(مجزرة الاعتصام).. حقوقيون: يجب تذكير العسكريين بأن العدالة لن تسقط

عاين- 3 يونيو 2026

في الذكرى السابعة لفض اعتصام المدنيين السلمي جوار القيادة العامة للجيش السوداني بالعاصمة الخرطوم، ومدن أخرى شهدت حراكاً سلمياً مماثلاً، يشعر قادة الاحتجاجات بأن معالم العدالة قد طُمست وراء الدخان الكثيف للحرب الكارثية التي تدخل عامها الرابع في البلاد.

ففي الثالث من يونيو 2019، داهمت قوات المجلس العسكري مقر الاعتصام المدني في وقت مبكر من الصباح، وأطلقت الرصاص الحي وخراطيم المياه، واستخدمت الهراوات لضرب آلاف المعتصمين المطالبين بالانتقال إلى الحكم المدني، وذلك بعد أسابيع من تعثر التفاوض بين المكونين العسكري والمدني حول هياكل السلطة الانتقالية.

وأسفرت تلك العملية الأمنية والعسكرية لفض اعتصام القيادة العامة، والاعتصامات المماثلة التي أقامها المحتجون المدنيون جوار مقار الجيش في الولايات طلباً للحكم المدني، عن مقتل مئات المتظاهرين، وفقدان العشرات قسرياً، فضلاً عن جرائم العنف الجنسي الواسعة التي طالت الفتيات المعتصمات.

انقلاب عسكري يبدد العدالة

ولم تتمكن اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في فض اعتصام القيادة العامة للجيش السوداني والأحداث المماثلة في الولايات، برئاسة المحامي الحقوقي نبيل أديب، من الوصول إلى نتائج نهائية وقاطعة؛ حيث تعرضت أعمالها لتوقف كامل عقب الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، إثر تنفيذ قائدي الجيش والدعم السريع “المتحالفين آنذاك والخصمين اللدودين حالياً” انقلاباً قوض حكومة الحكومة الانتقالية المدنية بقيادة عبد الله حمدوك.

متظاهرون بالخرطوم في الذكرى الأولى لفض الاعتصام

وفي هذا السياق، قالت الناشطة الفاعلة في الحراك السلمي، وفي غرف الطوارئ الإنسانية خلال الحرب الحالية، سماهر عثمان، لـ(عاين): “إن ذكرى فض الاعتصام عادة ما تثير استياء قادة الأطراف العسكريين المتهمين بشكل رئيسي بالتخطيط ودفع القوات الأمنية لتنفيذ هذه العملية الغادرة”.

وترى عثمان، أن هذه الجريمة البشعة لن تسقط بالتقادم، وستظل تلاحق العسكريين الذين شاركوا وخططوا ونفذوا هذه العملية في العاصمة الخرطوم والولايات الأخرى، مهما اعتقدوا واهمين أنهم في مأمن، أو اختبؤوا خلف قوة “البنادق” وسلطة الأمر الواقع على حد تعبيرها.

نقطة تحول في العنف السياسي

وتعليقاً على حلول الذكرى السابعة لمجزرة القيادة العامة للجيش السوداني، حيث قتل واختفى مئات المحتجين السلميين عن أنظار عائلاتهم حتى يومنا هذا، قالت هيئة “محامو الطوارئ” إن تلك اللحظات مثّلت محطة كاشفة وصادمة في مسار العنف السياسي في السودان؛ حين جرى فض اعتصام مدني سلمي بالقوة المفرطة، وما تبعه من تقتيل وإصابات وإخفاء قسري وعنف جنسي ممنهج وانتهاكات طالت حتى الطواقم الطبية المسعفة.

وأضافت الهيئة الحقوقية في إفادتها: “تحولت تلك الواقعة الدامية إلى نقطة مفصلية سالبة في مسار الانتقال السياسي، بما حملته من إنهاء عنيف ومقترن بالدم لمطلب مدني ديمقراطي عريض”.

وفي سياق متصل، كشف مسؤولون سابقون في الحكومة الانتقالية أن بعض القادة العسكريين عرقلوا بوضوح خططاً تبنتها لجنة التحقيق الوطنية في مجزرة القيادة العامة، والتي كانت تهدف للاستعانة بخبراء دوليين في التحقيقات الجنائية من بلدان مثل الأرجنتين، التي تشتهر بالكفاءة والخبرة الطويلة في كشف ملفات المفقودين وقضايا الاختفاء القسري.

ترسيخ الإفلات من العقاب

وترى هيئة “محامو الطوارئ”، في البيان الصادر عنها اليوم الأربعاء الثالث من يونيو الجاري، أن مرور سبع سنوات على المجزرة يوضح بجلاء أن الوقت وحده لم يعد كافياً لإظهار الحقائق غير المكتملة، أو لتحديد المسؤوليات الجنائية والسياسية غير المحسومة حتى الآن.

وتابع بيان الهيئة موضحاً: “لقد أسهم فض الاعتصام بتلك الطريقة الوحشية في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وإضعاف أي مسار جاد للعدالة الانتقالية والمحاسبة؛ الأمر الذي أفضى بالضرورة إلى إعادة إنتاج أنماط العنف والتنكيل ذاتها، والتي تتجلى اليوم بوضوح في الحرب الشاملة الجارية بالبلاد، واتساع نطاق الانتهاكات الفظيعة ضد المدنيين العزل”.

ودعا البيان الحقوقي إلى ضرورة فتح مسار قضائي جاد ومستقل يتجاوز كافة محاولات العرقلة والعقبات السياسية والأمنية السابقة، والعمل على كشف الملابسات كاملة ومساءلة جميع المسؤولين دون استثناء، مع اعتبار فعل عرقلة العدالة بحد ذاته جريمة موجبة للمحاسبة، وضمان حماية الشهود وحفظ الأدلة وجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم، بوصف ذلك مدخلاً إلزامياً لكسر دورة الإفلات من العقاب ومنع تكرار الجرائم.

صعود العسكريين للمشهد

ورغم انتظام آلاف الشبان والفتيات من لجان المقاومة بالعاصمة السودانية والولايات ضمن مجموعات فاعلة ومؤثرة في الحراك السلمي خلال فترة الحكومة الانتقالية -التي تقاسمها المدنيون والعسكريون من نهاية 2019 وحتى أكتوبر 2021- للمطالبة بإنفاذ العدالة؛ بالمقابل، أوضح ناشطون حقوقيون أن العسكريين الذين كانوا في محيط التهمة بفض اعتصام القيادة، صعدوا إلى مناصب دستورية رفيعة حصلوا عليها بموجب الوثيقة الدستورية والاتفاق مع المدنيين، وهو الأمر الذي قوبل برفض ومعارضة شرسة من القوى الشبابية الحية.

متظاهر مصاب في احتجاجات ضد الانقلاب العسكري بالسودان- بأم درمان- 30 نوفمبر 2022- عاين

ولإحراز أي تقدم حقيقي في مسار العدالة لضحايا مجزرة القيادة العامة والولايات الأخرى، يشدد المدافع الحقوقي أحمد عثمان على ضرورة إحياء روح المقاومة السلمية وابتكار أدواتها في “زمن الحرب”، ويضيف في مقابلة مع (عاين):” الوضع الحالي في السودان ذو طبيعة أمنية وعسكرية معقدة وقمعية لن تسمح بأي حراك سلمي تقليدي في الشوارع، والمسار الوحيد المتاح حالياً هو التنسيق المحكم بين الفاعلين في الثورة والعاملين في غرف الطوارئ الإنسانية على الأرض”.

غياب الملاحقة السياسية

ويشير عثمان إلى أن إحياء ذكرى 19 ديسمبر نهاية العام الماضي قد أحدث حراكاً سياسياً واجتماعياً طال انتظاره وسط السودانيين؛ فمثل هذه الأفعال الرمزية المنظمة على الأرض داخل البلاد مؤثرة جداً، وتثير قلقاً بالغاً لدى العسكريين الذين يعتقدون واهمين أن البنادق كفيلة بإبقائهم بمعزل عن المحاسبة والمساءلة في هذه الجرائم التاريخية”.

وفي الوقت ذاته، ينتقد عثمان بشدة غياب الحملات المنظمة والمستمرة التي تطالب بالعدالة لضحايا مجزرة القيادة العامة وضحايا الاحتجاجات السلمية الأخرى سواء تلك التي جرت قبل سقوط نظام البشير أو بعده، أو عقب الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 مشيراً إلى تراجع تلك الأصوات وسط الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

وزاد بالقول: “بأن الأطراف العسكرية التي تتصدر ساحة الحرب والقتال حالياً، تشعر وكأنها غير ملاحقة قانونياً أو سياسياً إزاء جريمة فض اعتصام القيادة العامة في العاصمة السودانية والولايات الأخرى في الثالث من يونيو 2019”.

 وختم عثمان إفادته بالتشديد على ضرورة “تذكير العسكريين والمليشيات باستمرار “بأن التحقيقات في هذه الجريمة، التي ترقى بفظاعتها إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، لن تسقط بالتقادم مهما طال أمد الحرب”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *