حرب في مناطق سيطرة (الشعبية) بجنوب كردفان.. ماذا جرى؟

عاين- 27 أغسطس 2026

ظلت مقاطعة هيبان بجنوب كردفان لسنوات طويلة تمثل المركز السياسي والأمني الأبرز لمناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – قيادة عبد العزيز الحلو في جبال النوبة، فهي تضم مدينة كاودا، العاصمة السياسية للحركة، إلى جانب مدينة هيبان ومنطقة دِبي ذات الأهمية التجارية، وقد منحت هذه المكانة المنطقة ثقلا سياسيا وأمنيا، وجعلتها مركزا لحركة القيادات والفاعلين السياسيين والعسكريين، إلى جانب كونها مساحة تجمع سكاني واجتماعي متنوع.

لكن هذه الصورة شهدت تغيرا كبيرا منذ مطلع أبريل 2026، حين بدأت التوترات تأخذ مسارا أكثر تعقيدا، وتداخلت الخلافات حول الأرض، مع البنية السياسية والعسكرية القائمة في المنطقة، ومع تصاعد الأحداث، انتقلت المواجهات من نطاق الخلافات المحلية إلى صدامات عسكرية مسلحة أُستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة.

البارز في هذه التحولات أن أطراف الصراع ينحدرون من سياق سياسي وعسكري مشترك، قاتلوا معا تحت لواء السودان الجديد، وتقاسموا سنوات الحرب ومخاطرها وأهدافها السياسية. لذلك يحمل الصراع الحالي مفارقة ثقيلة، إذ انتقلت العلاقة بين أشخاص ومجموعات جمعتهم تجربة عسكرية وسياسية واحدة إلى مواجهة داخلية تضع الرفاق السابقين في مواقع متقابلة.

ومن جهة أخرى، تزداد حساسية الوضع بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة، فهي منطقة جبلية ذات تضاريس وعرة، وتتوزع القرى والسكان بين السفوح والمرتفعات، الأمر الذي يجعل حركة السكان والوصول إلى مناطق آمنة أكثر تعقيدا عند اندلاع المواجهات.

حرب في مناطق سيطرة (الشعبية) بجنوب كردفان.. ماذا جرى؟

كيف بدأت الأزمة؟

بدأ الخلاف في المنطقة حول ترسيم الحدود الإدارية بين مجتمعي الأطورو والشواية في منطقة دبي الواقعة في محيط هيبان وكاودا، وارتبط الخلاف

في بدايته بقضايا الأرض، وهي واحدة من أكثر القضايا حساسية في مجتمعات جبال النوبة، وقد شهدت منطقة دبي ومحيطها ( قردرو /ايلو ) ،نزاعات مشابهة في السنوات الماضية، آخرها في 2020.

تفجرت الأزمة الحالية في 12 مارس من العام الجاري بمواجهات بين مجتمعي الأطورو والشواية في منطقة دبي، وسرعان ما تحولت إلى صدام دموي خلف قتلى وجرحى من الأهليتين، وذلك على خلفية خلافات في أعقاب تنظيم الحركة الشعبية في العام 2022 مؤتمر للأراضي، بهدف تنظيم وترسيم الحدود الإدارية وحل نزاعات الأراضي بين المكونات القبلية المختلفة في مناطق سيطرتها.

ودفعت هذه المواجهات إلى خروج السكان من منازلهم والنزوح إلى الجبال خاصة السكان من قبيلتي الأطورو والشواية، وأصبحت دبي تلك المدينة المزدحمة بحركة السكان والتجار والبضائع مدينة قد تبدو خالية من حركة السكان.

ومنطقة دِبي تعد ثالث أكبر مركز تجاري لحركة البضائع بمناطق سيطرة الحركة الشعبية، بعد أمدولو وكاودا، وتمثل أكبر تجمع محطة كبيرة للشاحنات التجارية التي تذهب وتأتي من مخيم إيدا للاجئين على الحدود مع جنوب السودان، ويعد سوق الأربعاء أحد أهم الأسواق الأسبوعية.

حرب في مناطق سيطرة (الشعبية) بجنوب كردفان.. ماذا جرى؟

محاولة احتواء الأزمة

في اليوم التالي لاندلاع القتال، أرسلت الحركة الشعبية قوة من الجيش الشعبي للفصل بين الطرفين، وكانت قد سبقتها قوة أخرى بقيادة القائد عبود أندراوس. وبحسب بيان للحركة الشعبية-وقتها، جرى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، ودعوة الضباط من الأهليتين الذين اشتُبه في مشاركتهم في الاقتتال للمثول أمامها.

وبعد نحو أسبوعين، عقد نائب رئيس الحركة الشعبية، وحاكم إقليم جبال النوبة في حكومة تأسيس، جقود مكوار، اجتماعا مع الإدارات الأهلية في كاودا لبحث سبل معالجة الأزمة، وكان يمكن أن تشكل تلك الخطوة بداية لمسار سياسي وأهلي لمعالجة النزاع، لكن الأحداث اتخذت مسارا أكثر تعقيدا.

تصعيد جديد.. وانتقال الحرب إلى هيبان

في مطلع مايو الماضي، اندلعت مواجهات في كاودا بين الحركة الشعبية ومجموعة من أهلية الأطورو، وقدمت الحركة الشعبية رواية تقول إن قواتها كانت تطارد ضباطا من أبناء الأطورو متهمين بالتورط في أحداث النزاع مع الشواية، بينما رأت رواية الأطورو أن ما يحدث استهداف لأبنائهم داخل الجيش الشعبي. في أعقاب هذه الحادثة، اتسعت دائرة العنف خلال مايو ويونيو الماضيين لتصل إلى قرى في لويري والقرودر وكجر والنصرى، مع إحراق منازل ونزوح السكان نحو المناطق الجبلية.

بحلول يونيو، أخذت الأحداث منحى أكثر خطورة، مع امتداد الهجمات المتبادلة، والتدوين على مناطق كاودا فوق وكودي وكجور الشعبية، ولاحقا امتدت وشملت استهداف دور العبادة خاصة الكنائس، إضافة إلى مقتل القس يوحنا الأمين والمبشر مانديلا جبرائيل، وبحسب إفادات محلية جمعتها (عاين)، تعرضت كنائس عدة لأضرار، كما تكررت الهجمات على قرى ومناطق مأهولة، مثل القردود والحمام شمال دِبي.

فجر مقتل القس عادل، هو قائد كنسي ينتمي إلى الكنيسة الأسقفية أبرشية هيبان، والذي أُعتقل في منطقة “إيري”، ومن ثم عُثر على جثته ملقاة على الطريق العام إلى جانب جثث ستة أشخاص آخرين ينتمون إلى إثنية الأطورو، الأوضاع الأمنية إذ شنت مجموعات مسلحة من أهلية الأطورو في اليوم التالي هجوماً على مدينة هيبان، أسفر عن مقتل حوالي ٩ أشخاص على الأقل، واحتجاز أكثر من 20 شخصاً بينهم القس يعقوب إبراهيم تيا وعائلته، والذين أُطلق سراحهم لاحقاً بعد 5 أيام إثر وساطات قادها مجلس الكنائس والمجلس الإسلامي.

كاودا سيطرة متناوبة

وفي يونيو دارت مواجهات داخل كاودا، وتخلل ذلك إضرام النار في منازل كبار مسؤولي الإدارة المدنية التابعة للحركة الشعبية مثل سكرتير الحركة عمار أمون دلدوم وحاكم الإقليم المناوب داؤود أشعياء وتخريب مقار حكومية وكنائس.

ومنذ ٢٠ أغسطس الجاري تصاعدت المواجهات المسلحة داخل العاصمة كاودا، وأصبحت منطقة سيطرة متبادلة، ففي يوم ٢٣ أعلنت أطورو عن سيطرتها على كاودا، وفي يوم ٢٥ أعلنت الحركة الشعبية، استعادتها السيطرة الكاملة على كاودا ومقارها الحكومية، بينما تنفي منصات الأطورو ذلك، وتؤكد صد الهجوم وبقاء مقاتليها في أجزاء من كاودا ولويرا.

حرب في مناطق سيطرة (الشعبية) بجنوب كردفان.. ماذا جرى؟

أزمة نزوح

منذ بدء المواجهات نزح آلاف المواطنين من أهليتي اطورو والشواية ومجموعات أخرى، ومع اتساع نطاق المواجهات، بدأت آثار الحرب تتجاوز أطراف النزاع المباشرة. القرى أصبحت ساحات للقتال، والسكان وجدوا أنفسهم أمام خيارات صعبة: البقاء في مناطق معرضة للهجوم، أو النزوح إلى مناطق أخرى، أو الاحتماء بالمناطق الجبلية.

فكل موجة عنف تدفع مجموعة من السكان إلى مغادرة منطقة، وتدفع مجموعة أخرى إلى إعادة التموضع، ومع الوقت يمكن أن تتحول مناطق كانت مختلطة اجتماعيا إلى مناطق أكثر ارتباطا بالانتماء الإثني.

وبحسب القيادة الأهلية لـ الأطورو، تجاوز عدد النازحين من أكثر من أربع عشرة قرية في كاودا وهيبان ودبي 50 ألف شخص. وتقول الحركة الشعبية إنها أنشأت مخيمات للاطورو النازحين والفارين من قراهم، وفي يوليو الفائت، أعلن محافظ مقاطعة دلامي عبدالله آدم الزبير، وصول 2719 مواطناً من قرى القردود والحمام بمقاطعة هيبان خلال الأيام الماضية. وأشار إلى أنه تم استقبالهم في مناطق بيامات الأبيض والهدرا وام حيطان بمقاطعة دلامي، مشيراً إلى أن غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، وأضاف أن النازحين يقطنون حالياً في المدارس ومراكز إيواء مؤقتة تحت ظروف إنسانية حرجة.

حرب في مناطق سيطرة (الشعبية) بجنوب كردفان.. ماذا جرى؟

مبادرات ووقف إطلاق نار وخرق مبكر

عقب تصاعد الأحداث في مناطق سيطرة الحركة الشعبية، تكونت أكثر من خمس مبادرات للفصل في هذا النزاع، آخرها المبادرة التي طرحها رئيس المجلس الرّئاسي لحكومة السلام وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) والتي هدفت إلى وقف الاقتتال وإنهاء المواجهات المسلحة الدائرة في منطقة جبال النوبة (تحديداً في بلدة كاودا ومحيطها) بين الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ومقاتلي أهلية الأطورو.

وأعلن رئيس الحركة عبد العزيز الحلو ترحيبه الفوري بمبادرة حميدتي، وأصدر قراراً بتوجيه قواته بوقف الأعمال العدائية والاقتتال القبلي في هيبان وكاودا.

كما وافق قادة مجتمع الأطورو على المبادرة، وأعلنوا وقف المواجهات المسلحة ميدانياً لإتاحة الفرصة للحلول السلمية.

بعد أقل من 24 ساعة على إعلان المبادرة، اتهم الأطورو، الحركة الشعبية بخرق وقف العدائيات وقصف بلدة كاودا بقذائف الهاون ومضادات الطائرات من مواقعها المجاورة. وبالمقابل، نفت الحركة الشعبية بشدة تنفيذ أي قصف عسكري، مجددةً التأكيد على التزامها بالهدنة، وأنه لا توجد حرب بينها وبين أهلية الأطورو كعرق اجتماعي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *