فوضى أمنية في (نيالا).. أي التحديات تواجه فرض القانون؟
عاين- 24 يونيو 2026
في أزقة مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، لا تكتفي البنادق برسم حدود السيطرة العسكرية، بل تتغلغل عميقاً لتعيد صياغة يوميات السكان تحت وطأة انفلات أمني وقضائي غير مسبوق منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، تحولت المدينة إلى مسرح مفتوح لتداخلات معقدة، وبينما تكافح الحكومة المرتبطة بتحالف “تأسيس” كسلطة أمر واقع – لإثبات سيطرتها، يكشف الواقع على الأرض عن فجوة بين القوة الخشنة وبناء مؤسسات دولة قادرة على تحقيق العدالة وحماية المدنيين.
“التدهور في مدينة نيالا عاصمة حكومة تحالف تأسيس ليس عفوياً، بل هو نتاج تحديات أعمق مرتبطة بالحرب وإعادة صياغة مراكز النفوذ”. وفقا للناشطة المدنية أسماء أحمد النعيم، والتي تشير في مقابلة مع (عاين) إلى فجوة كبيرة بين السيطرة العسكرية المحضة على الأرض، وبناء مؤسسات دولة حقيقية قادرة على إدارة ملفي الأمن والعدالة، حيث أورثت الحرب الحالية، وامتداداتها التاريخية في الإقليم، تركة ثقيلة عنوانها الانتشار العشوائي للسلاح، والتراجع الحاد لسيادة القانون، وتطبيع العنف كأداة أولية ووحيدة لحل النزاعات الفردية والجماعية.
وتضيف النعيم وهي منسقة مبادرة نداء سلام السودان: “أن تعدد مراكز النفوذ والسلطة في المدينة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الخانقة الناتجة عن موجات النزوح الضخمة وتدهور الأوضاع المعيشية، قد تضافرت كلها لتخلق بيئة مثالية لاستدامة الفوضى. وتؤكد أن الانتقال من عقلية “إدارة الأمن بالقوة” إلى “إدارته عبر المؤسسات” هو التحدي الأكبر الذي يواجه سلطة الأمر الواقع، وهو ما يتطلب بناء شرطة مهنية، وتعزيز استقلال القضاء، وتوحيد المرجعيات الأمنية والقانونية، ومكافحة الإفلات من العقاب، إلى جانب تحسين الخدمات والأوضاع الاقتصادية وبناء الثقة المفقودة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
رهانات السلطة وحقل ألغام “الجيش الجديد“
الرؤية من داخل أروقة السياسة الرسمية لـ “حكومة تحالف تأسيس” مختلفة ومحملة بوعود التغيير وسط حقل ألغام من التحديات البديهية. ويرفض القيادي في تحالف تأسيس، فتحي محمد، الافتراض القائل بأن الحكومة لا تسيطر على المشهد العسكري والأمني.
العقدة الحقيقية لا تكمن في غياب السيطرة، بل في سيولة السلاح وانتشاره الواسع بين أيدي المدنيين
فتحي محمد، قيادي بتحالف تأسيس
وفي حديثه لـ(عاين)، يوضح فتحي أن “حكومة التأسيس” تفرض سيطرتها الكاملة على الأجهزة الأمنية، سواء كانت القوات المقاتلة أو الشرطة الفيدرالية أو غيرها من الأجهزة الاستخباراتية. ولكنه يقر في الوقت ذاته بأن العقدة الحقيقية لا تكمن في غياب السيطرة، بل في “سيولة السلاح” وانتشاره الواسع بين أيدي المدنيين، وهي معضلة تعمقت بعد الخامس عشر من أبريل وقبله أيضاً، مما يجعل أي حادثة جنائية بسيطة تتحول سريعاً إلى مواجهة دامية وفوضى عارمة بفعل هذا السلاح المنتشر.
ويشير محمد، إلى أن القوات العسكرية والمقاتلة تخضع لجهود ترتيبية مستمرة، حيث خرج جزء كبير منها بالفعل إلى خارج حدود المدينة، وهناك خطط حثيثة لإخراج ما تبقى منها خلال الفترة القليلة القادمة لتأمين حياة المدنيين. ومع ذلك، يبرز التحدي الأكبر المتمثل في “تعدد الولاءات” داخل بنية القوات الحالية؛ ويوضح فتحي بأن عدم الوصول إلى مرحلة الدمج الكامل حتى الآن يفسر بقاء ولاءات متباينة، على الرغم من وجود وحدة عمل مشترك وغرفة عمليات موحدة تجمع بين قوات الدعم السريع وفصائل الحركات المسلحة الأخرى، مثل تجمع قوى تحرير السودان، والمجلس الانتقالي، وحركة العدل والمساواة، والحركة الشعبية، والتحالف السوداني، وحركة تحرير السودان-الثورة الثانية.

