شرق السودان.. عسكرة شاملة وتباينات حادة
عاين- 29 يونيو 2026
على الرغم من بعده الجغرافي عن خطوط المواجهة المباشرة في الحرب الدائرة بالسودان منذ منتصف أبريل 2023، إلا أن الإقليم الشرقي انزلق سريعاً إلى رقعة اكتظت بالجيوش والمليشيات المسلحة، وضم إلى جانب الجيش السوداني القوة المشتركة للحركات المسلحة ونحو خمس حركات مسلحة مرتبطة بالإقليم نشأت بعد الحرب.
وعلى نحو مفاجئ وعبر تصريح مقتضب صدر أمس الأحد، أعلنت حركة تحرير شرق السودان اكتمال تمركز قواتها بمعسكراتها داخل الإقليم بالتنسيق والتعاون مع حلفائها، وذلك في إطار ترتيباتها التنظيمية والأمنية الرامية إلى تعزيز الاستقرار والمساهمة في الحماية والتأمين. وأكدت الحركة جاهزيتها وخططها للانتشار في بقية مناطق إقليم شرق السودان.
وحركة جيش تحرير السودان بقيادة قيادة إبراهيم دنيا، كانت قد وقعت إلى جانب أربع حركات مسلحة في الإقليم نهاية ديسمبر الماضي، على ميثاق “تحالف شرق السودان”، والذي نص على حيادها في الحرب الحالية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وعدم الانخراط فيها، مع الاستعداد للدفاع عن شرق السودان، والحركات الأربع الأخرى هي: مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، والحركة الوطنية للعدالة والتنمية برئاسة محمد طاهر بيتاي، وحركة الأسود الحرة بقيادة محمد صالح عابد، والجبهة الوطنية لشرق السودان،
العسكرة برعاية السلطة
ارتبطت التشكيلات العسكرية في إقليم شرق السودان بالسياسات المباشرة لسلطة الدولة التي يقودها عبد الفتاح البرهان. وفي مقابلة (عاين)، يؤكد القيادي في تحالف شرق السودان، عمار صالح، أن كافة الخطوات التي جرت من عسكرة وتسليح في الإقليم قد تمت بعلم، وموافقة، ورعاية، بل وبطلب مباشر من قيادة الجيش، وليست تمرداً عليها. ويستشهد صالح بمواقف علنية وثقتها خطابات البرهان؛ أبرزها حديثه في منطقة جبيت في الخامس من يناير لعام 2024 حين دعا لتمكين المواطنين وتسليح المقاومة الشعبية، يليه خطابه في حلفا الجديدة بمنطقة أم القرى في الثالث والعشرين من أكتوبر من العام ذاته، والذي أكد فيه جاهزية السلطة لتسليح كل من يطلب السلاح، وقادر على حمله.

ويبين صالح، أن انخراط كافة الأجهزة العسكرية والمدنية في تنفيذ هذه الاستراتيجية أدى إلى عسكرة المدنيين وتأسيس تشكيلات مسلحة على أسس إثنية. ويرفض القيادي في تحالف الشرق تحميل المجتمعات المحلية أو الإدارات الأهلية مسؤولية نشأة هذه الحركات، موضحاً أن قادة المجموعات الأهلية لم تتم مشاورتهم في الغالب عند التأسيس، وأن المسؤولية تقع بالكامل على عاتق السلطة الحاكمة.
شروخ في جدار التعايش
تغلغل السلاح عميقاً في تفاصيل الحياة اليومية ليضرب في مقتل البنية الاجتماعية لشرق السودان. وفي مقابلة مع (عاين)، يستعرض الباحث في قضايا شرق السودان، أحمد برير، الآثار الكارثية التي خلّفتها هذه العسكرة على النسيج الاجتماعي، موضحاً أن حالة الفوضى أدت إلى زعزعة الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة، وتضييق مساحات العيش المشترك، والسماح لخطاب الشك والريب بالتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وينبه برير، إلى “خطورة تحول الانقسامات السياسية إلى انقسامات اجتماعية حادة؛ فبعد أن كان الصراع سياسياً خالصاً يدار في أروقة النخب، اتخذ طابعاً إثنياً فجّاً، يغذيه خطاب الكراهية التي تبثها الحركات المسلحة المختلفة عبر منصاتها لتعبئة قواعدها الاجتماعية”.
ويوضح الباحث، أن بعض المناطق دخلت في حالة من الانغلاق التام، وانعكس هذا الوضع سلباً على حرية التنقل اليومي بين الأحياء السكنية؛ نظراً للمخاوف والشكوك الأمنية المتبادلة، مما أضر بالتركيبة السكانية، وتسبب في تراجع مخيف للزيارات الاجتماعية، وتفقد الأصدقاء المقربين بمجرد اختلاف انتمائهم الأهلي.
اقتصاد (الارتكازات) والجبايات
على الصعيد الاقتصادي والمعيشي، تحول انتشار المليشيات إلى عبء ثقيل على المواطنين، ويهدد الحركة التجارية في الإقليم. ويروي أحد تجار المحاصيل الذين يعملون في الخط التجاري بين القضارف وبورتسودان، في حديثه لـ(عاين)، كيف تحولت الطرقات إلى معضلة للمستثمرين والتجار بسبب كثرة نقاط التفتيش والارتكازات التابعة للحركات المسلحة على مداخل المدن والمحليات. ويشير التاجر إلى أن حركة التجارة أصبحت تخضع لجبايات مستمرة وغير قانونية للحصول على تصاريح مرور، وهي مصروفات إضافية وضرائب غير رسمية يتم تحميلها مباشرة على أسعار السلع الأساسية، ليدفع فاتورتها المواطن في الأسواق.
ووفقا للتاجر الذي فضل حجب اسمه- تتجاوز بعض هذه الحركات مربع الجبايات لينخرط أفرادها في أنشطة تجارية موازية قائمة على التهريب واحتكار السلع الحيوية والتحكم في الأسواق، مما جعل سلعاً بعينها حكراً عليها. هذا المناخ القائم على غياب الأمان، والتفتيش العشوائي، وتقييد حركة الرعاة والمزارعين، أدى إلى انهيار البيئة الاستثمارية وتراجع حاد في الأنشطة الاقتصادية الصغيرة؛ بسبب افتقار الإقليم للاستقرار والأمن.

“أنتجت هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية وقوداً جديداً لاستمرار العسكرة”؛ يقول الباحث أحمد برير لـ(عاين)، ويوضح كيف تحول التجنيد، وحمل السلاح إلى خيار اقتصادي بديل ومصدر وحيد لطلب الرزق في ظل تفشي البطالة وانعدام فرص العمل؛ إذ ينخرط الشباب والأطفال في سن مبكرة داخل هذه الفصائل للحصول على المال وإعالة أسرهم.
ويحذر برير، من أن هذا الوضع أدى إلى تزايد مخيف في معدلات التسرب من التعليم؛ ففي ظل الأزمة الطاحنة لم يعد التعليم وسيلة مضمونة لبناء المستقبل، مما دفع الطاقات الشبابية المنتجة إلى ترك مقاعد الدراسة والهجرة من المهن الحرة والأعمال التنموية نحو معسكرات الاستنفار وحمل السلاح، وهو ما تسبب في تغلغل ثقافة العنف وتطبيع مظاهر التسلح بين الشباب كبديل لقيم الإنتاج، مما يشكل تهديداً استراتيجياً مباشراً لفرص التنمية والاستقرار المستقبلي في الإقليم.
تهاوي القانون أمام سلطة الأمر الواقع
أمام هذا التمدد الواسع والمسلح للمليشيات، تراجعت سلطة الدولة الرسمية، وانزوت مؤسساتها العدلية والأمنية. وترى المحامية والحقوقية مريم الحسن، في مقابلة مع (عاين)، أن نفوذ هذه الحركات أدى إلى إضعاف وتغييب كامل لدور مؤسسات الدولة الرسمية؛ حيث بات أفراد هذه الحركات يرتكبون تجاوزات وانتهاكات صارخة تمس الحقوق الأساسية والحريات العامة للمواطنين دون خشية من سلطة القانون أو وجود محاسبة فعلية.
وتشرح الحسن، التعقيدات القانونية الراهنة بالإشارة إلى تعطل آليات المحاسبة والعدالة، وصعوبة رفع الحصانات أو تسليم المتجاوزين من أفراد الحركات للشرطة أو النيابة، إذ يصطدم المواطن المتضرر بعقبات جمة وتحديات أمنية؛ لأن هذه المجموعات أصبحت تمثل سلطة الأمر الواقع الفعلي في الإقليم. ونتيجة لهذا الشلل التام في مؤسسات العدالة الرسمية، تكشف الحسن، عن تراجع دور القانون ولجوء المواطنين مجدداً إلى الآليات التقليدية من مجالس أهلية، أو الاستقواء بالعلاقات الشخصية مع متنفذين داخل هذه الحركات لفض النزاعات وحماية الحقوق، مما جعل المنظومة العرفية هي السائدة والمستغلة حالياً بدلاً من مؤسسات العدالة الرسمية التابعة للدولة.
مع تزايد وتيرة العسكرة، يسيطر القلق على الشارع في شرق السودان وتبرز في الأفق احتمالات ومخاوف ميدانية مقلقة. ويستعرض الناشط السياسي، متوكل أحمد، في حديثه لـ(عاين)، هذه المخاوف مشيراً إلى ضيق الهامش السياسي، وتصاعد خطابات التنافس والكراهية المتبادلة في وسائل التواصل الاجتماعي بين الفصائل المختلفة.

ويحذر أحمد، من سيناريو قيام فاعلين خارجيين وقوى إقليمية باستغلال هذه الانقسامات الداخلية للاستثمار في الخلافات وتحويل شرق السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات والحروب بالوكالة؛ وهو احتمال يعززه وجود حلفاء إقليميين لبعض الحركات في دول الجوار يقدمون الدعم المباشر بالمال والتسليح واللوجستيات، مما يجعل القرار السياسي والعسكري مرتهناً للخارج.
ويتسق هذا التحليل مع رؤية القيادي عمار صالح الذي يصف المشهد عبر مفهوم معضلة الأمن؛ حيث تندفع كل مجموعة مجتمعية للتسلح بدعوى الدفاع عن النفس، لكن الاستعراضات العسكرية للفصائل الأخرى تُفهم كخطوات هجومية، مما يفرز سباق تسلح وتجنيد مضاد لا ينتهي. ويؤكد صالح، أن حركات الشرق ستتحول عاجلاً أم آجلاً نحو المطالبة بالمحاصصات وتقاسم السلطة والثروة بقوة السلاح بدلاً من الاحتكام لصناديق الاقتراع، لافتاً إلى أن بعض قيادات هذه الحركات هي شخصيات تعيد إنتاج نفسها للحصول على مكاسب شخصية في هوامش السلطة بدلاً من المراهنة على الجماهير لبناء الدولة على أسس جديدة.
يقدم الخبير العسكري، عمر أرباب، في مقابلته مع (عاين)، قراءة أمنية وميدانية لهذه المعضلة؛ مستبعداً فرضية المواجهة المباشرة بين حركات شرق السودان والجيش السوداني في الوقت الحالي، ويشير أرباب إلى حدة تباين المواقف والمنطلقات والمصالح، وهو ما من شأنه أن يربك الحسابات الأمنية في شرق السودان بأسره. ويكشف أرباب عن معضلة تقنية وعسكرية معقدة تواجه قيادة الجيش، مؤكداً أن قدرة المؤسسة العسكرية على دمج واستيعاب هذه المجموعات المسلحة المتناسلة باتت غير واردة في ظل المعالجات الفردية الحالية، كما لا يملك الجيش القدرة أو القوة الآن لفرض الدمج ونزع السلاح بالقوة، فضلاً عن عدم ملاءمة المرحلة الحالية لخوض مواجهات جانبية. ويخلص الخبير العسكري إلى أن هذه المعضلة الأمنية في شرق السودان لا يمكن حلها بمعزل عن تسوية سياسية شاملة واتفاق سلام كلي يضم كافة الأطراف، إذ لا يوجد أي طرف في الوضع الراهن يملك القدرة على فرض إرادته منفصلاً أو نزع سلاح الآخرين بالقوة.





















