“قاتل صامت” يتسلل إلى مستشفيات مناطق سيطرة حكومة (تأسيس)
عاين- 23 مارس 2026
بينما تستمر حرب السودان في حصد أرواح المدنيين، ثمة موت صامت يتسلل يومياً إلى غرف العمليات وعنابر المستشفيات في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها. وتكشف شهادات ميدانية لـ(عاين) عن تدهور حاد في الخدمات الطبية وصل في مناطق واسعة إلى مرحلة الانهيار الشامل؛ حيث يواجه القطاع الطبي هناك تحديات وجودية تتراوح بين هجرة الكوادر المؤهلة، ونفاد الأدوية لا سيما المنقذة للحياة.
في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي اختارها تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” لتكون العاصمة الإدارية، يصف الكادر الطبي محمد عثمان أبكر (اسم مستعار)، في مقابلة مع (عاين)، وضع بـ “الخطير”، مرجعاً ذلك إلى تداعيات الحرب التي دفعت معظم الأطباء لمغادرة البلاد، بجانب شح الأدوية. ويوضح أبكر، أن المستشفيات التي لا تزال داخل الخدمة هي في معظمها مرافق قامت قوات الدعم السريع بتشغيلها عبر وزارة الصحة التابعة لـ “حكومة تأسيس”، مشيراً إلى أن هذه المرافق تظل في معظم أوقاتها خارج الخدمة؛ بسبب إضرابات الأطباء ونقص الدواء، مما يعكس عجز الإدارة المدنية في الولاية عن تشغيلها بفاعلية واستقرار.
ويضيف محمد عثمان: “مشكلة الكوادر الصحية تكمن في أنهم يعملون تحت ضغوط أمنية ونفسية هائلة، بجانب عدم تقاضيهم لرواتبهم في مواعيدها المقررة، مع عدم كفايتها أصلاً لسد الاحتياجات الأساسية”. وكشف أبكر لـ(عاين)، إن أطباء الطوارئ في أقسام الجراحة والباطنية بمستشفى نيالا التعليمي هددوا في شهر فبراير الماضي بالإضراب عن العمل حال عدم تنفيذ مطالبهم، وأبرزها توفير الأدوية، وذلك عقب توقف منظمة “أطباء بلا حدود” عن دعم قسم الطوارئ في المستشفى. وطالب الأطباء إدارة المستشفى بتوفير أدوية الطوارئ والمعدات الطبية اللازمة، ومساواة مرتباتهم مع بقية الأطباء العموميين في الأقسام الأخرى.
الكوادر الطبية التي قادت الحراك المطلبي في نيالا تعرضت للاعتقال والضرب
كادر طبي في نيالا
ويؤكد أبكر أن أطباء قسم الباطنية في مستشفى نيالا التعليمي كانوا قد دخلوا في إضراب استمر شهرين بسبب عدم صرف رواتبهم، قبل أن تعيد الإدارة ووزارة الصحة الولائية الخدمة للقسم جزئياً. وينوه أبكر الانتباه إلى “جانب مظلم” في التعامل مع هذا الحراك المطلبي، حيث يوضح أن الذين قاموا بالحراك تعرضوا لعمليات اعتقال وضرب وتهديد في سرية تامة، مما زرع الخوف في نفوس معظم الأطباء ومنعهم حتى من المطالبة بحقوقهم المهنية المشروعة.
من جهته، يقول أحد الكوادر الطبية في مدينة نيالا -والذي فضل حجب اسمه لدواعي أمنية- لـ(عاين): إن “الأوضاع الصحية الصحة في نيالا تواجه نقصاً كبيراً وفجوات كثيرة، ومع هذا الوضع الصعب، فإن التنسيق بين الجهات المختلفة يبدو أمراً شاقاً”. ويشير المصدر، إلى أن الجانب الإيجابي الوحيد هو توفير بعض المنظمات للاحتياجات الأساسية؛ حيث تسلمت منظمة “أطباء بلا حدود” أقساماً في المستشفى التعليمي، منها قسم التوليد، وحدث دمج فني (Combination) بين أطباء المنظمة وكوادر التغذية للأطفال والرعاية، مما وفر خدمة جيدة نسبياً للسكان في تلك الأقسام المحددة.

ويضيف المصدر الطبي في نيالا أن المستشفى الإيطالي المخصص أصلاً للأطفال يقدم خدمات ممتازة ومجانية بالكامل سواء في الفحوصات أو العلاجات، أما في المستشفى التعليمي، فتوجد رسوم رمزية تُدفع للأطفال، ويتم التعامل مجاناً فقط مع ما يسمى “الحالات الحمراء” (Red Cases)، أما الحالات الصفراء والخضراء فيدفع ذووها تقريباً نصف القيمة. وفي قسم النساء والتوليد، يوضح المصدر أن السيدات اللواتي لديهن عمليات قيصرية سابقة تُعتبر حالاتهن طارئة (Emergency) وتُقدم لهن الخدمة مجاناً، أما من تلد لأول مرة، فتُفرض عليها رسوم رمزية.
وفيما يخص قسم الجراحة، يؤكد المصدر لـ(عاين) أن القسم لا يزال يعمل بمجهودات بسيطة، ويقول: “لا يوجد سوى أخصائي واحد فقط في ولاية جنوب دارفور بأكملها”. أما قسم الباطنية في مستشفى نيالا التعليمي، فيصفه بأنه مغلق تماماً، ولا يوجد بصيص أمل لافتتاحه قريباً، رغم وجود مجموعة من الأخصائيين، لكن الوزارة التابعة لسلطة الأمر الواقع لم تقم بدورها في هذا الجانب. ويتابع المصدر أن المستوصفات الخاصة موجودة، لكن الأسر الضعيفة والنازحين لا يقوون على تحمل تكاليفها المالية، مما جعل المرافق تفتقر للخدمات الأساسية.
ويشرح المصدر الطبي في نيالا أسباب النقص الحاد في الكوادر الطبية، ويقول: “المنطقة أصبحت طاردة، ولم يعد الأطباء قادرين على مباشرة عملهم؛ بسبب تدهور الأمن والمضايقات وغياب الحماية اللازمة، بالإضافة إلى محاولات بعض الأطباء الهجرة لتكملة تخصصاتهم بعيداً عن منطقة تفتقد لوسائل التعليم المهني.
وحول المعدات الطبية، يقول الكادر الطبي إنها شبه منعدمة، مما أثر في دقة التشخيص وجعل العمل يعتمد على الخبرة السريرية (Clinical) فقط دون فحوصات دقيقة؛ حيث تنعدم أجهزة الأشعة والتشخيص في المستشفيات التعليمية، ولا تتوفر إلا في أماكن محددة بأسعار باهظة. ويحذر المصدر من أن الأدوية التي تصل هي أدوية مهربة وغير مسجلة رسمياً، ولا تُعرف مدى سلامتها (Safety)، ومع ذلك يضطر الناس لاستخدامها نتيجة إغلاق الطرق الرسمية بسبب الحرب.
لا يختلف الوضع في ولاية شمال دارفور كثيراً، حيث يصف تقرير صادر عن “الشبكة الشبابية للمراقبة المدنية” في منتصف مارس الجاري، الوضع الصحي في محلية “طينة” بالحرج جداً منذ بداية فبراير 2026. ويعزو التقرير ذلك لنقص الدواء نتيجة إغلاق جميع المنظمات العاملة في المجال الصحي لمكاتبها بسبب الوضع الأمني، حيث يستمر إغلاق مستشفى “طينة” منذ يناير الماضي مع عمل بعض العيادات المحدودة في أماكن تجمع النازحين.
الكادر الطبي مهدد من العسكريين الذين يصرون على فحص مرضاهم وتعافيهم في اللحظة نفسها
كادر طبي بمستشفى زالنجي
وفي ولاية وسط دارفور، يقدم أحمد محمد علي (اسم مستعار)، وهو أحد الكوادر الطبية بمستشفى زالنجي التعليمي، شهادة لـ(عاين) يصف فيها الوضع الصحي ب”السيئ جداً”. ويقول علي: إن “الكادر الطبي لا يجد الراحة الكافية للقيام بمهامه، بجانب المعاناة في التعامل مع العسكريين الذين يصرون على فحص مرضاهم وتعافيهم في اللحظة نفسها، وكأن الطبيب هو المتسبب في إصابتهم”.
ويضيف أحمد محمد علي في حديثه لـ (عاين) حول القدرة التشغيلية، ويشير إلى أنها أصبحت تابعة لأشخاص معينين، حتى الذين لا كفاءة لهم في المجال الطبي أصبحوا أطباء، مشيراً إلى وجود خريجين جدد تابعين لجهة معينة أصبحوا ممرضين بطموح أن يتحولوا لأطباء بغير وجه حق. ورغم وجود كوادر طبية مؤهلة تستحق العمل في تخصصاتها، لكن الفرصة غير متوفرة لهم؛ بسبب استشراء المحسوبية في المجال الطبي الذي يُفترض أن يكون بعيداً عن هذه الممارسات.
ويؤكد الكادر الطبي في زالنجي أن الأدوية والمخازن الطبية هي الوحيدة المتوفرة بطريقة جيدة بفضل دعم المنظمات التي توفر أدوية الطوارئ والسكري والضغط، وتعتمد نظام الفرز (Triage) في التعامل مع المرضى. ومع ذلك، يشير أحمد محمد علي إلى أن العقبة الكبرى هي الطرق المغلقة تماماً، مما يمنع وصول الأدوية بطريقة كافية وسليمة، ويؤدي إلى احتجازها في الشوارع لفترات طويلة تحت أشعة الشمس، مما يؤثر في صلاحيتها، ويجعل المحاليل غير صالحة للاستخدام.
مستشفى الفولة بغرب كردفان ينقصه الأطباء والكادر المؤهل في المختبرات والتمريض، ويتم الاعتماد حالياً على خريجي دورات الهلال الأحمر الإسعافية
ناشط في غرف طوارئ الأطباء
كما يلفت علي الانتباه إلى العجز في التجهيزات التقنية وغياب قسم الهندسة الطبية المسؤول عن صيانة المعدات، مؤكداً النقص الحاد في الكوادر المتخصصة خاصة في القسم الباطني الذي لا يجد دعماً من المنظمات، ويفتقر للأخصائيين والنواب وسلسلة وظيفية كاملة.
يتطابق هذا مع الوضع في ولاية غرب كردفان؛ حيث يصف الناشط في غرف طوارئ الأطباء، عدي عبدالله حامد، في مقابلة مع (عاين)، الوضع الصحي بالمتردي، مؤكداً غياب الخدمة العلاجية والدوائية والوقائية. ويقول حامد: “مستشفى مدينة الفولة على وجه التحديد ينقصه الأطباء الاختصاصيون في كافة المجالات، وينعدم الكادر المؤهل في المختبرات والتمريض، ويتم الاعتماد حالياً على خريجي دورات الهلال الأحمر الإسعافية”.

ويضيف عدي عبدالله حامد أن الأدوية المتوفرة تشعر بأنها غير فاعلة في مجابهة الأمراض، معتقداً أنها غير مطابقة للمقاييس السودانية لكونها تدخل عبر حدود جنوب السودان وشرق أفريقيا. ويؤكد حامد انعدام أجهزة الفحص في كل الأقسام، بدءاً من الصحة العامة والحوادث والنساء والتوليد، لدرجة أن المستشفى الرئيسي لا يوجد به حتى جهاز فحص دم بسيط (CBC).
في المقابل، يقدم مسؤول طبي في ولاية غرب كردفان يتبع للإدارة المدنية لـ “حكومة تأسيس”، رواية مختلفة للأوضاع الصحية بالولاية. ويقول في مقابلة مع (عاين): إنهم “يعملون في ظل تحديات صعبة تحت قصف الطيران للمؤسسات العلاجية، مما أدى إلى تدمير كامل لمستشفى بابنوسة”. ورغم ذلك، يؤكد المسؤول الحكومي تقديم خدمات رعاية صحية مجانية للمجتمعات، موضحاً أنه عند تكليفهم بمهام الوزارة لم تكن هنالك جرعة لقاح واحدة للأطفال لقرابة السنتين، لكنها الآن متوفرة في معظم مراكز التحصين بالولاية باستثناء القليل منها لظروف أمنية.
وزير الصحة في حكومة “تأسيس”، علاء الدين نقد، رفض الإجابة عن أسئلة (عاين) التي طُرحت عليه حول الواقع الصحي
ويضيف المسؤول الطبي إلى توفيرهم أكثر من 8000 كرتونة تغذية علاجية لأطفال سوء التغذية، وتصديهم لوباء الكوليرا من خلال فرق الاستجابة ومراكز العزل. وأكد رفع الكفاءة التشغيلية للمستشفيات وفتح عدد من المرافق المغلقة، مؤكداً أن 20 مستشفى في الولاية تعمل حالياً باستثناء ثلاثة مستشفيات دمرها قصف الطيران.
ويقر المسؤول الحكومي، بنقص في الاختصاصيين وبعض الأطباء، وحاجة المؤسسات لأجهزة تشخيصية. ويحدد التحدي الأكبر في توفير الإمداد الدوائي؛ بسبب منع السلطات الأمنية في مدينة الأبيض (تحت سيطرة الجيش) خروج أدوية المنظمات، مما يصعب ترحيل الإمداد عبر معبر “أدري” الحدودي مع تشاد. ويشير إلى صعوبة صيانة ماكينات غسيل الكلى وتوفير محاليلها كأحد أكبر التحديات.
وفي محاولة لاستجلاء موقف القيادة السياسية لهذا القطاع، تواصل محرر (عاين) مع وزير الصحة في حكومة تأسيس، علاء الدين نقد، إلا أنه رفض إجابة الأسئلة التي طُرحت عليه بخصوص الواقع الصحي.























