إلى أي البدائل اتجه إعلاميو ومثقفو السودان في زمن الحرب والتشريد؟

عاين- 3 مايو 2026

حين وصلت الإذاعية وصانعة المحتوى محاسن أحمد إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، كانت الصورة مشوشة بالكامل. لم تكن تحمل سوى خبرتها السابقة في الإعلام وطفلًا لم يبلغ عامه الأول بعد، في واقع جديد يفرض عليها إعادة تعريف حياتها من الصفر.

جربت العمل في مطعم ومهن أخرى، لكنها سرعان ما أدركت أن المجال الوحيد الذي يمكن أن تستعيد فيه توازنها هو الإعلام. من هنا بدأت رحلتها في صناعة المحتوى.

ومع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، اتجه الصحافيون والإعلاميون إلى بدائل رقمية في محاولة للاستمرار في أعقاب الانهيار شبه الكامل للمؤسسات الصحفية والإعلامية التقليدية المختلفة.

وإلى جانب القيود الصارمة التي يفرضها طرفا الحرب على العاملين والعاملات  في المجال الإعلامي يواجه الإعلاميون في السودان مخاطر كبيرة في ميادين التغطية، وتقول نقابة الصحفيين السودانيين في بيان بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، والذي يصادف الأول من مايو: إن “الحرب في السودان أودت بحياة 34 صحفياً وصحفية، بينهم 5 صحفيات، فيما وثّقت النقابة 680 انتهاكاً ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، شملت القتل والاعتقال والاختفاء القسري والتشريد والاعتداءات الجسدية ومصادرة المعدات والاستهداف المباشر للمؤسسات الإعلامية”.

تقول محاسن لـ(عاين): “بعد الاستقرار النسبي في كمبالا، عدت إلى تجربتي الإذاعية، وبدأت في إدارة منصات رقمية، قبل أن ألتحق بورش تدريبية في التصوير مع (آرت لاب ومعهد جوتة، وبعدها انفتح أمامي أفق جديد للتعبير، خصوصًا عبر الصورة”.

وتضيف: “كما جربت العمل في الصحافة الإلكترونية لكني لم استمر طويلًا، إذ شعرت أن هذا الشكل التقليدي لا يواكب التحولات التي فرضتها الحرب، ولا يتيح المساحة الكافية للسرد الإنساني. في المقابل، بدا لي المحتوى البصري أكثر قدرة على الوصول والتأثير، خاصة في بيئة يتجه فيها الجمهور نحو “المشاهدة” بدل القراءة”.

جانب من احتفال الصحفيين باعلان نتائج انتخابات نقابة الصحفيين 29 أغسطس 2022

وحول اتجاهها إلى صناعة المحتوى تقول محاسن إن تجربتها الأولى كانت مع قصة شاب نازح من الفاشر، وثّقت عبرها معاناة معقدة في ظل الحرب. ورغم ما واجهته من أخطاء، شكلت تلك التجربة نقطة تحول. لاحقًا، قدمت قصة أخرى عن شابة سودانية افتتحت مشروعًا صغيرًا في كمبالا، وحققت انتشارًا واسعًا، متجاوزة البعد الفردي إلى طرح أسئلة أوسع تتعلق باللجوء والحرب والتحولات الاجتماعية.

منذ ذلك الحين، واصلت محاسن إنتاج قصص حية عن السودانيين في المنفى، مركزة على كيفية تأقلمهم مع واقع جديد، في ظل غياب شبه كامل لفرص العمل في المجال الإعلامي.

تقول: “اعتمدت في البداية على منصاتي الشخصية، قبل أن أجد فرصًا محدودة مع جهات داعمة، وصولًا إلى تجربة البودكاست، التي وجدت نفسي فيها بشكل أكبر، خاصة في الحوارات مع فنانين ومثقفين حول قضايا الحرب والسلام وخطاب الكراهية”.

وتخبر محاسن (عاين) أن هذا المسار لم يكن خاليًا من التحديات. فـ”محاولة إنتاج محتوى (محايد) في سياق حرب مستقطِبة تضع صانع المحتوى في منطقة رمادية، حيث يمكن أن يُتهم بالانحياز لأي طرف، حتى حين يتبنى خطابًا داعمًا للسلام.” إلى جانب ذلك، تقول محاسن إنها واجهت تحديات اجتماعية مرتبطة بكونها امرأة تعمل في الإعلام، وما يفرضه ذلك من ظهور بالصوت والصورة، فضلًا عن الهجمات الشخصية التي تستهدفها في الفضاء الرقمي.

ورغم ذلك، تصر على أن خيارها واضح وتضيف: “دعم السلام، وبث الأمل، ومواجهة خطاب الكراهية عبر أدوات ثقافية، من الغناء إلى السرد البصري”. وترى أن الجمهور السوداني، بعد أشهر طويلة من الحرب، لم يعد بحاجة إلى مزيد من الأخبار، بقدر ما يحتاج إلى خطاب يعيد إليه الإحساس بالحياة.

التحول الرقمي

لا يمكن فهم تجربة محاسن بمعزل عن التحول الأوسع الذي يشهده الفضاء الإعلامي السوداني. الإعلامي فتح الرحمن بشير، يرى أن الانتقال إلى المحتوى الرقمي ضرورة فرضتها حرب 15 أبريل، التي دفعت المنصات الرقمية لتصبح المساحة الأساسية للوصول إلى الجمهور والتأثير عليه.

ويقول في إفادته لـ(عاين):” هذا التحول أتاح سرعة غير مسبوقة في انتشار المحتوى، وتنوعًا في أشكاله، من الفيديوهات القصيرة إلى البودكاست، لكنه في الوقت نفسه خلق تحديات حقيقية، أبرزها أزمة المصداقية، وضغط التفاعل، والحاجة المستمرة لإنتاج محتوى جذاب في بيئة شديدة التنافس”.

ويشير بشير، إلى أن الحرب أثرت بشكل مباشر على الذاكرة الجمعية للسودانيين، وعلى إحساسهم بالانتماء، ما دفع إلى محاولات مستمرة لإعادة تعريف الهوية، سواء عبر السرد الرقمي، أو من خلال الفن وتوثيق التجارب الإنسانية.

ويقول: “لم يعد المحتوى مجرد نقل للأحداث، بل أصبح جزءًا من الصراع نفسه، من خلال قدرته على تشكيل السرديات وتوجيه الرأي العام. ويتساءل: “هنا يبرز التحدي الأكبر، كيف يمكن لصانع المحتوى أن يوازن بين السرعة والدقة، وبين التأثير واحترام حساسية الضحايا؟”.

صحافة

يضع الكاتب والناقد مأمون الجاك هذه التحولات ضمن سياق تاريخي أوسع، مستعيدًا أفكار فالتر بنيامين حول العلاقة بين التقنية والثقافة. فالتطورات التقنية، كما يرى، لا تغيّر وسائل التعبير فقط، بل تعيد تعريف مفاهيم الثقافة والفن والأدب نفسها.

وعن الحالة السودانية يقول مأمون الجاك في حديثه لـ(عاين): “تسارعت هذه التحولات بفعل الحرب، حيث تراجع حضور الوسائط التقليدية، من الصحف إلى الإذاعة والتلفزيون، مقابل صعود منصات التواصل الاجتماعي كبديل رئيسي. ولم يعد هذا التحول مجرد تغيير في الوسيط، بل في طبيعة الفعل الثقافي ذاته”.

ويضيف: “ففي ظل غياب الفضاء العام، وتفكك الحياة اليومية، أصبح الفضاء الرقمي هو الحاضنة الأساسية للثقافة الجماهيرية. ومع التدفق الهائل للمعلومات، برزت إشكاليات جديدة تتعلق بضبط المعرفة، وحدود الحقيقة، وتأثير ذلك على الأنظمة الرمزية والأخلاقية”.

ويدعو الجاك توظيف هذا التحول وعدم رفضه والاستفادة منه في نشر المعرفة، مشيرًا إلى مبادرات تسعى لتوثيق الثقافة السودانية وحفظها من التآكل. فـ”المحتوى الرقمي، رغم فوضاه، أصبح وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة الثقافية، في لحظة تتعرض فيها هذه الذاكرة لتهديد غير مسبوق”، على حد قوله.

ويضرب مأمون الجاك مقالًا بموقع (صون تراث السودان) الذي في رأيه لا يمثل توثيقًا للثقافة السودانية في شتى أشكالها فحسب، بل سعيًا لإبطال خطاب الحرب القائم على ضغائن وتناحر الهويات، بالعمل على أن يعرِف السودانيون بعضهم حقاً لا طبقا لمرويات مشكوكٍ في أمرها. مشيرًا إلى بعض مشروعات هذه المؤسسة أوقفتها الحرب أو أفسدتها، من ذلك مشروع ترميم متحف بيت الخليفة بأم درمان.

ويردف: “مثال آخر للعمل على توثيق الثقافة السودانية ومشتقاتها من آداب وفنون، يتجلى في موقع (حديقة الكلمات) لصاحبه أيمن هاشم. يقدم الموقع مقالاتٍ في علمِ الإناسة أو الاجتماع في سياق الثقافة السودانية، إضافة إلى ذلك يتضمن الموقع ذخيرة جيدة من نصوصٍ أدبية، شعرية وسردية، أنتجتها الأجيال الجديدة الأكثر انفتاحا وتطلعا لسودانٍ يتقبل تنوعه ويرضى باختلافاته، دون محاولة قسر أو إخضاع أو إلغاء”.

ملامح الإنتاج الثقافي: بين التراجع والاستمرار

من زاوية المتابعة، يرى الصحافي عيسى دفع الله أن الإنتاج الثقافي السوداني تأثر بشكل كبير بالحرب، لكنه لم يتوقف. فالأدب، على سبيل المثال، شهد حضورًا لافتًا لما يمكن تسميته بـ”أدب الحرب”، عبر مجموعات قصصية وروايات تعكس التجربة الراهنة.

ويرى دفع الله في إفادته لـ(عاين) أنها هناك أيضًا أعمال غنائية جديدة تستلهم الواقع، إلى جانب إنتاج تلفزيوني محدود، تمثل في مسلسلات صُورت خارج السودان، وبرامج غنائية ذات طابع توثيقي أسهمت في استعادة جزء من الذاكرة الجمعية.

ويضيف: “رغم ذلك، لا تزال بعض الإشكالات القديمة قائمة، خاصة في الإنتاج الدرامي، من حيث ضعف الجودة الفنية. في المقابل، يبرز المحتوى المقروء، خصوصًا السرديات الأدبية، كأحد أكثر الأشكال قدرة على جذب الجمهور، لما يتيحه من عمق وتنوع في المعالجة”.

أما التحول إلى المحتوى الرقمي، فيراه دفع الله امتدادًا طبيعيًا للتطورات التقنية، ويقول: “لقد نجحت بعض المبادرات في تحقيق حضور وتأثير، ومكاسب اقتصادية محدودة، رغم صعوبة الظروف”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *