الذهب لا ينعكس إيجابًا على حياة السودانيين.. لماذا؟

عاين- 27 أبريل 2026

تتجلى المفارقة الصارخة في السودان عند زيارة منطقة غنية بإنتاج الذهب، لتجد في محيطها مئات القرى التي يرزح سكانها تحت وطأة الفقر المدقع، رغم قربهم من مناجم المعدن النفيس.

حالياً، تخضع نحو ست ولايات منتجة للذهب تحت سيطرة الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، وذلك في ظل تداعيات الحرب المستمرة؛ إذ تقلصت دائرة الإنتاج من 18 ولاية وفقاً لهيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية في فبراير 2026. هذا الانكماش الجغرافي دفع نحو 80 شركة أجنبية ومحلية ونحو 700 ألف معدّن أهلي إلى ولايات الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، والجزيرة، والبطانة، والخرطوم، بحثاً عن المعدن الأصفر الذي بات الملاذ الأخير للاقتصاد المنهك.

ففي موقع تعدين صغير بمنطقة العبيدية شمالي السودان، يجسد محمد جبر الله حالة من التفاني في العمل، سعياً للوصول إلى نسبة من الإنتاج تضمن له الحصول على نصيبه قبل انتصاف الشهر، في سباق مع الزمن والظروف المعيشية القاسية.

يقول محمد جبر الله، العامل في القطاع التقليدي: “نحن نرى كيف تحصل بعض الجهات النافذة والمجموعات المسلحة على الذهب من (الكرتة – بقايا حطام الصخور)، ناهيك عن المناجم السحيقة. هذه الجهات تحولت إلى إمبراطوريات لجني أموال طائلة تصل إلى 500 ألف دولار شهريا في موقع واحد”.

هذا النموذج يعكس كيف تحول السودان إلى ” تحالف أمني” يلف شباكه بسرية تامة حول قطاع الذهب، مما يخلق حالة من “العزلة” بين الثروات والدولة والمواطنين ويحول دون توظيف هذا المورد في تحسين حياة الناس عبر تمويل قطاعات الصحة والتعليم والأجور، لا سيما وأن السودان ينتج قرابة 70 طنًا سنوياً وفقاً لإحصائيات شعبة مصدري الذهب.

وتقول شركة الموارد المعدنية، أن ارتفاعاً ملحوظاً في إيرادات التعدين التقليدي خلال الربع الأول من عام 2026، حيث بلغت معدلات التحصيل 113% من الأهداف المتوقعة، ويشير مدير التخطيط في الشركة الصادق الحاج طه، أن فائض الإيرادات قد وُجّه مباشرةً إلى مشاريع المسؤولية الاجتماعية المجتمعية، بما في ذلك مبادرات الصحة والمياه والتعليم.

تحركات حكومية مشلولة

وفي محاولة لسد عجز الميزان التجاري المتوقع أن يتسع هذا العام بمقدار 4.5 مليار دولار، يعتزم مجلس الوزراء برئاسة كامل إدريس الحصول على 2 مليار دولار من عائدات الذهب. وقد مارس إدريس ضغوطاً مكثفة على وزارة المعادن للحد من أنشطة التهريب المتنامية. في المقابل، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي، محمد كمال، أن المؤسسات القوية هي المنوط بها وضع إصلاحات حقيقية لمكافحة الفساد، وليس مجرد اجتماعات روتينية تفتقر للحماية السياسية والأمنية.

معدن تقليدي عن الذهب في ولاية نهر النيل

ويستدل كمال، على أزمة غياب المؤسسية بما حدث لمحافظ البنك المركزي السابق، برعي الصديق، الذي أطيح به في سبتمبر 2025 إثر تمسكه باحتكار الدولة لتصدير الذهب، وهو ما أدى إلى صدام مباشر مع وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. ويشدد كمال في مقابلة مع (عاين) على أن هذه الأزمات السيادية يجب أن تُحل عبر القنوات المؤسسية لا عبر إقالة المسؤولين عند أول تقاطع في الرؤى. وتتزايد المخاوف مع تصاعد “حمى الذهب” وسط تقارير تشير إلى استخدام هذا المعدن لتمويل الحرب بين الجيش والدعم السريع، بقيمة بلغت نحو 8 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات.

إبعاد القطاع الأمني والعسكري

يعقد المحلل الاقتصادي، محمد إبراهيم، مقارنةً بين إيرادات الذهب السنوية وميزانيتي التعليم والصحة، ويقول لـ(عاين): “بينما لم يشهد قطاعا الصحة والتعليم تمويلاً حكومياً منتظماً، ولو بقيمة 100 مليون دولار خلال عامي 2024 و2025؛ بلغت عائدات الذهب خلال هذين العامين نحو 1.8 مليار دولار، خُصصت لتمويل المؤسسات السيادية (مجلسي السيادة والوزراء) والقطاعين الأمني والعسكري”.

ويشير إبراهيم، إلى أن تهريب الذهب يحرم السودان من نحو ملياري دولار سنوياً، مؤكداً أنه لا يمكن وقف التهريب دون إجراء إصلاحات هيكلية عميقة في القطاع الأمني والعسكري، وإبعاده عن الاستثمار في مجال التعدين ومساندته في ذات الوقت للحكومة المدنية لملاحقة المهربين.

ويرى إبراهيم، أن طبيعة تكوين القطاع الأمني والعسكري في السودان تحول دون تحويل الذهب إلى موردٍ ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين، أو على خزينة الدولة، وذلك في ظل غياب الشفافية وضبابية الجهات المستوردة للذهب، لا سيما مع تواتر التقارير التي تشير إلى أن الشحنات تمر عبر مصر وصولاً إلى الإمارات.

وأردف قائلاً: “أنتج السودان حوالي 120 طناً من الذهب خلال عامي 2024 و2025، (مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع) نُقِلت 95% منها إلى خارج البلاد، ولم يتجاوز نصيب الدولة من عائدات هذا المعدن النفيس 20% فقط من القيمة الكلية للشحنات، بينما استحوذ التهريب على الـ 80% المتبقية” مستدركا: “وزارة المعادن لا تسيطر على الإنتاج في كل شبر من أنحاء السودان خاصة خلال الحرب”.

مسارات التهريب العابرة للحدود

يعزو عبد الرحمن خبير، العامل في قطاع التعدين الأهلي، عدم انعكاس بريق الذهب على حياة السودانيين إلى وجود “فساد حقيقي” ذي طابع أمني وعسكري يهدف للاستحواذ على الإنتاج. ويشرح خبير، الذي يدير مواقع تعدين شمالي البلاد كيفية تهريب الذهب بكميات ضخمة بمعزل عن القنوات الرسمية، نظراً لرفض المعدنين بيع إنتاجهم للحكومة بأسعار غير مجزية أو تحت قيود صارمة.

ويضيف خبير في حديثه لـ(عاين): “بعض المعدنين الذين يحصلون على كميات تصل إلى 20 كيلوغراماً يتوجهون مباشرة إلى مهربين يمتلكون السيولة النقدية، لتتم عمليات البيع فوراً. وفي نهاية المطاف، تُصدر هذه الكميات نحو مصر وليبيا وتشاد، وهي حقائق معلومة تماماً في أوساط المعدنين الأهليين”.

كما يتحدث عبد الرحمن الخبير عن توغل آلاف المعدنين من دول الجوار إلى داخل السودان لكسب المال من العمل في مناجم الذهب، وفي نفس الوقت يتحولون إلى عناصر تستخدم من قبل شبكات عابرة للحدود تنقل الذهب السوداني تحت إشراف المجموعات المسلحة عبر شاحنات تشق الطرق نحو تشاد وليبيا ومصر وجنوب السودان.

الصورة من سوق تعدين الذهب بمدينة أبوحمد في ولاية نهر النيل

 هذا الواقع المرير يؤكده المحلل الاقتصادي حسام الدين إسماعيل، واصفاً قطاع الذهب بأنه يواجه “سلسلة من الفساد” الممنهج، مما يحرم موازنة الدولة من موارد حيوية كانت كفيلة بإحداث نهضة تنموية.

ويرى إسماعيل، أن الذهب حول أفراد إلى أثرياء، لكنه فشل في إغناء الدولة بسبب التهريب لدول الجوار والإقليم. ويشدد على ضرورة إنشاء بورصة موحدة لتسعير الذهب داخلياً، كإجراء تقني يحد من التهريب، ويضع المعدن تحت رقابة القنوات الرسمية. وفي سياق الجهود الحكومية، ناقش رئيس الوزراء كامل إدريس مع وزير المعادن، نور الدائم طه، في 20 أبريل 2026، خطة شاملة لسد الثغرات الحدودية ومكافحة شبكات التهريب التي تستنزف ثروات البلاد.

وفي شهادة صادمة، يقول عضو في شعبة مصدري الذهب “فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية لـ(عاين): “الإنتاج السنوي يتراوح بين 75 إلى 80 طناً، لكن دولاً أخرى هي التي تبني احتياطاتها من الذهب السوداني، بينما يعيش الشعب السوداني في فقر مدقع”.

ويعزو المصدر، هذا الفشل إلى غياب “الإرادة السياسية” لدى قيادات الدولة لمكافحة التهريب، مشيراً إلى أن تجار السوق الموازي يدفعون للمعدنين بالعملة المحلية مقابل تسليم الذهب لشبكات تعمل في “ملاذات سرية” في الإمارات ومصر، مما يفقد الخزانة العامة نحو 4 مليارات دولار سنوياً من حصائل الصادرات الضائعة.

 الذهب يتحول إلى وقود للنزاع

ويكشف محمد البدري، المتعامل في قطاع الشركات، عن جانب آخر للأزمة يتمثل في سيطرة نحو 35 شركة أمنية وعسكرية تابعة للجيش، وجهاز المخابرات، والحركات المسلحة المتحالفة مع الحكومة، على مفاصل القطاع. مضيفا: “هذه الجهات تستثمر في الذهب، ولا يمكن ملاحقتها رسمياً لتوريد إنتاجها للقنوات الرسمية”. كما ينوه البدري إلى أن الفجوة الكبيرة بين القطاع التقليدي (80%) والقطاع المنظم (20%) والتي تفتح أبواباً واسعة لتسلل المعدن خارج الرقابة الحكومية.

مراسل لـ(عاين) يعايش الحرب لعام كامل ويكتب من جنوب الخرطوم: (1 – 2)
مركبة عسكرية في الخرطوم

وفي تحليل آخر لتداخل الوضع الأمني والسياسي مع قطاع التعدين في السودان خلال السنوات الأخيرة، يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي محمد كمال أن “جهات نافذة” داخل الدولة تفتقر للإرادة لتحويل العائدات للتنمية، بحجة استخدام الذهب لتمويل العمليات العسكرية بنحو 100 مليون دولار شهرياً. وأضاف: “لقد تحول الذهب من مورد اقتصادي إلى سلعة أمنية وسياسية” مبيناً أن قرارات التصدير والإيرادات تتركز في يد “مجموعة قليلة” تتوزع بين مجلس السيادة والحكومة التنفيذية، بعيداً عن الشفافية المطلوبة لإدارة الموارد القومية.

ويرى كمال مقدماً تحليلًا صادماً أن التحالفات القائمة بين الجيش والمجموعات المسلحة ترتكز أساساً على مدى الوصول إلى مربعات الإنتاج، سواء عبر وضع اليد بقوة السلاح أو عبر اتفاقات سرية توفر لها الحماية من قبل وزارة المعادن. هذا الخلل البنيوي يعود، حسب وصفه، إلى “تحالف المسلحين” بين عبد الفتاح البرهان، وجبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، وهي القوى التي تسيطر فعلياً على الوزارات السيادية ذات الصلة بإنتاج الذهب وإدارة عائدات الصادر، وعلى رأسها وزارة المالية.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *