أي الخـيارات أمــام (مـوســى هـــلال)؟
عاين- 6 مارس 2026
“المعركة مع قوات الدعم السريع بدأت الآن”. هذا التصريح الذي أدلى به أمس الخميس، هو الأبرز للزعيم الأهلي ورئيس مجلس الصحوة الثوري موسى هلال عقب وصوله للعاصمة السودانية الخرطوم، وإعلان نيته الانخراط في القتال ضد قوات الدعم، الأمر الذي يفتح العديد من الأسئلة حول الخطوات القادمة والخيارات أمام قائد مجلس الصحوة الثوري. وسط مخاوف من انزلاق الحرب بين الجيش والدعم السريع في إقليم دارفور، نحو صراعات أهلية داخلية أكثر عنفا.
وكانت الأسابيع الماضية، قد شهدت بداية، تلاسنا لفظيا بين قيادة قوات الدعم السريع، وزعيم مجلس الصحوة موسى هلال والمتحصن منذ سنوات ببادية مستريحة بشمال دارفور، وتطور التوتر باتهام الدعم السريع لأحد أبناء موسى هلال بإرسال إحداثيات للجيش لقصف مواقع تابعة لها، ما أدى إلى مقتل قيادات بارزة في الدعم السريع، حسب زعمهم، وانتهى الفصل هذا، باجتياح عسكري بواسطة الدعم السريع لمستريحة، وقتل عدد من المحيطين بموسى هلال من بينهم أحد أبنائه، فيما نجا هلال الأب، وخرج من المنطقة، وتمكن من الوصول إلى مدينة الدبة، شمال السودان، حيث سيطرة الجيش السوداني.
التاريخ والتأرجح
يعيد الحديث عن موسى هلال، ذكرى تكوين المليشيات القبلية في العام 2003 بواسطة نظام الرئيس المعزول عمر البشير، بغرض دفعها لقتال الحركات المسلحة التي تمردت سنتئذ على السلطة المركزية، وكان موسى هلال على رأس رمح تكوين تلك المليشيات، والتي تحولت في فترة ما لقوات حرس الحدود، واتهمت هي وغيرها من المليشيات بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين في دارفور، صنفتها المحكمة الجنائية الدولية، جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وإبادة جماعية، ما دفع المحكمة إلى إصدار أوامر توقيف بحق عدد من رموز النظام، من بينهم الرئيس المعزول عمر البشير، كما عاقبت المحكمة ذاتها في أكتوبر الماضي، علي كوشيب، أحد قادة المليشيات التي كانت تعرف بالجنجويد، بالسجن 20 عاما لإدانته بجرائم حرب وجرائم أخرى.
على الرغم من كونه القائد الفعلي للجنجويد في نشأتهم الأولى، إلا أن موسى هلال، بدا بعد سنوات قصيرة من التكوين، تمردا صامتا على الدولة، ثم خرجت معارضته ومواقفه للعلن، ووصل جبل الجليد ذروته بإنشاء قوات الدعم السريع 2013 وشرعنتها 2017 على حساب موسى هلال، بالاعتماد في تأسيس القوة الجديدة على محمد حمدان دقلو “حميدتي”
عقب اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 الحرب بين الجيش والدعم السريع اتخذ موسى هلال موقفا “كلاميا” مساندا للجيش، لكنه لم يشارك عمليا في المعارك، حتى وقع التوتر بينه الأخير ومآلاته، وسط انتظار وترقب لخطوة موسى هلال المقبلة.
دعاة الحرب.. رهان غير محدود
بمجرد اجتياح بلدة مستريحة، وخروج زعيم مجلس الصحوة، انتهز دعاة الحرب وأصواتها، الفرصة للرهان على قدرة موسى هلال في إحداث تحول ميداني في دارفور، وقدرته على شق صفوف الدعم السريع، فيما نحى آخرون منحى تحريضياً ورسم صورة مستقبلية لصراع قبلي داخلي بين هلال وحميدتي ومواصلة الدولة المركزية في نهج الزج بالقبائل في الصراعات السياسية.
مجلس الصحوة الثوري يعتذر عن الرد حول خطوتهم المقبلة، ويقول إنه يعيد ترتيباته ومواقفه بصورة شاملة، وسيخرج بها في الأيام المقبلة للرأي العام
أثر مجلس الصحوة الثوري الذي يترأسه موسى هلال، الصمت حول خطتهم المقبلة، وسألت (عاين) المتحدث باسم مجلس الصحوة الثوري، أحمد أبكر، عن تفاصيل الخيارات المتاحة، وهل سيعيد هلال تحالفه القديم مع الجيش، واحتمال الصلح بينه وبين الدعم السريع وشروطه، كما شملت الأسئلة التخوفات من الصراع القبلي الداخلي وآثاره الاجتماعية، لكن أبكر اعتذر عن الحديث بحجة أن مجلس الصحوة يعيد ترتيباته ومواقفه بصورة شاملة، وسيخرج بها في الأيام المقبلة للرأي العام.
الخيارات المتوقعة.. ما هي؟
يحدد الكاتب والصحفي الصادق الرزيقي، جملة من الخيارات التي يمكن أن يذهب نحوها موسى هلال، وأولها، تجميع قواته التي انتشرت الآن في مناطق دارفور، وتفتقر التسليح ومعدات النقل والسيارات القتالية.
