعارك في إقليم دارفور، على تحسين صادرات الذهب التي بلغت حوالي 56 طناً، وهذه الكميات قد تتيح تمويل هذه القوات.

أما المحلل السياسي، أحمد مختار، يقول لـ(عاين)، إن ولاء الجنود يقوم على ما يُعرف في أوساط المقاتلين بـ”شخصية حميدتي” قائد هذه القوات، فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن يكون لهذه القوات مستقبل دون هذا الجنرال؟ ويستدرك قائلاً: “حميدتي يريد التفاوض مع الجيش واقتسام السلطة وتولي منصب ذي طبيعة سياسية معترف بها دولياً، وربما لا يود المغامرة بتكوين دولة حديثة غربي السودان في هذا الوقت، رغم أن بعض الحلفاء الإقليميين والدوليين يعتقدون أن ذلك ممكن”.

ويرى مختار أن قوات الدعم السريع لم تنشأ للتحول مستقبلاً إلى جيش نظامي، فالجيوش تُبنى عادة عندما يكون الولاء لمؤسسة الدولة لا إلى القيادات التي تنحدر من إثنيات بعينها، لذلك من الصعب الاعتقاد بأنها قادرة على الانتقال إلى مرحلة الجيش النظامي، بما في ذلك صعوبة إدماج هذه القوات ضمن القوات المسلحة السودانية. ومع ذلك، يرى مختار أن هناك جهات نافذة سياسياً على الصعيد المحلي والإقليمي تدفع قوات الدعم السريع نحو التقسيم بإفشال محادثات السلام، وهذا يعني المزيد من الفوضى بدلاً من التحول إلى جيش نظامي.

الرفض الإقليمي

وكان المجلس الرئاسي، الذي يتولى الهيئة العليا في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، قد أصدر قراراً بتكوين مجلس الأمن والدفاع المشترك برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” في مايو الماضي، وبعد ساعات من صدور هذا القرار، أعلنت دول مصر، والمملكة العربية السعودية، وقطر رفضها لقيام كيانات موازية في السودان، مشددة على دعم شرعية مؤسسات الدولة التي تقودها القوات المسلحة السودانية.

ويقول محمد جلال الدين، وهو ضابط متقاعد من الجيش السوداني، لـ(عاين)، إن القوات المسلحة تضم 19 فرقة عسكرية تشمل مختلف الأسلحة، كما تضم “سلاح المدرعات” و”سلاح المهندسين” و”سلاح المظلات”، وهذا الأمر جاء عبر تسلسل زمني وخبرات متراكمة أدت إلى نشوء جيش نظامي لديه قدرات راسخة في التعامل مع الأمور الحربية الإستراتيجية.

تنازلات مؤلمة

وأضاف جلال الدين: “أما قوات الدعم السريع، فتعتمد على عشرات الآلاف من المقاتلين (حوالي 70 ألف مقاتل في عام 2023) وعلى تكتيكات قتالية وأسلوب يشبه حرب العصابات، لذلك تفوقت في حرب المدن بين عامي 2023 و2024 حتى تمكن الجيش السوداني من الاعتماد على نفس النسق في المواجهة. ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع هذه القوات على أنها قد تكون نواة لجيش نظامي دون الإجابة عن سؤال حول مركزية قيادتها العليا المحصورة بين حميدتي وأشقائه”.

وأردف جلال الدين: “الأمور لا تعتمد فقط على الحصول على الاعتراف الدولي للحكومة القائمة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، بل على قدرة المنظومة الأمنية والعسكرية على الانسجام لحماية المواطن، والحدود، وسلطة الدولة وحفظ سيادتها “. وختم جلال الدين إفادته قائلاً: “إذا كان حميدتي منفتحاً حقاً للتحول إلى جيش نظامي، لوافق على المقترح الذي ورد خلال الاتفاق الإطاري في مارس 2023 بالدمج خلال عامين، كما تمسك بذلك قادة الجيش السوداني حينها”. ويعتقد جلال الدين، أن أي تحول لقوات تأسيس نحو جيش نظامي حقيقي سيكون مرهوناً بـ”التنازلات المؤلمة” على حد تعبيره من حميدتي وشقيقه في توزيع المهام والصلاحيات، وهو أمر أشبه بالانتحار السياسي والعسكري لهما في المستقبل القريب.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *