مياه (الكارو) هل تُطفئ عطش الخرطوم؟ 

عاين- 23 مايو 2026

في عدد من أحياء العاصمة السودانية الخرطوم، لم يعد الحصول على المياه مسألة يومية عادية، بل تحول إلى عبء ثقيل يمتد لأيام من الانقطاع والبحث المستمر عن بدائل. 

يعتمد السكان على عربات “الكارو” وهي – عربة تقليدية تجرها الدواب- لجلب المياه من الآبار الارتوازية لتغطية احتياجاتهم اليومية، في ظل ارتفاع الكلفة وتراجع الاستقرار في الإمداد المائي. وتداخل مشكلة المياه مع أزمة الكهرباء التي تؤثر على تشغيل محطات الضخ، ما جعل الوصول إلى المياه أكثر صعوبة في أحياء مثل الصحافة والكلاكلة وأمبدة.

يشكو عمار عبد الرحمن وهو من سكان الصحافة بالخرطوم من تفاقم أزمة المياه بالمنطقة، قائلاً: «إن مشكلة المياه أصبحت تمس أحد أبسط مقومات الحياة الأساسية». 

أزمة مياه شرب في عدد من أحياء العاصمة الخرطوم

ويرى في حديثه لـ(عاين)، أن الحكومة تجاهلت الحقوق الأساسية للمواطنين حتى قبل اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المواطنين لم يعودوا ينتظرون تعويضاً عما فقدوه من أموال وممتلكات وأرواح بسبب الحرب، لكنهم يتساءلون عن جدوى دعوات العودة في ظل غياب الخدمات الأساسية. وقال: «إن السكان يعيشون وضعاً وصفه بالمؤلم: «وجدنا أنفسنا في بلد فيها نهرين ونحن عطشى».

يضطر عمار إلى شراء برميل مياه من عربة “كارو” كل يومين مقابل سبعة أو ثمانية آلاف جنيه، رغم توقف الأعمال وتراجع مصادر الدخل.

أحد سكان منطقة الصحافة يشكو في مقابلة مع (عاين) ارتفاع أسعار المياه، كما أن جودتها تثير مخاوف كثيرة: «لا نعرف مصدر مياه الكارو ولا نظافة البراميل المستخدمة، والمياه أحياناً تكون مالحة وغير صحية، وتسببت في بعض الأمراض للناس».

وفيما ينتقد ما وصفه بـ”الوعود الكاذبة” المتعلقة بحل أزمة المياه والكهرباء، يشير إلى أن بعض السكان في منطقته طرحوا فكرة معالجة الأزمة بجهود ذاتية في حال استمرار عجز الجهات الرسمية.

أحد العاملين في نقل وتوزيع المياه تجاريا عبر “الكارو” يقول لـ(عاين): “أسعار المياه شهدت ارتفاعاً خلال الفترة الأخيرة؛ بسبب صعوبات الحصول عليها وزيادة تكاليف التشغيل.. أصحاب عربات الكارو يعتمدون على تعبئة المياه من عدة نقاط، منها محطة بالسوق المركزي وأخرى في الميناء البري، حيث توجد خزانات أو مصادر يتجه إليها أصحاب الكوارو للتزود بالمياه قبل توزيعها على الأحياء السكنية”. وتابع: إن “الطلب على المياه ارتفع بصورة كبيرة مع استمرار الانقطاعات، ما جعل عربات الكارو مصدراً أساسياً لكثير من الأسر”.

أزمة هيكلية ممتدة

وبحسب مصدر مسؤول في الشركة السودانية لنقل الكهرباء الحكومية، فإن الأزمة الكهرباء المرتبطة بتعطل إمدادات المياه لا تبدو مرتبطة بعطل آني أو خلل تشغيلي محدود، وإنما بأزمة هيكلية ممتدة تفاقمت بصورة أكبر بعد الحرب. وأوضح، أن قطاع الكهرباء كان يعاني بالفعل من فجوة بين الإنتاج والطلب حتى قبل اندلاع الحرب، إلا أن الأوضاع الحالية جعلت المشكلة أكثر تعقيدًا بسبب الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها محطات التوليد وشبكات التوزيع.

وكشف تقرير حديث كشف لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء في السودان منذ بدء النزاع في أبريل 2023 تقدر بما يصل إلى 3 مليارات دولار.

وقا المصدر الحكومي لـ(عاين): “إن هناك نقصًا حادًا في التوليد الكهربائي، في وقت يشهد فيه الاستهلاك ارتفاعًا متواصلًا مع عودة السكان تدريجيًا إلى ولاية الخرطوم، دون أن يقابل ذلك أي توسع في القدرة الإنتاجية للشبكة. وأضاف: “أن زيادة أعداد العائدين تعني ارتفاع الأحمال الكهربائية، بينما يظل المتاح من الطاقة محدودًا، محذرًا من أن عودة سكان الخرطوم بكاملهم قد تؤدي إلى أزمة أكبر في الإمداد”. وفي ما يتعلق بشبكات التوزيع، أشار إلى وصول محولات كهربائية ضمن منحة سعودية، لكنه قال إن الاستفادة منها ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بنقص المواد المساعدة اللازمة للتوصيل والتشغيل، مثل الكوابل وأسلاك التوصيل والبورسلانات ومكونات أخرى ضرورية لإدخال المحولات إلى الخدمة.

وأوضح المصدر أن: “الجزء الأكبر من التوليد الحالي يعتمد على المحطات الكهرومائية، وعلى رأسها سد مروي بطاقة تصميمية تبلغ 1250 ميغاواط، وسد الروصيرص بطاقة 280 ميغاواط، وسد ستيت بطاقة 320 ميغاواط”.

وأشار إلى خروج محطة بحري الحرارية من الخدمة؛ بسبب ما تعرضت له من تخريب ونهب، بينما تبلغ الطاقة التصميمية لمحطة أم دباكر 500 ميغاواط، إلا أن المتاح منها حاليًا يقل عن 150 ميغاواط بسبب الحاجة إلى قطع غيار وأعمال صيانة تتطلب اعتمادات مالية غير متوفرة.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، خرجت الكثير من محطات التوليد عن الخدمة، وسط اتهامات متبادلة من الطرفين باستهداف محطات الماء والكهرباء.

وأضاف المصدر: «أن محطات التوليد المعزولة خارج الشبكة القومية توقفت هي الأخرى نتيجة التخريب والأضرار التي لحقت بها، مشيرًا إلى ما حدث في الفاشر، فضلًا عن ظروف أخرى مرتبطة بالأوضاع الأمنية في غرب البلاد».

انقطاع الكهرباء والعطش

أزمة الطاقة انعكست بشكل مباشرة على خدمات المياه، لجهة أن تراجع التوليد وعدم استقرار الشبكة يؤثران على استمرارية التيار الكهربائي اللازم لتشغيل محطات الضخ والمضخات الرئيسية، خاصة خلال فترات ارتفاع الطلب في فصل الصيف.  وقال أحمد جكسا، من منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم، إن أزمة المياه أصبحت واقعًا يوميًا يثقل حياة السكان، مشيرًا إلى أن الانقطاع يمتد أحيانًا لأيام متواصلة دون حلول جذرية.

وكانت هيئة مياه ولاية الخرطوم قالت أن إنتاجية المياه في العاصمة تراجعت من 950 ألف متر مكعب يومياً إلى 750 ألف متر مكعب فقط؛ بسبب تذبذب وعدم استقرار التيار الكهربائي المغذي للمحطات النيلية والآبار.

وأوضح جكسا لـ(عاين)، أن أحياء الكلاكلة صنقعت تشهد انقطاعًا متكررًا للمياه لفترات طويلة، ما دفع السكان للبحث عن بدائل لتغطية احتياجاتهم.. المواطنين لجأوا إلى الآبار الارتوازية العاملة بالطاقة الشمسية، والتي أُنشئت عبر الجهود الأهلية وحملات النفير الشعبي، بعد أن أصبح الاعتماد على الشبكة العامة غير مستقر”.

باعة مياه شرب في مدينة بورتسودان

ويشير إلى أن استهلاك الأسر للمياه يختلف بحسب عدد أفرادها، لكن ارتفاع الطلب والكثافة السكانية جعلا تكلفة الحصول على المياه عبئًا إضافيًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.

وربط جكسا بصورة مباشرة بين أزمتي الكهرباء والمياه، قائلاً إن المياه تنقطع في كثير من الأحيان فور انقطاع التيار الكهربائي، باعتبار أن معظم محطات الضخ تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء، ما يضع المواطنين أمام أزمتين متزامنتين: انقطاع الكهرباء والعطش.

وأضاف أن السكان يحاولون التكيف عبر أشكال التكافل الاجتماعي وتبادل المياه بين الجيران وتقليل الاستهلاك قدر الإمكان، إلا أن ذلك لا يلغي حجم المعاناة اليومية، خاصة في احتياجات الطبخ والغسل والنظافة.

وطالب جكسا بتدخلات عاجلة تشمل توفير واستقرار الكهرباء للمحطات المغذية للمياه، وصيانة وتأهيل الشبكات المتضررة ومحطات المياه، بينها محطة جبل أولياء، إلى جانب دعم مشاريع الآبار العاملة بالطاقة الشمسية ووضع معالجات إسعافية تضمن وصول المياه للمواطنين بصورة مستقرة.

وأضاف: “أهل الكلاكلة أثبتوا مرة أخرى أن التكافل الشعبي والنفير الأهلي قادران على سد جزء من الفجوة، لكن الخدمات الأساسية ليست مسؤولية المواطن وحده، بل حق يجب أن توفره الدولة”.

تراجع قدرات التوليد

حول الأسباب الفنية التي تقف وراء ضعف الإمداد الكهربائي وتأثيره في الخدمات الحيوية، يقول المسؤول بالشركة السودانية لتوزيع الكهرباء المحدودة لـ(عاين): “الأزمة ترتبط بصورة أساسية بتراجع قدرات التوليد وخروج عدد كبير من المحطات عن الخدمة.. معظم محطات التوليد الحراري أصبحت متوقفة، فيما تعمل محطة حرارية واحدة فقط بصورة غير مستقرة، إذ تعمل لفترات محدودة، ثم تتوقف مجددًا، ما حدَّ من مساهمة التوليد الحراري في تغذية الشبكة”.

“الشبكة تعتمد حاليًا بصورة كبيرة على التوليد المائي عبر السدود والخزانات، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على استقرار الإمداد الكهربائي، خاصة مع ارتفاع الطلب على الاستهلاك”. يقول المصدر الحكومي. 

ويشير كذلك إلى أن الأضرار التي لحقت بمحطات النقل والتوزيع وخطوط الكهرباء خلال الحرب فاقمت من تعقيدات الأزمة، مبينًا أن التأثير لا يقتصر على نقص التوليد وحده، بل يمتد أيضًا إلى البنية التحتية الناقلة والموزعة للطاقة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الخدمة للمرافق الحيوية، بما في ذلك محطات المياه.

انقطاع يمتد لشهر كامل 

من مدينة أمدرمان ضاحية أمبدة الحارة الخامسة، يقول أبو بكر قسم السيد وهو أحد سكان المنطقة: إن “أزمة المياه في منطقته مستمرة لفترات طويلة، والانقطاع قد يمتد لشهر كامل.. السكان يعتمدون حاليًا على جلب المياه من مناطق مجاورة أو شرائها، إلا أن توفرها ليس مستمرًا”. 

وفي ما يتعلق بالاستهلاك اليومي، يشير قسم السيد إلى إن بعض الأسر تكتفي ببرميل واحد عند الضرورة، وقد يصل الاستهلاك إلى برميلين للاستخدامات المختلفة مثل الاستحمام، مشيرًا إلى أن سعر البرميل يبلغ نحو 12 ألف جنيه.

مياه شرب في مخيم لاجئين سودانيين شرقي تشاد

وأكد أن السكان يواجهون صعوبات كبيرة في تلبية الاحتياجات اليومية الأساسية، بما في ذلك مياه الشرب، إلى جانب الطبخ والغسيل والنظافة.

ويعتمد تشغيل محطات الضخ الرئيسية والآبار الجوفية في أحياء مثل (أم درمان، كرري، أمبدة، وشرق النيل) بشكل كامل على الطاقة الكهربائية، مما جعل انقطاع التيار لفترات طويلة (تصل إلى 12 ساعة يومياً) سبباً مباشراً في جفاف المواسير. وأكد قسم السيد أن المطلب الأساسي والعاجل للسكان هو توفير المياه بصورة فورية لإنهاء المعاناة المستمرة في الحي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *