(النور قبة) مع الجيش.. صفقة حرب فاتورتها الضحايا
عاين- 4 مايو 2026
وسط خيبة ضحايا الانتهاكات، ومخاوف شركاء السلطة، استقبل قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، بالأحضان القائد المنشق عن قوات الدعم السريع، اللواء النور قبة، مدشّناً مرحلة تحالف جديد مع مجموعة كان الحديث معها بالأمس عبر لغة الرصاص.
حين وصل النور قبة، لأول مرة، إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، نزل بالقرب من مخيم مليء بالنازحين الذين كانوا قد فرّوا من مدينة الفاشر عندما كانت محاصرة من قبل قوات الدعم السريع، وكان القائد المنشق أحد أبرز القادة الواقفين على أبواب المدينة، يمنعون عنها الغذاء والدواء، كما تلاحقه اتهامات بالتورط في انتهاكات عديدة بدارفور.
ومع ذلك احتضنه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بحرارة وسط ابتسامات ودودة، في مفارقة لتلك النظرة الحزينة التي كانت قد كست وجه قائد الجيش حينما احتضن، بالقرب من ذات المكان، إحدى النازحات من الفاشر يوم أن زار مخيم العفاض بالولاية الشمالية، الذي يأوي الفارين من انتهاكات قوات النور قبة، وقتما كان في صف الدعم السريع.
وكان قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان قد زار مخيم العفاض بالولاية الشمالية في الثامن من نوفمبر 2025، وتفقد أوضاع النازحين هناك، والتُقطت له صورة وهو يحتضن إحدى النازحات والحزن يكسو وجهه في حالة تعكس تأثره بالمشهد، وقد وجدت الصورة تفاعلاً واسعاً، ولا تزال صفحة القوات المسلحة السودانية تضعها في واجهة البروفايل.

حصار الفاشر
بعد مقتل القائد بالدعم السريع اللواء علي يعقوب جبريل في يونيو 2024، صعد النور قبة إلى الواجهة وتولى، مع حمدان أبونشوك، قيادة العمليات في الفاشر، وبعدها تعرضت المدينة لحصار خانق مُنع عنها الغذاء والدواء، مما أجبر السكان على تناول علف الحيوانات لسد رمق الجوع.
وأعلنت منظمات إنسانية وقتها تفشي المجاعة في مدينة الفاشر، وفوق ذلك كانت المدينة تتعرض لوابل من القصف المدفعي وعبر الطيران المُسيّر، مما خلف مئات القتلى والجرحى وسط المدنيين.
أبدت سارة فاضل، وهو اسم مستعار لنازحة من الفاشر، أسفها لمشهد استقبال قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان للنور قبة بالأحضان والابتسامات، قائلة إن المشهد يدل على استهتار بما تعرضت له وغيرها من انتهاكات على يد قوات النور قبة.
تعيش سارة فاضل وبعض أفراد أسرتها اليوم في مدينة أم درمان، بلا “عمل ولا أمل” كما تقول، ويعيشون فقط على الإعانات التي يرسلها ذوو الأسرة من الخارج.
“يبدو أن لا أحد يشعر بحجم معاناتنا، كيف تعرضنا للقتل والتجويع والإهانات في الفاشر، وما واجهناه من عذاب خلال رحلة الفرار، وما يعانيه النازحون اليوم في المخيمات. كل الذي يهمهم تحقيق انتصارات على الدعم السريع، ولا يهم إن كنا نحن من ندفع الثمن”، تقول سارة لـ(عاين).
وأشارت إلى أن مشاهدتها للقائد المنشق من قوات الدعم السريع، النور قبة وقواته، وهم يتجولون في مناطق سيطرة الجيش، أعاد لها ذكريات الانتهاكات التي كانوا يتعرضون لها في الفاشر خلال فترة الحصار، وكيف أنهم كانوا يعتمدون على وجبة واحدة خلال اليوم، وأحيانًا ليومين، بسبب الحصار الذي كانت تتعرض له المدينة.
من هو “قبة” ومتى ظهر
ينحدر النور قبة من ولاية شمال دارفور، وهو أحد أبناء أهلية المحاميد الممتدة على الشريط الشمالي لولايتي شمال وغرب دارفور، وهو من أسرة الشيخ موسى هلال، زعيم أهلية المحاميد، الذي يقف أيضاً إلى جانب الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع.
يقول مصدر قريب من النور قبة ومطلع على تطورات نشأة المليشيات الحكومية في دارفور، طلب حجب اسمه، لـ(عاين) إن النور قبة ظهر للعيان خلال عامي 2014 – 2015، بعدما نشبت صراعات بين الشيخ موسى هلال وحكومة الرئيس السابق عمر البشير، التي كان يشغل فيها منصب وزير بديوان الحكم الاتحادي، حيث غادر هلال وقتها الخرطوم واعتصم بـ”مستريحة” وبدأ إرسال تصريحات مناهضة للنظام الحاكم.
يقول المصدر إن حكومة البشير بدأت وقتها صناعة قيادات جديدة من أسرة هلال للسيطرة على الأهلية وعزل زعيمها الذي أظهر التمرد، مبيناً أنها اهتمت بالنور قبة وصنعت منه قائداً بارزاً في قوات حرس الحدود، وكان من أوائل الذين أيدوا الانضمام لقوات الدعم السريع في 2017، حينما كانت الذراع الأقوى لنظام البشير.
وكانت قوات الدعم السريع قد داهمت في عام 2017 منطقة مستريحة بشمال دارفور واعتقلت موسى هلال، وجاءت به إلى الخرطوم مصفد اليدين، لأنه عارض ورفض وقتها حملة أطلقتها حكومة البشير لجمع السلاح بدارفور ودمج قوات حرس الحدود التي كان يقودها في الجيش والدعم السريع.
دوره في الحرب
يقول المصدر إن النور قبة لم يكن له دور بارز في الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، موضحاً أن الشكوك ظلت تحوم حوله بوجود علاقة تربطه بالجيش، خصوصاً خلال حصار مدينة الفاشر التي لم يحسم الدعم السريع السيطرة عليها إلا بعد عزل القبة ونقله إلى محور كردفان، وفق قوله.
وأكد المصدر أن النور قبة لم يلتق طوال فترة الحرب الجارية بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، لانعدام الثقة في ولائه.
وأضاف “بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر وتكليف اللواء حمدان أبونشوك بالقيادة، رفض النور قبة ذلك، حيث كان يظن أنه الأجدر بالقيادة، وذهب ليعتصم بمنطقته في محلية الواحة وبدأ تواصله مع الجيش، وحينما أرسلت قوات الدعم السريع وفدًا للحديث معه، أبلغهم القبة أن القرار ليس في يده بل لدى أسرته بعد التهميش الذي وجده”.
“التقى الوفد أسرة النور قبة، لكنها رفضت الوساطة وطلبت لقاء (حميدتي أو عبد الرحيم)، وهو ما رفضته قيادة الدعم السريع التي كانت لديها معلومة بأن القبة مكلف باغتيال شخصيات بارزة في الدعم السريع”، يقول المصدر.
وذكر أن العلاقة بين النور قبة وموسى هلال كانت مستمرة حينما كان الأخير في منطقة مستريحة بشمال دارفور، مبينًا أن “قوات الدعم السريع كانت قد وصلتها معلومة بأن الجيش السوداني أسقط أوراقًا نقدية في مستريحة لكنها وصلت في النهاية إلى النور قبة”.
مكاسب الجيش من انضمام “هلال والقبة”
يرى المصدر أن انضمام النور قبة وموسى هلال إلى الجيش السوداني سيجني منه الأخير مكاسب كبيرة، لجهة أن المنضمين من أبرز قادة أهلية المحاميد، وبعد انضمامهما يمكن أن يكسب الجيش ولاء كل الأهلية في شمال دارفور والشريط الحدودي مع ولاية غرب دارفور.
وأكد أن كثيراً من المغاضبين داخل الدعم السريع قد انضموا بالفعل للنور قبة وذهبوا معه إلى الجيش.
ولعل من أبرز المكاسب التي سيجنيها الجيش من انضمام النور قبة معرفة طرق ومسارات إمداد قوات الدعم السريع عبر الحدود مع دولتي ليبيا وتشاد، كما سيعرف الجيش من خلاله مواقع آليات الدفاع الجوي التابعة لقوات الدعم السريع، إضافة إلى مواقع منصات إطلاق الطائرات المُسيّرة ومخازن السلاح والذخيرة، مما سيتحتم على الدعم السريع تغيير تلك المواقع، يقول المصدر.
وأضاف “كما سيكون بمقدور النور قبة التواصل مع قيادات أخرى مؤثرة داخل قوات الدعم السريع وإقناعها بالانضمام إلى الجيش، بجانب تواصل موسى هلال مع الإدارات الأهلية، مما قد يشكل كبرى المكاسب للجيش السوداني”.

مشاركة السلطة
مقابل تلك المكاسب التي يتوقع أن يحصل عليها الجيش، ثمة مقابل يُنتظر أن يحصل عليه النور قبة وموسى هلال نظير الانضمام والخدمات المستقبلية التي سيقدمانها، لعل أبرزها المشاركة في السلطة، وفق المحلل السياسي إدريس كبور.
يقول كبور لـ(عاين): “في حال عدم ذهاب الجيش إلى المفاوضات والاتفاق على هدنة إنسانية، سيتم منح موسى هلال والقبة مناصب في السلطة مقابل تجربتهما عسكرياً في الحرب ومحاولة الدفع بهما إلى دارفور بعدما فشلت القوة المشتركة في المهمة”.
وتوقع كبور أن يتم ترميز هلال والقبة من خلال منحهما مناصب في السلطة التابعة للجيش، مما قد يثير خلافات وسط حلفاء الجيش، خصوصاً المشتركة التي كانت قد ابتزت البرهان من أجل المحافظة على المناصب والحصول على الأموال، مشيراً إلى أن ذلك قد يدفع البرهان للاهتمام بالحلفاء الجدد أكثر من غيرهم.
وفي السياق، توقع صحفي مقيم في دارفور طلب حجب اسمه أن يؤسس القبة قوة عسكرية جديدة، لكنها ستكون تحت إمرة هيئة أركان الجيش السوداني، كما ستكون سنداً لموسى هلال لتحقيق طموحاته في الوصول إلى السلطة، وأضاف أنه “إذا استمر هيكل السلطة الحالي فسيكون موسى هلال عضواً بمجلس السيادة، وإذا تغيّر ربما يكون نائباً لرئيس الجمهورية، بحكم أن المنصب كان يشغله حميدتي سابقًا تمثيلاً لعرب دارفور”.
وقريباً من ذلك قال القيادي في مجلس الصحوة الثوري صلاح خيورة، لـ(عاين) إن تحركات قوات النور قبة ستكون تحت إمرة القوات المسلحة، مشيراً إلى أنها في الأساس كانت تتبع لحرس الحدود قبل الانضمام لقوات الدعم السريع في 2017.
تنفّسوا الصعداء
لن تتوقف مكاسب انضمام النور قبة وموسى هلال على الجيش السوداني وحده، فهناك قطاع عريض من أبناء المجموعات العربية في مناطق سيطرة الجيش كانوا خلال الفترة الفائتة خائفين مترقبين داخل منازلهم من تصنيفهم بمعاونة الدعم السريع، وقد تنفسوا الآن الصعداء، وبإمكانهم الخروج والظهور العلني بعد أن أصبح لهم أبناء بارزون في الجيش والسلطة.
قال أحد أبناء الرزيقات في أم درمان لـ(عاين): “الآن بدأنا نشعر أننا غير مستهدفين عرقيًا، ويمكننا التجوال في الطرقات دون شعور بالخوف”.
ومنذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، ساد نمط من خطاب الكراهية ضد القوميات التي ينحدر منها غالب مقاتلي قوات الدعم السريع، كما رافق الخطاب إجراءات رسمية تمثلت في بلاغات ضد من يُشتبه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع، ودفعت تلك التطورات الكثيرين إلى مغادرة مناطق الجيش أو البقاء في منازلهم وحصر تحركاتهم في مساحات ضيقة.
اعتقالات انتقامية
عقب انشقاق اللواء النور قبة ومغادرته دارفور إلى مناطق الجيش السوداني، شنت قوات الدعم السريع حملة اعتقالات انتقامية ضد أقرباء ومعارف اللواء المنشق والقيادات التي ذهبت معه.
وحسب ما تحققت منه (عاين) من مصادر محلية، فإن قوات الدعم السريع اعتقلت بين 20 إلى 25 شخصًا من مناطق “كتم والواحة والقبة وكبكابية”، وسط انقطاع شبكة الإنترنت الفضائي عن تلك المناطق بعد منعها بواسطة الأجهزة الأمنية.
ومن أبرز الشخصيات التي اعتقلتها قوات الدعم السريع الصحفي آدم إسحاق منان وشقيقه سيدو إسحاق منان، بسبب انشقاق شقيقهما المقدم عثمان إسحاق منان مع النور القبة.
كما امتدت حملة الاعتقالات إلى مدينة كبكابية، حيث اعتقلت قيادات عسكرية بقوات الدعم السريع ومدنيين آخرين، منهم مصطفى آدم حسين، الذي انشق أحد أقربائه مع النور قبة.
وفي بلدة كتم جرى اعتقال عدد من الأشخاص، بينهم “زكريا الأمين آدم حسين، موسى آدم موسى، العمدة مصطفى الدود مهدي”، بجانب عدد من أفراد أسرة الصحفية زمزم خاطر.




