ويشير القيادي بتحالف تأسيس، إلى أن هذه المجموعات لا تزال تحتفظ بمسمياتها وتنظيماتها، لكن العمل جارٍ لبناء جيش وطني مهني بعقيدة قتالية ورؤية أمنية جديدة تتسق مع مفهوم “السودان الجديد”. وحتى يكتمل هذا التأسيس التاريخي، يرى فتحي، أن العمل المشترك عملياتياً واستخباراتياً يسير تحت قيادة وتعليمات موحدة، مع عدم إغفال أثر التداخلات الاجتماعية والعشائرية التي أفرزتها الحرب داخل القوى الأمنية، وإن كان يصف هذا الأثر بأنه تحت السيطرة، ولا يمنع الحسم. ويؤكد في ختام حديثه أن الحكومة تتعامل بصرامة تامة وتنفيذ حازم للقرارات القضائية والأمنية دون أي تهاون أو محاباة، مشيراً إلى أن وزارة الداخلية وجهاز الأمن والمخابرات يعملان بالتنسيق الكامل لجمع المعلومات وتحليلها ووضع لبنات أجهزة أمنية جديدة، وهي مهمة مفصلية وتاريخية تتطلب وقتاً قصيرًا وعملاً كبيراً.
تغول السلطة التنفيذية
خارج الخطاب السياسي المتفائل، يضع رجال القانون أصابعهم على جروح نازفة في جسد العدالة. ويرى المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان، شوقي يعقوب، في مقابلة مع (عاين)، أن الحديث عن بسط الأمن ومكافحة الجريمة لا يستقيم دون قضاء مستقل يملك معايير وضمانات موضوعية تمكنه من أداء مهامه بحياد تجريبي، بعيداً عن أي تأثيرات في التعيين، أو الرواتب، أو التدخلات المباشرة وغير المباشرة. ويستشهد يعقوب بالمعايير الدولية، لاسيما المبادئ التوجيهية الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة السادس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين (القرار رقم 16)، والتي ألزمت الدول بكفالة استقلال القضاء، وأن تكون للسلطة القضائية الولاية الكاملة على المسائل ذات الطابع القضائي دون أي تدخل من أي جهة كانت.
نظام القضاء هو نظام متكامل، وما لم تتوفر القوانين، والمنفذون المستقلون، وآليات التنفيذ الحرة، فإن أي محاولة لمكافحة الجريمة المنظمة أو العادية عبر هياكل مهترئة أو تابعة ستنتهي بالفشل
المحامي، شوقي يعقوب
ويثير يعقوب حزمة من التساؤلات الجوهرية حول مدى توفر هذه المعايير والضمانات في أي سلطة قضائية تُنشأ حالياً، سواء في مناطق سيطرة “حكومة التأسيس” أو في “حكومة بورتسودان” أو غيرها، معتبراً أن طريقة التعيين والعزل هي المحك والفيصل في تحديد مدى استقلالية القضاة عن السلطة التنفيذية. وينتقد يعقوب الهيكل الحالي لحكومة التأسيس بوضوح، مشيراً إلى أن تعيين رئيس القضاء عبر المجلس الرئاسي يخلق خللاً بنيوياً كبيراً وتبعية وظيفية ومالية مباشرة لأهل السلطة التنفيذية، الذين يملكون سلطة عزله أو منعه من تمويل السلطة القضائية ذاتها. وما يفاقم الأزمة – بحسب يعقوب – هو أن عزل القضاة وترقياتهم يتم عبر المجلس التشريعي والمجلس الرئاسي الذي يخضع لمحاصصة عسكرية يتحكم فيها العسكريون، في ظل غياب قانون مستقل يحكم تشكيل السلطة القضائية وتعيين قادتها في الوقت الحالي.
ويشبه يعقوب هذا الوضع المأزوم بما كان سائداً في زمن نظام “الإنقاذ” البائد، حيث ارتبط القضاء وظيفياً بالسلطة التنفيذية، مما أفقد السلطة القضائية استقلاليتها وحولها إلى مجرد جسم تنفيذي تابع ينفذ الأوامر الفوقية، تماماً كالشرطة وبقية الأجهزة غير المستقلة. ويخلص المحامي الحقوقي إلى أن نظام القضاء هو نظام متكامل، وما لم تتوفر القوانين، والمنفذون المستقلون، وآليات التنفيذ الحرة، فإن أي محاولة لمكافحة الجريمة المنظمة أو العادية عبر هياكل مهترئة أو تابعة ستنتهي بالفشل. ويرى أن غياب مبدأ المحاسبة والعدالة طوال الفترة الماضية وحتى الآن في كلا الجانبين المتحاربين يعود إلى هذه التشوهات البنيوية، مؤكداً أن ما ينطبق على القضاء ينطبق على بقية الأجهزة العدلية، والتي إن لم تكن مستقلة تماماً، ستتحول إلى جهات منتهكة للحقوق بدلاً من أن تكون حامية لها.
سلاح المتفلت
في تفسير عسكري ميداني لما يجري في أزقة نيالا، يرى اللواء معاش كمال إسماعيل، القيادي في “حركة التضامن العسكرية”، أن الانفلاتات الأمنية الراهنة هي نتيجة حتمية ومباشرة للحرب الأهلية، حيث تفقد مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية التي يفترض بها أن تكون مدربة تدريباً كاملاً على التعامل مع الأزمات والسيطرة الكاملة على العناصر المتواجدة معها أو ضدها على حد سواء.
أي بندقية لا يحكمها قانون صارم هي في حقيقتها بندقية قتل عشوائي
اللواء معاش، كمال إسماعيل
ويصف اللواء كمال إسماعيل المشهد في نيالا وبقية أصقاع السودان بأنه حالة مستشرية من “(الهمبتة والشفتنة)” التي يدفع المواطن البسيط فاتورتها الدموية بالدرجة الأولى؛ إذ إن أي بندقية لا يحكمها قانون صارم هي في حقيقتها بندقية قتل عشوائي. ومن هنا، يرى إسماعيل، أن الخطوة الأولى والضرورية لبسط الأمن هي إيقاف الحرب فوراً، وجمع السلاح وحصر حيازته حصرياً في يد مؤسسات الدولة المنضبطة بالقانون، وبدون ذلك لن يتحقق استقرار أمني ولا سياسي ولا تنمية.
يجزم إسماعيل بأنه لا يمكن بناء دولة بمؤسسات قانونية في نيالا ما دام صوت البندقية هو العالي وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح هو السائد، مشيراً إلى أن “حكومة التأسيس” كأمر واقع في الإقليم و”حكومة بورتسودان” هما في النهاية طرفان متحاربان، وكلاهما يواجه معارضة ووجوداً لأشخاص لا يؤيدونهما في مناطق سيطرتهما، مما يجعلهما حكومات غير شرعية وغير متوافق عليها. وينتقد إسماعيل بمرارة تبديد موارد الشعب السوداني الضخمة وتسخيرها بالكامل لعمليات القتل، وشراء السيارات، والعتاد الحربي، في وقت كان يُفترض فيه أن تُوجه هذه الموارد لإصلاح قطاعات التعليم والصحة، وإعانة ملايين المواطنين الذين يعانون ويلات النزوح واللجوء والجوع.
هروب نحو المجهول
أمام هذا الانسداد الهيكلي والأمني، يجد المواطن نيالا نفسه وحيداً في مواجهة مصيره اليومي، مما يدفعه نحو خيارات اضطرارية محفوفة بالمخاطر. وفي هذا الاتجاه، تلفت أسماء أحمد النعيم، الانتباه إلى أن الحرب أسهمت بوضوح في نشوء شبكات مصالح اقتصادية معقدة تستفيد بشكل مباشر من غياب الاستقرار وضعف مؤسسات الدولة؛ حيث تنشط هذه الشبكات في عمليات التهريب، والتجارة غير الرسمية، والسيطرة بالقوة على الموارد والأسواق، وفرض الجبايات غير القانونية على البضائع والمارة. وتوضح النعيم أن هذه الأطراف المستفيدة تنظر إلى أي إصلاحات أمنية أو قضائية حقيقية باعتبارها تهديداً مباشراً لنفوذها ومكاسبها المالية، مما يجعل مقاومة التغيير من داخل هذه البنيات جزءاً أساسياً من المشكلة نفسها.

وتحذر النعيم، من ظاهرة خطيرة بدأت تفرض نفسها كبديل للدولة الكسيحة؛ فعندما يفقد المواطن ثقته تماماً في جهاز الشرطة، وفي نزاهة المنظومة القضائية الرسمية، يلجأ قسراً إلى بدائل تقليدية مثل “الأمن الذاتي” عبر تسليح الأحياء، أو الاحتكام إلى “التحكيم الأهلي والمجتمعي” لحل النزاعات وتوفير الحماية الشخصية. ورغم أن هذه الآليات العرفية قد توفر حلولاً مؤقتة وموضعية لبعض النزاعات، إلا أنها – بحسب النعيم – تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة الرسمية، وتعزيز الانقسامات المحلية والعشائرية، وتؤدي إلى خلق تعدد خطير في مراكز العدالة والأمن خارج إطار القانون.
وتخلص النعيم، إلى أن التفلتات الأمنية والقضائية في نيالا ليست مجرد أزمة شرطية عابرة، بل هي نتاج معقد لتداخل ضعف المؤسسات، وإرث الحرب الثقيل، وتعدد مراكز السلطة، واقتصاديات الحرب المستشرية، وتراجع ثقة المواطنين في مفهوم الدولة؛ ولذلك فإن معالجتها تتطلب رؤية شاملة تبدأ ببناء مؤسسات أمنية وقضائية فعالة، واستعادة ثقة المواطنين، وتفكيك شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية التي تقتات على استمرار حالة الانفلات.





