وأبان الرزيقي، أن موسى هلال يمكنه تجميع تلك القوات، وإضافتها إلى أكثر من 10 آلاف من قواته دُرِّبَت بمنطقة الدبة شمال السودان في السابق، ضمن القوات المساندة للجيش، وانتشرت في الشمال والخرطوم وأم درمان ومسارح أخرى للعمليات، ويقول في مقابلة مع (عاين): أن “موسى هلال يراهن كذلك على انشقاق المزيد داخل الدعم السريع من أبناء الفرع الأهلي الذي يتشيخه، ويعمل على ذلك الهدف، ثم ترتيب صفوفه والعمل مع القوات المشتركة لحركات دارفور، لتنفيذ عمليات عسكرية تستعيد مناطق بولاية شمال دارفور من ضمنها مستريحة”.
الصادق الرزيقي يشير إلى أن الخيار الأبرز الذي يمتلكه موسى هلال الآن، هو اصطفافه مع الجيش، وتوقع أن يكون هلال رأس الرمح في محاولة استمالة بقية المجموعات الأهلية وأبنائها داخل الدعم السريع.
“موسى هلال لن ينحن للعاصفة خصوصا أنه لم يخسر خسائر كبيرة وسط قواته، منبها إلى أن فرع موسى هلال الأهلي لديه كذلك امتدادات في تشاد وجنوب ليبيا والنيجر وغيرها، كل تلك الامتدادات بدأت تتحرك لمناصرة موسى هلال خاصة بالضغط على تشاد، وعلى حفتر في ليبيا، وعلى سلطة النيجر”. يقول الزريقي. ويتابع: “سيقدمون دعما لهلال، وإن كنت لا أعرف كيفية وشكل ذلك الدعم”.
يختلف أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية صلاح الدين الدومة كليا مع ما ذهب إليه الصادق الرزيقي، ويرى أن أي محاولة من طرف الجيش وأنصاره لاستمالة موسى هلال ستكون مضيعة للوقت والمال وإهدار للقدرات، لجهة أن موسى هلال استنفذ كل أغراضه من قبل، ولم يعد له مستقبل لا سياسي ولا ميداني، خصوصا إذا ما قورن بمستقبل خصمه قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو.
ويشير الدومة في مقابلة مع (عاين) إلى أن زعماء الأهليين مقربون من “حميدتي” الذي نجح منذ فترة في استقطابهم بمختلف الوسائل بما في ذلك المال وعربات الدفع الرباعي والمناصب والنفوذ، ويشدد:” أي محاولة لاستخدام موسى هلال لتحقيق انتصارات أو شق الصف الأهلي أو شق صف الدعم السريع لن تجد على الإطلاق لجهة التطورات المجتمعية في إقليم دارفور”.
تقاطعات
يعترض القيادي في تحالف قوى الثورة صمود شهاب إبراهيم، على السلوك القديم المتجدد للدولة في استغلال القبيلة والزج بها في حروبات طويلة مستخدمة كل أدواتها في تفتيت المجتمع كما فعل نظام البشير في سنواته الطويلة. ويقول إبراهيم، إن موسى هلال استخدم من قبل في الصراع الدموي في دارفور مطلع الألفية، وسرعان ما تقلبت العلاقة بينه وبين الأجهزة الأمنية التي برعت الآن، في توظيف الصراع بينه وبين قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، لصالحها وصالح أجنداتها.

لكن الكاتب والصحفي الصادق الرزيقي، يعود، ويرفض فكرة الحديث عن زج القبائل في الحرب أو استغلالها بمثل رفضه لفرضية وجود نوايا مركزية لاستغلال موسى هلال، وليس هناك جهات تدفعه للمواجهة، بل يدفعه سياقات المشكلة، وما جرى على الأرض، لافتا إلى أن الخلاف بين الفرع القبلي لهلال، والفرع القبلي لحميدتي، خلاف قديم ومتجذر، كما أن هناك تنافساً على زعامة القبيلة الأم، مبينا أن قائد الدعم السريع حاول منذ سنوات فرض زعامة قبلية، وسيطر على قبائل، لكن واجهته عقبة موسى هلال الرافض لتوسع نفوذ حميدتي القبلي.
ويقول الرزيقي لـ(عاين): “لا أعتقد أن الدولة استغلت أو تريد استغلال موسى هلال، بل الدولة نفسها لم تقدم له شيئا أثناء وجوده في مستريحة، كما أن لهلال موقف من مؤسسات الدولة، ومن الجيش وسُجن في فترة من الفترات، ولم يخرج إلا بعد ثورة ديسمبر، لكن في الوقت الحالي تلاقت مواقف موسى هلال مع مواقف الجيش، وتلاقت مصالح هلال مع مصالح الدولة، لذا يمكن أن يحدث تقارب”.
فيما يرى الخبير في مجال دراسات السلام، عباس التجاني، أن منع الانزلاق نحو فوضى حرب القبائل أو الأفرع القبلية ووقف الزج بالكل في الصراع، يحتاج كذلك إلى جملة خطوات منها، وقف التصعيد الإعلامي والتحشيد القبلي، وأهمية تدخل المجموعات المحلية كوسطاء في تذويب الخلافات، أو تجميدها في المرحلة هذه، كما شدد في مقابلة مع (عاين) على ضرورة توفر إرادة سياسية من الأطراف الرئيسة في الحرب لمنع الانزلاق بها إلى مستوى المجموعات الاجتماعية السودانية.























