حقول يابسة.. انقطاع الكهرباء يلتهم بساتين ولاية نهر النيل

عاين- 22 أغسطس 2026

آخر مرة تمكن فيها المزارع بمنطقة الزيداب في ولاية نهر النيل شمالي السودان، محمد أحمد العوض، من ري بستانه المزروع بأشجار فواكه متنوعة قبل نحو عشرة أيام من الانقطاع التام للتيار الكهربائي في 20 يوليو الماضي، وما زال مستمرا حتى الآن، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأشجار المثمرة، والتي بدأ يظهر عليها الجفاف، وفي طريقها للموت بعد سنوات الإنتاج.

بستان العوض، من بين عشرات الآلاف من الأفدنة والمزارع المنتجة التي تواجه العطش في ولاية نهر النيل بعد انقطاع الكهرباء التي تعتمد عليها المشاريع الزراعية في تشغيل منظومة الري، فيما تبدو البدائل محدودة ومرتفعة التكلفة، ما يضاعف الضغوط على المزارعين، ويهدد مصادر دخلهم.

بستان محمد أحمد يمثل مصدر دخله الوحيد، وأنه يعتمد عليه من موسم إلى آخر في إنتاج وبيع المحصول لتوفير احتياجاته المعيشية”. يبدي العوض في مقابلة مع (عاين) قلقاً من أن استمرار انقطاع المياه يؤدي إلى فقدان أشجار يزيد عمر بعضها على 20 عامًا، وليس فقط خسارة محصول موسم واحد.

العطش يهدد مساحات زراعية واسعة

تتكرر المعاناة من آثار انقطاع الكهرباء في مناطق زراعية أخرى بولاية نهر النيل، مع تأثر مساحات ومحاصيل تعتمد بصورة أساسية على الطلمبات الكهربائية في توفير مياه الري. يقول محمد الفاتح، وهو مزارع من منطقة حجر العسل جنوب بولاية نهر النيل لـ(عاين): إن “مشروعهم الزراعي، الذي تزيد مساحته على 4 آلاف فدان بحسب إفادته، بدأ يعاني العطش منذ انقطاع الكهرباء في 20 يوليو”. ويشير الفاتح، إلى أن سكان المنطقة يعتمدون على الكهرباء بصورة أساسية في تشغيل طلمبات الري، إلى جانب مياه الشرب.

ويزرع المزارعون، بحسب محمد الفاتح، البرسيم والبصل والخضروات والشطة، إلا أن غياب مياه الري أدى إلى تضرر جزء كبير من المحاصيل، ويقول إن البصل والشطة كانا من أكثر المحاصيل تضررًا، خصوصاً المزروعة حديثاً. في وقت لا يملك المزارعون بدائل حقيقية لتوفير مياه الري، في ظل اعتمادهم الأساسي على الكهرباء.

يشير المزارع بمشروع العالياب محمد علي في مقابلة مع (عاين)، إن “ما يمر به المشروع الذي تأسس عام 1942، حالياً من عطش هو الأول من نوعه منذ تأسيسه، ويقول، إنه فقد محصول البصل الذي زرعه حديثًا بالكامل، والبالغة مساحته ثلاثة أفدنة، نتيجة انقطاع مياه الري.

ومن مناطق الزيداب وحجر العسل والعالياب بولاية نهر النيل تشير شهادات جمعتها (عاين) إلى نمط واحد يتكرر في أكثر من منطقة: انقطاع الكهرباء يعطل طلمبات الري، ومع استمرار توقف المياه تتحول الأزمة من تعطل مؤقت إلى تهديد مباشر للمحاصيل والأشجار. لكن حجم الضرر الذي يمكن أن تسببه هذه الفترة من العطش يحتاج إلى تفسير زراعي وفني.

ينوه المهندس الزراعي نزار عبدالله، إلى إن انقطاع مياه الري لفترات طويلة يبدأ بإجهاد النبات نتيجة فقدان التربة لرطوبتها، ما يدفع النبات إلى تقليل امتصاص المياه وإغلاق الثغور، وبالتالي تراجع عملية البناء الضوئي والنمو. ومع استمرار العطش، بحسب نزار، تبدأ الأوراق والثمار في التساقط، وقد تصل الأضرار في الحالات الشديدة إلى موت أجزاء من النبات أو النبات كاملًا، تبعًا لنوع المحصول ومرحلة نموه ونوع التربة ودرجات الحرارة.

ويؤكد نزار، أنه لا توجد مدة زمنية واحدة يمكن تعميمها على جميع المحاصيل لتحمل العطش، إذ تختلف قدرة النبات على مقاومة نقص المياه بحسب نوعه وعمره ومرحلة نموه ودرجة الحرارة ونوع التربة وعمق الجذور. ويشير في مقابلة مع (عاين) إلى أن الخضروات والمحاصيل ذات الجذور السطحية تتضرر بصورة أسرع من الأشجار المعمرة، خصوصًا في ظروف الصيف الحار، لافتًا إلى أن خسارة الإنتاج قد تبدأ قبل ظهور علامات الذبول الواضحة.

ويضيف: أن “حساسية المحاصيل تختلف بدرجة كبيرة، الخضروات الورقية وبعض المحاصيل ذات الاحتياجات المائية المرتفعة أكثر تأثرًا بالعطش، بينما تمتلك الأشجار المعمرة قدرة أكبر على تحمل فترات قصيرة من نقص المياه؛ بسبب امتداد جذورها إلى أعماق أكبر. لكنه يحذر من أن الأشجار ليست محصنة من الضرر، خاصة إذا حدث نقص المياه خلال مراحل الإزهار أو عقد الثمار”.

أشجار مانجو ذابلة بسبب العطش في الولاية الشمالية- الصورة مواقع التواصل الاجتماعي

ويشير نزار، إلى إن توقف الري لأسابيع خلال درجات الحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، وربما شبه كاملة في بعض الحالات. وينوه بأن محصول البصل يحتاج إلى انتظام في الري، بينما تتسم الخضروات بحساسية أكبر بسبب طبيعة جذورها وقصر دورة نموها، كما يحتاج البرسيم إلى إمداد منتظم بالمياه باعتباره محصولًا متكرر الحش. لكنه يؤكد أن تحديد نسبة مئوية للخسائر يتطلب فحصًا ميدانيًا، ولا يمكن تقديرها بدقة من دون معرفة الصنف ونوع التربة ومرحلة نمو المحصول.

وفي ما يتعلق بأشجار المانجو والبرتقال التي يزيد عمر بعضها على 20 عامًا، يلفت المهندس الزراعي إلى ضرورة التمييز بين فقدان محصول الموسم وفقدان الشجرة نفسها. ويقول: إن “الشجرة قد تفقد إنتاجها نتيجة العطش من دون أن تموت، لكن استمرار الإجهاد المائي، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، قد يؤدي إلى أضرار في الأفرع والجذور، وفي الحالات الشديدة قد تنتهي بموت الأشجار”. ويشير إلى أن فقدان شجرة معمرة لا يمثل خسارة محصول موسم واحد فقط، وإنما فقدان أصل زراعي استغرق سنوات حتى يصل إلى مرحلة الإنتاج، ما يجعل تعويضه أكثر صعوبة وكلفة.

ويحذر نزار من أن ظهور علامات التيبس لا يعني بالضرورة موت الأشجار، موضحًا أن تحديد إمكانية إنقاذها يتطلب فحص الأفرع والجذوع والجذور للتأكد من بقاء الأنسجة حية. ويقول: إن “عودة المياه قبل وصول الضرر إلى مرحلة متقدمة يمكن أن تساعد بعض الأشجار على التعافي، لكنه يحذر في الوقت نفسه من إعادة الري بصورة عشوائية ومفرطة بعد فترة طويلة من العطش، لأن حالة الجذور والتربة يجب أن تؤخذ في الاعتبار”.

أزمة الكهرباء وتحولها إلى أزمة ري

“استمرار انقطاع الكهرباء يمكن أن يتحول إلى أزمة زراعية واسعة إذا تزامن مع مراحل حساسة من الموسم- وفقا للمهندس الزراعي نزار – الذي يوضح أن الخطر لا يرتبط بانقطاع التيار وحده، وإنما بمدة توقف الري ومساحة الأراضي التي تعتمد على الطلمبات المتوقفة. ويضيف:” توقف منظومة ضخ واحدة يمكن أن يؤثر في مئات أو آلاف الأفدنة إذا كانت تعتمد عليها بصورة أساسية”.

ويرى نزار أن تقدير خسائر المزارعين يتطلب الفصل بين ثلاثة أنواع من الخسائر: المحصول الذي فُقد بالفعل، والمحصول المتوقع فقده إذا استمر العطش، والأصول الزراعية المتضررة، مثل الأشجار المعمرة. ويوضح أن تقدير الخسائر يمكن أن يستند إلى مساحة الأراضي المتضررة ومتوسط إنتاج الفدان وسعر المنتج، مع إضافة تكاليف إعادة الزراعة في حال موت الأشجار.

ويفرق بين خسارة محصول موسم واحد وخسارة الأشجار المعمرة، قائلًا إن خسارة الموسم تعني فقدان دخل كان المزارع يتوقع الحصول عليه خلال الموسم، بينما موت شجرة عمرها 30 عامًا يعني فقدان سنوات من الاستثمار والإنتاج، إلى جانب تكلفة إعادة زراعتها والانتظار عدة سنوات، حتى تصل إلى إنتاج تجاري معتبر. ويشير إلى أن آثار الأزمة قد تمتد إلى الموسم الزراعي التالي، خصوصًا إذا تعرضت الأشجار لإجهاد مائي شديد، موضحًا أن عودة المياه لا تعني بالضرورة عودة الأشجار فورًا إلى إنتاجها الطبيعي، بينما تمتد آثار موت الأشجار لسنوات؛ بسبب فترة إعادة التأسيس.

مزارع يحصد المانجو شمالي السودان- ارشيف

ويقول نزار: إن “استخدام الديزل أو المولدات كبديل للكهرباء يمكن أن يوفر حلًا تشغيليًا، لكنه ليس بالضرورة بديلًا اقتصاديًا مستدامًا، خصوصًا في المشاريع الكبيرة التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الوقود”. ويشير إلى أن استخدام الوقود يتطلب حساب تكاليف التشغيل والنقل والصيانة، إلى جانب قدرة المزارعين على تحمل هذه التكاليف، لافتًا إلى أن بعض منظومات الضخ مصممة أصلًا للعمل بالكهرباء.

ويرى أن الطاقة الشمسية يمكن أن تكون خيارًا واقعيًا في ولاية نهر النيل، لكنه يوضح أنها تحتاج إلى استثمار أولي وتصميم هندسي مناسب وطلمبات متوافقة مع النظام. ويشير إلى إمكانية تصميم أنظمة تضخ المياه خلال ساعات توفر الشمس إلى خزانات، بدل الاعتماد الكامل على البطاريات لتشغيل الطلمبات خارج ساعات النهار.

ويحذر نزار من أن استمرار الانقطاع لفترة أطول، خصوصًا خلال درجات الحرارة المرتفعة، قد ينقل الأزمة من مرحلة الإجهاد المائي إلى خسائر زراعية أكبر، وينوه بأن الخضروات والمحاصيل ذات الجذور السطحية ستكون من أول المتضررين، بينما قد تتحمل الأشجار المعمرة فترة أطول، لكن استمرار الإجهاد قد يؤدي إلى تساقط الثمار وتراجع الإنتاج، وفي الحالات الشديدة موت الأشجار.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *