مطاردات واعتقالات.. سودانيون يواجهون “الجحيم” في ليبيا
عاين- 13 يونيو 2026
“ليس أمامي الآن من خيار غير محاولة عبور البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا، بعدما ضاقت بنا الأحوال هنا في ليبيا. أعلم أنني قد لا أصل، وربما يبتلعنا البحر، ولكن صدقني، ما من خيار آخر. لا أستطيع العودة إلى السودان في هذه الظروف“.
بهذه الكلمات لخّص صحفي سوداني يعيش في ليبيا حجم المأساة التي يواجهها، عقب حملات التضييق التي نفذتها السلطات الليبية ضد الأجانب، ومن بينهم آلاف السودانيين الذين فروا من بلادهم بسبب الحرب التي تدخل عامها الرابع، بينما تواصل أطرافها رفض الحلول السلمية التي تحفظ كرامة المواطنين وحقوقهم.
ويواجه آلاف السودانيين، بينهم صحفيون، مصيراً قاتماً في دولة ليبيا على خلفية التوجه الليبي الأخير الرافض لوجود الأجانب، خصوصاً الأفارقة. وقد نفذت السلطات الليبية خلال اليومين الماضيين حملات اعتقالات لمئات السودانيين، بعضهم الآن في مراكز احتجاز وسط ظروف إنسانية سيئة، وآخرون تم ترحيلهم عبر مصر، حسب مصادر تحدثت لـ(عاين).
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى تدفق أكثر من 550,000 لاجئ سوداني إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، يتركز جلّهم في مناطق مثل الكفرة وطرابلس وطبرق، حيث يعيشون بلا مأوى مستقر أو رعاية صحية كافية.
رجم بالحجارة
يقول سالم صبري، اسم مستعار لصحفي سوداني يقيم حالياً في ليبيا، إنه يحبس أنفاسه مع أسرته داخل شقته في إحدى المدن الليبية، ولا يستطيع الخروج منها حتى لشراء حاجياته إلا ليلاً، وذلك خشية الاعتقال أو التعرض للاعتداء من قبل المواطنين الليبيين، كما توقف أبناؤه عن الذهاب إلى المدرسة أو حتى اللعب خارج الشقة، كما كانوا يفعلون في السابق.
الأطفال حينما يلاقوننا في الشارع يرجموننا بالحجارة ويطلبون منا الرحيل ومغادرة بلدهم، كما ينعتوننا بألفاظ حاطة بالكرامة. ما نعيشه الآن يشابه ما واجهناه بسبب الحرب في بلدنا
صحفي سوداني في ليبيا
وأضاف صبري لـ(عاين): أن “سيارات الأمن والمليشيات الحكومية ظلت تطوف في شوارع المدن منذ يوم الخميس الماضي بحثاً عن الأجانب، الأمر الذي جعله لا يستطيع الخروج حتى إلى الصلاة يوم الجمعة”. وما يزيد حيرة صبري أن المشكلة لم تعد مع السلطات وحدها التي يستطيع أن يتفادى حملاتها، وإنما أصبحت المشكلة الآن مع المواطنين الليبيين، إذ يقول: “أصبحنا نتعرض للاعتداء من السكان، والأطفال حينما يلاقوننا في الشارع يرجموننا بالحجارة، ويطلبون منا الرحيل ومغادرة بلدهم، كما ينعتوننا بألفاظ حاطة بالكرامة. ما نعيشه الآن يشابه مما واجهناه بسبب الحرب في بلدنا”.

ويؤكد صبري أنه لا يستطيع العودة إلى السودان في ظل استمرار الحرب وانقسام البلاد بين سلطتين، إحداهما للجيش وأخرى للدعم السريع، حيث لا تحترم أي منهما حرية العمل الصحفي. كما لا يستطيع البقاء في ليبيا بسبب هذه الظروف الآنية، وليس لديه من المال ما يمكنه من الذهاب للعيش في بلد آخر، ولذلك لم يبق أمامه غير المغامرة مع أسرته، التي من بينها ثلاثة أطفال، واستغلال قوارب تهريب البشر عبر البحر الأبيض المتوسط إلى قارة أوروبا، وفق قوله.
لقد حسم صبري قراره بالمغامرة، على الرغم من أنه ظل لسنوات يغطي أخبار حوادث مصرع العشرات والمئات من المهاجرين الأفارقة، ومن بينهم سودانيون، في عرض البحر الأبيض المتوسط نتيجة غرق قوارب متهالكة يقودها مهربو بشر ينشطون في تهريب الشباب الفارين من جحيم بلدانهم إلى مدن أحلامهم في أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية.
تعرض 8 صحفيين وصحفيات سودانيين في ليبيا خلال أسبوع واحد لانتهاكات شملت الإهانة والتهديد والتحريض
نقابة الصحفيين السودانيين
وفي السياق كشفت نقابة الصحفيين السودانيين عن تلقيها بلاغات من 8 صحفيين وصحفيات سودانيين في ليبيا تعرضوا خلال أسبوع واحد لانتهاكات شملت الإهانة والتهديد والتحريض، وذلك في ظل موجة عدائية متصاعدة ضد الأجانب والمهاجرين.
وقالت سكرتيرة الحريات بالنقابة، إيمان فضل السيد، إن السكرتارية رصدت – خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو الجاري – تصاعداً مقلقاً في حوادث المضايقة والتهديد وخطاب الكراهية، استهدف صحفيون سودانيين لاجئين في عدد من المدن الليبية. وذكرت أن الانتهاكات الموثقة تشمل: “التهديد بالعنف، ومحاولات الاعتداء، والتمييز في الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الشراء من المتاجر”.
وتقول النقابة إن عدد الصحفيين والصحفيات السودانيين المقيمين في ليبيا، الذين تواصلت معهم، بلغ 39 شخصاً، بينهم 16 صحفية، في حين بلغ عدد المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 28 صحفياً، بينهم 17 صحفياً يقيمون في مناطق مصنفة على أنها خطرة أو شديدة الخطورة.
مطاردات في الشوارع
وما يفاقم أوضاع السودانيين في ليبيا أن الرفض لوجودهم لم يكن قرار سلطات فقط، بل أصبح توجهاً شعبوياً بعدما جرت عمليات تعبئة للمواطنين الذين خرجوا في مظاهرات متكررة خلال الفترة الماضية، كان آخرها يوم الخميس الماضي، للمطالبة بطرد الأجانب. وفي بعض المناطق مارس الليبيون هذا الطرد بأيديهم حينما اعتدوا بالضرب على السودانيين، وأساءوا إليهم بألفاظ مهينة وحاطة بالكرامة.
وتداولت منصات التواصل الليبية مقاطع فيديو تُظهر جانباً من حملات القبض ضد الأجانب التي قامت بها قوات الأمن، والتي شملت مواقع السكن ومحال العمل، إضافة إلى مطاردات في الشوارع، حيث يتم القبض على المطلوبين بطرق عنيفة قبل دفعهم إلى سيارات “بوكس” مغلقة والذهاب بهم إلى مراكز الاحتجاز.
وطالت الحملات الأمنية ضد الأجانب مناطق الشرق والغرب الليبي على السواء، إلا أن الأكثر عنفاً كانت في الشرق، وشملت مناطق “بنغازي، البيضاء، المرج، شحات، درنة، القبة، طبرق، أجدابيا، البطنان”، وأسفرت خلال يومين عن القبض على 7782 شخصاً، بحسب ما أعلنته السلطات الرسمية في جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.
وفي خضم هذه الحملات وجد آلاف السودانيين الفارين بسبب الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع أنفسهم أمام واقع مهين ومهدد لأمنهم وسلامتهم في البلد التي لجؤوا إليها بحثاً عن الأمان، حيث أُخذ بعضهم إلى مراكز احتجاز تضم المئات في انتظار ترحيلهم إلى بلدهم، فيما بدا آخرون أكثر حظاً حينما أُطلق سراحهم مقابل مبالغ مالية دفعوها للمليشيات التي اعتقلتهم في الغرب الليبي، وفق إفادات سودانيين لـ(عاين).
وحتى السودانيين الراغبين في العودة إلى السودان من ليبيا، فثمة مشكلة أخرى تواجههم، وهي إغلاق المعبر الحدودي الوحيد الذي يربط بين الدولتين، بينما ترتفع تكلفة السفر عبر الطيران، إضافة إلى فقدان العديد من اللاجئين السودانيين في ليبيا لجوازات السفر؛ بسبب ارتفاع تكلفة استخراجها هي الأخرى.
ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع في يونيو 2025 على منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا، ظل المعبر الرابط بين الدولتين مغلقاً أمام الحركة الحدودية. وعلمت (عاين) أن مئات السودانيين الراغبين في العودة يتكدسون الآن في منطقة الكفرة الليبية في انتظار السماح لهم بدخول السودان عبر معبر المثلث.
كيف دخل السودانيون ليبيا؟
وكان السودانيون قد دخلوا إلى ليبيا خلال الفترة الماضية بموافقة السلطات الليبية، حيث كانت تمنح الداخلين في أولى نقاط العبور بطاقة “حصر الأجانب” بعد إجراء الفحص الطبي المطلوب، ثم السماح لهم بالعبور إلى داخل الأراضي الليبية، حيث يذهب بعدها اللاجئون إلى المدينة التي يريدون العيش فيها.
يقول سوداني مقيم في إحدى المدن الليبية، لـ(عاين): إنه “دخل إلى ليبيا برفقة أسرته دون جوازات سفر، مكتفياً بحمل الأرقام الوطنية، حيث تم منحهم بطاقات حصر الأجانب من قبل السلطات الليبية، قبل أن يسجلوا لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي منحتهم هي الأخرى بطاقة لجوء صالحة لمدة عام تمنحهم حق الإقامة في ليبيا دون التعرض لمضايقات من السلطات”.
وأضاف: أن “بطاقة المفوضية أصبحت الآن المشكلة الكبرى لديهم حال وجدتها السلطات بحوزتهم”، موضحاً أن السلطات تتشدد أكثر مع الشخص الذي يحمل بطاقة الإقامة الصادرة من المفوضية، حيث تقوم بترحيله على الفور. وأشار إلى وجود جهات متعددة تمارس الاعتقال بحق الأجانب، خصوصاً في مدن الغرب الليبي، بعضها تقوم بالإفراج عن المعتقلين مقابل دفع مبالغ مالية، مؤكداً أن أحد أصدقائه تم توقيفه يوم الجمعة في طرابلس قبل أن يُطلق سراحه مقابل 100 دينار ليبي.
ونوه السوداني، الذي رفض ذكر اسمه أو مكان إقامته خشية الاعتقال، إلى أن بعض الجهات تقوم باعتقال الأجانب، وتذهب بهم إلى مراكز احتجاز في المزارع، لن يتمكن بعدها المحتجزون من المغادرة إلا عبر الهرب إذا تمكنوا من ذلك. وأكد أنه يعرف بعض الشباب السودانيين ذهبوا إلى مناجم الذهب على الحدود الليبية التشادية للعمل هناك بعد المضايقات التي تعرضوا لها داخل ليبيا.
وأوضح أنه يحاول الآن استخراج جوازات لأفراد أسرته، وبعدها يذهب إلى السلطات الليبية لمنحه إقامة لمدة شهر بغرض المغادرة، موضحاً أنه يفكر في الذهاب إلى تشاد باعتبارها الأقرب، وتمنح السودانيين حق الإقامة.
مخالفة القانون الدولي
تقول الناشطة الحقوقية رنا عبدالغفار، إن الأوضاع التي يعيشها السودانيون في ليبيا حرجة للغاية، وتتنافى مع مبادئ القانون الدولي، لا سيما بعد تصاعد حملات الاعتقال والترحيل الجماعي. موضحة أن المواثيق الدولية تحظر ترحيل أي شخص قسرياً إلى موطنه إذا كانت حياته أو حريته مهددتين فيه.
حملات التوقيف الجماعي والترحيل البري من قبل السلطات الليبية لا تتسق مع التزامات ليبيا الدولية بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي صادقت عليه
رنا عبدالغفار، ناشطة حقوقية
وقالت عبدالغفار في تصريح لـ(عاين): إن “حملات التوقيف الجماعي والترحيل البري لا تتسق مع التزامات ليبيا الدولية بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي صادقت عليه”. وأضافت: أنه “رغم تذرع السلطات الليبية بالقوانين المحلية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، فإن التعامل مع الفارين من الحروب كمهاجرين غير نظاميين يسقط عنهم صفة الحماية الإنسانية الواجبة”.
وأشارت إلى أن وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية الليبية قد صرح بأن عمليات ترحيل بعض المواطنين السودانيين مؤخراً جاءت بناءً على طلب رسمي تقدمت به البعثة الدبلوماسية السودانية في ليبيا، مؤكدة أن ذلك يضع عبئاً قانونياً وسياسياً مباشراً على عاتق الطرف السوداني الرسمي.

ودعت السلطات السودانية إلى التراجع الفوري عن أي طلبات رسمية تدعو إلى إعادة المواطنين قسرياً إلى مناطق النزاع. كما دعت إلى تفعيل الدور القنصلي الإيجابي لحماية الرعايا عبر إصدار وثائق ثبوتية وتوفير غطاء قانوني يحميهم من الاحتجاز العشوائي، فضلاً عن التنسيق المشترك مع المنظمات الدولية لإنشاء مسارات إجلاء طوعي آمن إلى مناطق مستقرة.
وفي بيان أصدرته يوم الأحد الفائت، قالت سفارة السودان في طرابلس إن “المواطنين السودانيين الموجودين في ليبيا، بمن فيهم المسجلون لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتمسكون بخيار العودة الطوعية إلى السودان ولا يرغبون في إعادة التوطين داخل الأراضي الليبية”. وأعربت السفارة عن تقديرها للسلطات الليبية لتعاونها في تسهيل وتنظيم برامج العودة الطوعية للمواطنين السودانيين.
لماذا ترفض ليبيا الأجانب؟
وترفض السلطات الليبية توطين المهاجرين في بلدها، وذلك عقب إجراءات اتخذتها مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تقضي بمنح اللاجئين السودانيين بطاقات لجوء تمنحهم حق الإقامة دون التعرض لمضايقات من السلطات. وهو ما اعتبرته جهات ليبية محاولة من المفوضية لتوطين الأجانب، ما دفعها إلى التحريض ضد الأجانب والدعوة إلى التظاهر أكثر من مرة، كان آخرها يوم الخميس الماضي حينما تظاهر المئات أمام مقر مفوضية اللاجئين في العاصمة طرابلس.
وتقول السلطات الليبية إن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا في البروتوكول المكمل لها لعام 1967، وبالتالي فهي غير ملزمة قانوناً بأي ترتيبات دولية تتعلق بتوطين اللاجئين أو المهاجرين على أراضيها، وفق تصريحات رسمية منشورة في وسائل إعلام ليبية.



















