“حين تصير المعرفة بيتاَ”.. مكتبة اليرموك بجنوب الخرطوم
عاين-26 يناير 2026
في جنوب الحزام بالعاصمة الخرطوم، حيث أعادت الحرب تعريف معنى الحياة اليومية، لم تكن مكتبة اليرموك الثقافية مجرد أرفف كتب نجت من الخراب، بل ملاذاً نفسياً ومعرفياً لشابات وشباب وأطفال وجدوا في القراءة بديلاً عن الخوف وفي النقاش الجماعي شكلاً من أشكال الصمود أمام هول الحرب.
من فتاة جامعية وجدت نفسها بين الروايات أثناء الحرب، إلى تلميذات ابتدائي يحملن الكتب إلى منازلهن، تحولت تلك المكتبة إلى مساحة آمنة تُمارس فيها المعرفة كفعل مقاومة هادئ ومسالم يرى في الكلمات معانٍ وفي الكتب أكثر من حياة وحياة.
لم تبدأ حكاية مكتبة اليرموك الثقافية كمشروع ثقافي تقليدي، بل كحلم لثلاثة أصدقاء أرادوا مقراً للمكتبة، حيث تصير القراءة فعلاً، ويغدو تعلّمها صبرًا يومياً.
منذ تأسيسها عام 2018، ثم انطلاق أنشطتها مطلع 2019، توسعت الفكرة من مكتبة واحدة إلى شبكة مساحات تعليمية وثقافية، تحتضن الأطفال، وتدعم الطلاب المتوقفين عن الدراسة، وتنظم نقاشات حول السلام والهوية وقضايا النساء، لتصبح بيت للمعرفة بيت للحلم أكثر من كونها مكتبة بالمعنى الضيق.

خلال الحرب، حين أُغلقت المدارس وتقلصت مساحات الترفيه وانعدمت الحياة، أصبحت القراءة في مكتبة اليرموك “تسليتنا الوحيدة”، كما تقول إحدى الشابات المشاركات.
هذا المكان الذي كان مقراً أمنياً في عهد النظام السابق، تحول بإرادة شباب المنطقة إلى فضاء للتعلم والوعي والدعم النفسي، يستقبل الأطفال للرسم والقراءة، والشباب للنقاش والتدريب، والنساء للحديث عن تجاربهن في زمن الحرب، مؤكداً أن المعرفة يمكن أن تزهر حتى في أكثر البيئات هشاشة.
بحسب إفادات عضوات ومؤسسي مكتبة اليرموك الثقافية، تنفذ المكتبة أنشطة تعليمية وتوعوية متنوعة، تشمل دورات في الحاسوب واللغة الإنجليزية والفرنسية، وبرامج إسناد أكاديمي لطلاب الشهادة السودانية والجامعات، إضافة إلى ورش عمل تناقش قضايا السلام والهوية والعدالة الانتقالية.
كما درجت المكتبة على تنظيم منتديات ثقافية حيث استضافت كتاباً ومفكرين وشعراء، وورش عمل لتمكين النساء وتأهيل الشباب، إلى جانب جلسات نقاش خاصة بالنساء حول تأثير الحرب على حياتهن، وهو ما جعل المكتبة مساحة للتعلم والحوار وليس مكاناً للقراءة فقط، إنه للأمل أيضاً وطرح الأسئلة المهمة الأسئلة التي عمقتها الحرب أكثر.
تخصص مكتبة اليرموك الثقافية قسماً كاملاً للأطفال، يوفر كتباً قصصية ومستلزمات للرسم والتلوين، وتنظم من خلاله جلسات قراءة دورية واستضافة لتلاميذ المدارس.
وتقول تلميذات في المرحلتين الثانية والثالثة الابتدائية تحدثن لـ(عاين) إن المكتبة تتيح لهن استعارة الكتب للقراءة في المنزل، إلى جانب ممارسة الرسم والكتابة داخل المكتبة، وهو ما عزز حب القراءة لديهن، خاصة بعد إعادة افتتاح المكتبة عقب توقفها خلال فترة الحرب.
الحب والسلام
تقول إحدى العضوات الدائمات بالمكتبة، وهي خريجة كلية الآداب قسم التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية، إنها “تحب القراءة وتجد نفسها بين الكتب داخل مكتبة اليرموك الثقافية”.
وأوضحت لـ(عاين) أنها تقرأ الكتب الدينية والفكرية إلى جانب الروايات، مشيرة إلى أن المكتبة أهدتها رواية «الحب والسلام». وذكرت أن وجودها في المكتبة يمنحها شعوراً بالانتماء والراحة، لأنها تحب القراءة وتعتبر الكتب جزءاً من حياتها اليومية.
وفي متابعة لحديثها، قالت: “إنها تحب الروايات، وذكرت أنها قرأت رواية «كاجومي» وناقشتها مع مجموعة من شباب اليرموك داخل المكتبة.
وأوضحت أن القراءة في مكتبة اليرموك كانت تسليتهم الوحيدة أثناء فترة الحرب، ووصفت التجربة بأنها كانت جميلة.
وقالت: “إن شباب المنطقة وفروا كتباً جيدة ومتنوعة داخل المكتبة، ودعت الشابات والشباب إلى القدوم للمكتبة للقراءة وتلقي المعرفة، حتى ولو لمدة عشر دقائق في اليوم. وأوضحت أن المكتبة وفرت كتبا يمكن أن يجد فيها الجميع الراحة والدعم النفسي”.

كنزٌ للمنزل
تقول بلقيس الضوء، وهي تلميذة تدرس بمدرسة التيسير، إنها “تحب مكتبة اليرموك وتأتي إليها من أجل التعلم”.
وفي متابعة لحديثها لـ(عاين)، أوضحت بلقيس، وهي تلميذة بالصف الثالث الابتدائي، أن المكتبة توفر لهم كتباً قصصية للأطفال، وتتيح لهم الكتابة والرسم والتلوين. وقالت إنها تحب الوقت الذي تخصصه للمكتبة مع رفاقها من التلاميذ والتلميذات.
“كما أن إن مكتبة اليرموك توفر لها كتباً يمكنها حملها إلى المنزل وقراءتها. وأوضحت أنها تقرأ وترسم وتلون داخل المكتبة، مؤكدة أنها تحب القراءة وتحب المكتبة”، تقول التلميذة كفاح آدم، وهي بالصف الثاني الابتدائي.
أما عواطف عثمان، وهي من مؤسسي مكتبة اليرموك الثقافية، فتقول إن “المكتبة مكتبة عامة تقع في منطقة جنوب الحزام”. وأوضحت لـ(عاين) أن فكرة تأسيس المكتبة بدأت من ثلاثة أصدقاء، وكان حلمهم وجود مكتبة عامة في المنطقة، تهتم بالتعليم ورفع الوعي، وقضايا المرأة، والتأهيل النفسي.
مكان آمن للنساء والفتيات
وتابعت: “أن الفكرة لم تكن إنشاء مكتبة توضع فيها الكتب على الأرفف فقط، وإنما خلق مكان آمن للنساء والفتيات للتعلم والاعتماد على أنفسهن، والعثور على ذواتهن داخل هذا الفضاء”.
وأوضحت أن المكتبة تأسست في العام 2018، بعد أن قرر الأصدقاء الثلاثة تحويل الفكرة إلى واقع ملموس، وكانت أول خطوة الحصول على تصديق الموقع الحالي ليكون مكتبة في منطقة اليرموك.
وقالت إن المكتبة بدأت أنشطتها في بداية العام 2019، وتحولت إلى مكان للتعلم والوعي ومساحات آمنة للنساء، ومكان للأطفال للعب والرسم. وأضافت أن الفكرة انطلقت منها أربع مكتبات أخرى في مناطق الشاحنات وسوبا ومكتبة مايو للطفل ومكتبة الشهيد عاصم.
“وبحلول العام 2020 توسعت مكتبة اليرموك الثقافية، وأصبحت قادرة على دعم التعليم بصورة أوسع، والمساهمة في إعادة الطلاب المتوقفين عن الدراسة، إلى جانب دعم طلاب الجامعات السودانية” تقول عواطف.
من جهتها تشير إسراء عبد الله محمد، وهي عضو بمكتبة اليرموك الثقافية وخريجة ترجمة لغة إنجليزية، إن من ضمن أنشطة المكتبة تنظيم أنشطة توعوية إلى جانب فعاليات لمناقشة قضايا متنوعة.
دورات أكاديمية
وفي متابعة لحديثها، أوضحت إسراء عبد الله لـ(عاين)، أن المكتبة تنظم دورات تدريبية في الحاسوب الآلي ودورات لتعلم اللغة الإنجليزية، ونفذت عدداً كبيراً من الأنشطة منذ افتتاحها، واستضافت كتابًا ومفكرين وشعراء، إضافة إلى عدد كبير من محبي القراءة والاطلاع.
وقالت إن المكتبة نجحت في احتواء عدد كبير من الأشخاص، ونظمت ورش عمل عن قضايا السلام، وقدمت إسناداً أكاديمياً للطلاب، ودعماً لطلاب الشهادة السودانية، إلى جانب إتاحة فرص تعليم للأشخاص الذين لم يواصلوا تعليمهم.
وأوضحت أن المكتبة نظمت ورشاً لتمكين المرأة، وورشاً للتأهيل وتمكين الشباب في المنطقة.
كما أن المكتبة استضافت مؤخراً عدداً من النساء لمناقشة قضايا تخص النساء خلال الحرب الدائرة بين الجيش والدعم السريع، وتأثير الحرب على النساء.
وأوضحت أن مكتبة اليرموك الثقافية لم تكن مكتبة فقط، بل كانت بمثابة بيت كبير، وأسهمت في غرس روح الوعي وسط الشباب من مختلف الأعمار، عبر المنتديات الثقافية وورش العمل والدورات التعليمية في الحاسوب واللغات.

مفروش: تبادل الكتب
وقالت إن المكتبة تنظم مشروع «مفروش» لتبادل الكتب بشكل أسبوعي، يقوم على مبدأ «عندك خت ما عندك شيل»، بهدف نشر المعرفة بين الشابات والشباب والأطفال.
وأوضحت أن المكتبة نفذت مبادرة لغرس الروح الوطنية في المدارس بمنطقة جنوب الحزام، بهدف تعزيز قيم الانتماء لدى طلاب المدارس.
وقالت إن المكتبة شاركت في اليوم العالمي للكتاب، وشاركت أيضًا في مهرجان جنوب الخرطوم بالتنسيق مع مجموعة الأرض، بمشاركة عدد من الفنانين.
وأوضحت أن المنتديات وورش العمل التي ناقشت قضايا السلام والهوية والمعرفة كان لها أثر واضح على شباب المنطقة.
ووأوضحت إن المكتبة أنشأت قسماً خاصاً بالأطفال، يؤمن بحقهم في التعلم والقراءة، ويحتوي على كتب ومستلزمات، وتنظم من خلاله جلسات قراءة دورية للأطفال، بما في ذلك الأطفال غير الملتحقين بالدراسة.
من جهتها فإن ريهام آدم، وهي معلمة متعاونة بمدرسة اليرموك الابتدائية والمتوسطة بنين وعضو بمكتبة اليرموك الثقافية، إن أنشطة المكتبة أثرت إيجاباً على الجميع.
وأوضحت في مقابلة مع «عاين» أن هذا الأثر انتقل إلى الطلاب داخل الفصول الدراسية، حيث أصبحوا يحبون القراءة والمكتبات، وتعلموا قيم التعايش السلمي وقبول الآخر، مؤكدة أن التعليم مهم للجميع.
مع استمرار الحرب ووويلاتها، فتحت مكتبة اليرموك الثقافية حقلاً ثقافياً واسعًا، صنعه شابات وشباب يحلمون بالوطن. في قلب الخراب والفقد والأسى، تصبح القراءة فعل مقاومة، والنقاش عمل حياة. جهد يومي هادئ لكنه عميق، يستحق الدعم، ويستحق التقدير.





























