معتقلو الفاشر.. أجبرتهم الدعم السريع على دفن الموتى ونهب المنازل وحرقها
عاين- 23 فبراير 2025
نجت حليمة إسماعيل من الحرب في الفاشر بولاية شمال دارفور غربي السودان، لكنها فقدت ثلاثة من أشقائها لحظة اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة في أكتوبر الماضي، على الأرجح وقعوا في مصيدة الاعتقال حسب معلومات توفرت لها، ومنذ ذلك الحين تعيش هذه السيدة وأسرتها تحت وطأة الألم، وسط تقارير حقوقية متواترة تتحدث عن اعتقال الدعم السريع لآلاف المدنيين تحت ظروف قاسية في الإقليم.
ولم تجد حليمة أثر ملموس لأشقائها الثلاثة طوال هذه المدة، ومع ذلك ظلت تتلقى اتصالات من مسلحي قوات الدعم السريع، يطالبونها بدفع مبالغ مالية إذا كانت ترغب في عودة إخوانها، لكنها لم تتمكن من دفع أي أموال واختبار مصداقية هؤلاء المسلحين، فهي تعيش كنازحة تحت ظروف إنسانية سيئة، ولا تملك حتى ثمن شراء الطعام.
ويتفاقم ألمها وحزنها مع كل اتصال من المسلحين عليها، والذي يصاحبه على الدوام ابتزاز شديد وتهديد بتصفية المعتقلين حال تأخير دفع المبالغ المالية، وفق ما ترويه لـ(عاين). تقول “لا توجد أي ضمانات، فقد حوّلت العديد من العائلات مبالغ مالية نظير إعادة أبنائها المعتقلين والمختطفين، ولكن كان مجرد احتيال ولم يعودوا، وهو أكثر ما يؤلم في هذه القضية”.
أُجبر المعتقلون على دفن القتلى بأسلوب قاس، واستخدموا كعمال في المستشفى السعودي لخدمة جرحى الدعم السريع، ويُخرجون نهاراً لجمع ممتلكات المواطنين في حي الدرجة الأولى ثم حرق المنازل لتمويه آثار النهب
شهادة شقيقة ناج من الفاشر
وتعكس قصة حليمة، واقع عائلات أخرى فقدت أبناءها وبناتها عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، حيث تعرض بعضهم إلى الاعتقال، وآخرين جرى اختطافهم ومطالبة ذويهم بدفع فدية مالية، بينما قتل بعضهم، ضمن انتهاكات واسعة وقعت بحق المدنيين في المدينة التي ظلت تحت الحصار الشديدة لأكثر من 18 شهراً، قبل سقوطها.
وقالت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، إن قوات الدعم السريع، نفذت حملة تدمير منسقة ضد المجتمعات غير العربية في الفاشر وما حولها، تشير سماتها المميزة إلى ارتكاب إبادة جماعية، وذلك خلال تقرير قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في يوم 19 فبراير الجاري تحت عنوان “سمات الإبادة الجماعية في الفاشر”.
جرائم حرب
ووثّقت البعثة وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، قائلة إن “الأدلة تشير إلى ارتكاب ثلاثة أفعال على الأقل للإبادة الجماعية”. وتشمل تلك الأعمال، قتل أفراد من جماعة عرقية محمية، وإحداث ضرر جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير المجموعة كليا أو جزئيا، وفق البعثة.
وفي يوم 9 فبراير الجاري، قالت المقاومة الشعبية في ولاية شمال دارفور وهي كيان مؤيد للجيش، إن قوات الدعم السريع تحتجز 9 آلاف مواطن في سجن شالا قرب مدينة الفاشر، وقد توفي 300 شخص منهم نتيجة الإهمال الطبي. وتكشف تقارير مماثلة عن تخصيص قوات الدعم السريع مواقع في ولايتي جنوب ووسط دارفور كمراكز لاحتجاز المواطنين من المعتقلين من دارفور وكردفان تحت ظروف قاسية، ولم تعلق قوات الدعم السريع على هذه التقارير التي تثير فزع عائلات المفقودين.

واقع الحال عبرت عنه حليمة إسماعيل التي قالت خلال مقابلة مع (عاين): “لم تكتفِ قوات الدعم السريع بالقتل والتهجير، بل اعتقلت الآلاف من المواطنين، وطالبت أهاليهم بفدية مالية، مما ضاعف الأوجاع”.
تضيف حليمة، وهي شقيقة لثلاثة معتقلين: “أتحدث هنا عن مأساة نفسية واقتصادية تفوق الوصف. لقد قضينا أياماً بين رعب الانتهاكات وضيق الحال. أصعب ما نواجهه هو الابتزاز النفسي المستمر. بعض أشقائي قُتلوا خلال الهجوم، وما تبقى منهم معتقلون، لا نستطيع الوصول إليهم أو معرفة مكانهم”.
لم تتوقف الانتهاكات عند الرجال؛ حيث تشير حليمة إلى احتجاز “أخوات وقريبات” أيضاً، ومصادرة هواتفهن لاستخدامها في ابتزاز الأهل. يطالبون بمبالغ مالية تبدأ من خمسة ملايين جنيه فصاعداً. وتقول: “الناس يقتطعون لقمة العيش من أفواههم، ويضطرون للاستدانة لتوفير الفدية، ليفاجأوا بعد ذلك باختفاء الخاطفين والمعتقلين معاً”.
مواقع الاحتجاز
وخلال الأيام القليلة الماضية؛ إلى جانب سجن شالا في الفاشر؛ برز اسم سجن تقريس في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، كأحد المراكز التي خصصتها قوات الدعم السريع، للمدنيين المعتقلين؛ ويُنقل له المعتقلون من الفاشر ومناطق أخرى في الإقليم.
يوضح الصحفي المتخصص في شؤون دارفور عيسى دفع الله خلال مقابلة مع (عاين) أن المعلومات تشير إلى أن المعتقلين يُجمعون في سجن (كابو) أو (دقريس) في نيالا. ويقول: “بعد نشوب الحرب، أصبح هذا السجن مركزاً لاحتجاز المعتقلين المجلوبين من كردفان والخرطوم والفاشر. المعاناة هناك تزداد بشكل مضاعف لمن يُجلبون من الخرطوم”.
“هناك تقارير عن تحقيقات قاسية، وعمليات مقايضة ومساومات مالية. الخطورة تكمن في عدم الفصل بين المدنيين والعسكريين؛ فقوات الدعم السريع تتعامل مع الجميع كعسكريين أو أعداء محتملين، مما يحرم المدنيين من أي حماية كفلتها القوانين الدولية”؛ يضيف دفع الله.
ووسط معلومات شحيحة، واحتمالية المخاطر الواسعة على المعتقلين لدى قوات الدعم السريع، تستمر معاناة الأسرة وصرخاتها تملأ الأمكنة بحثا عن أبنائها وبناتها المفقودين، وسط آمال عريضة بأن تجد من يسمعها.
يقول علي عثمان (اسم مستعار) في مقابلة مع (عاين): “شقيقي محتجز منذ شهرين لدى قوات الدعم السريع في إقليم دارفور؛ وفقاً لآخر الأنباء. لا نعرف مكان احتجازه الدقيق ولا حالته الصحية. لديه أطفال صغار يسألون عنه باستمرار، ولا يجدون من يعولهم في ظل هذه الظروف القاسية”.
مغامرات البحث
من جهتها؛ لم تفقد “علوية” وهي سيدة من شمال دارفور؛ الأمل في إيجاد زوجها وشقيقها، مما دفعها للمخاطرة بالعودة إلى الفاشر مرة أخرى للبحث عنهما. تروي علوية لـ(عاين) رحلتها: “دافعي للذهاب كان البحث عن زوجي (أبو أولادي) وشقيقي. زوجي اعتقلته قوات الدعم السريع في يوم سقوط المدينة، ومنذ ذلك الحين لم نجد له أثراً، ولم يطلبوا فدية، مما يجعل مصيره غامضاً تماماً”.
أما شقيقها عثرت عليه في “المستشفى السعودي” بالفاشر. تروي علوية تفاصيل صادمة عن كيفية اعتقاله: “نُقل أخي مع حوالي 6 آلاف شخص من منطقة قرني إلى الميناء البري بالفاشر. هناك اُتُّهِمُوا بالتبعية للجيش رغم أنهم مواطنون عزل”.
تضيف علوية لـ(عاين): “حين تحدثت معه، روى لي أنهم أُجبروا تحت التهديد على دفن القتلى بأسلوب قاس، حيث قيل لهم: (اذهبوا لدفن أهلكم الذين قتلتموهم أنتم). وتابعت “كانوا مسلوبي الإرادة أمام قوة السلاح، يُستخدمون كعمال سخرة في المستشفى السعودي لخدمة الجرحى من قوات الدعم السريع، ويُخرجون نهاراً لجمع ممتلكات المواطنين في حي الدرجة الأولى ثم حرق المنازل لتمويه آثار النهب”.
الابن الوحيد
يروي مدثر عثمان أن مسلحين من قوات الدعم السريع اعتقلوا ابنه الوحيد منذ أغسطس الماضي عندما كان جالسا مع أصدقائه في مدينة نيالا، ومنذ ذلك الحين لم يسمع عنه أي أخبار.
يقول مدثر في مقابلة مع (عاين): “نسمع قصصاً مرعبة من الناجين عن ظروف الاحتجاز؛ لا طعام كافٍ، لا ماء، ومعاملة قاسية تهدف لتحطيم الروح. نحن تواصلنا مع جهات كثيرة، وتعرضنا لابتزازات مالية مقابل وعود كاذبة بإطلاق سراحه، لكن لا توجد جهة تقر بوجوده رسمياً”.
لم يتمكن مدثر من البقاء في منزله في نيالا مع سماع هذه الأخبار السيئة عن المعتقلين، واضطر إلى النزوح خارجها إلى إحدى البلدات في الإقليم؛ فهو كبير في السن، تاركاً ابنه الوحيد ومعيله خلفه وسط مصير مجهول.

بدوره؛ يقول محمد إدريس في مقابلة مع (عاين): “لي شقيقان محتجزان، هما أحمد والمغيث، انقطعت أخبارهما منذ أكثر من شهرين. الأنباء غير المؤكدة تشير إلى نقلهما إلى سجن دقريس في نيالا… العيش في ظل فقدان شقيقين يمثلان الركيزة الأساسية للبيت؛ هو أمر في غاية القسوة”.
يناشد إدريس المنظمات الحقوقية والجهات الدولية، بما في ذلك الصليب الأحمر، بالضغط على قوات الدعم السريع. ويضيف بمرارة: “تواصلتُ مع الصليب الأحمر، وأفادوا بأنهم يسعون في الملف، لكننا لم نتلقَّ أي رسالة طمأنة حتى الآن. إن حجم المعاناة النفسية التي تعيشها أسرتنا في كل لحظة لا يمكن وصفه”.
وتقول الخبيرة القانونية إقبال أحمد إن الحرب الدائرة في السودان تشبه حرب العصابات، حيث لا تُحترم قواعد القانون الدولي الإنساني التي تتطلب حماية المدنيين والأعيان المدنية. المدنيون أصبحوا الهدف الأول في ظل إفلات تام من العقاب.
ما يحدث في الفاشر هو مزيج من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري
خبيرة قانونية
وتضيف خلال مقابلة مع (عاين): “ما يحدث في الفاشر هو مزيج من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري. الاحتجاز التعسفي يعني توقيف الشخص دون اتباع إجراءات قانونية، أما الإخفاء القسري فهو عدم الإقرار بالاعتقال أو مكان الحجز. المعتقلون اليوم خارج حماية القانون تماماً”.
وتشير إقبال إلى أن بنود القانون الدولي حول مراكز الاحتجاز (الرعاية الصحية، الغذاء، الضمانات القضائية، زيارة العائلات) محصلتها “صفر كبير” في سجون تجار الحرب. وتقول: “الاعتقال يتم في ظروف تؤدي إلى الموت جوعاً، والتعذيب تحول لعملية منظمة للتصفية الجسدية كنوع من الانتقام”.
مسؤولية الجرائم
كما تحذر إقبال من دور “قطع الاتصالات” في تعميق المأساة؛ إذ يُعوق تأسيس ملفات اتهام قوية أمام المحاكم الدولية، ويصعب من مهمة الأسر في التبليغ عن مفقوديها الذين قد يُعْتَقَلُون أثناء الفرار من مناطق الاشتباك.
تؤكد إقبال أحمد أن المسؤولية الجنائية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد بالتراتبية العسكرية. “المسؤول الأول المباشر هو (حميدتي) وقادة الرتب العسكرية الأدنى. كل من شارك في أي خطوة، حتى لو كان حارساً لمبنى الاحتجاز، يتحمل جزءاً من المسؤولية عن الإخفاء القسري والتعذيب”.
وتنتقد إقبال غياب الإحصائيات الدقيقة بسبب تشتت جهود التوثيق. “المجتمع الحقوقي غير منظم، وعلينا تكوين شبكات موحدة تعمل كفرق إحصاء وتوثيق، لأننا نتعامل مع أرواح، وليس مجرد أرقام. هناك أكثر من ألف امرأة وآلاف الأطفال بين المفقودين والمعتقلين”.
توضح إقبال أن التواصل مع الصليب الأحمر ضعيف جداً. “ربما يعمل الصليب الأحمر في ظروف قاسية مع عدم تعاون طرفي الحرب، لكن اشتراطهم أن يتم الإبلاغ عبر أحد أفراد الأسرة فقط يشكل عائقاً، خاصة في ظل انقطاع الاتصالات ونزوح الأسر. لم نلقَ نتائج ملموسة منذ بداية الحرب في ملف المحتجزين، وهذا يضاعف الإحساس بالتقصير”. وتختم: “لا بد من صرخة عالية، لأن كل يوم يمضي هو وجع وألم لأسرة تتعلق قلوبها بطرقات الأبواب وعيونها على طريق لا يؤدي إليه”.























