كُتاب ومثقفون في حرب السودان..”بصيرة” متجاوزة أم تعميق للأزمة؟

عاين- 21 يناير 2025

أثرت الحرب السودانية الدائرة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام على كافة أطياف المجتمع، ولم يسلم من تأثيرها المجالان الثقافي والفكري، وذلك في ظل تفشٍ حاد لخطاب الكراهية، ما يفتح باب التساؤل حول دور المثقف وموقعه، وما المنتظر منه في ظل واقع مختل ومتشابك؟.

هل يتحول الكتاب والمفكرون – بإرادتهم ودونها – إلى وسائل دعائية تتنافس عليها أطراف النزاع في حرب أخرى على أطراف الحرب الكبرى، أم أن المثقف هو ذلك الشخص ذو البصيرة المتجاوزة، من يتجاوز كل محاولة لجره إلى براثن السلطة أو تحيزات الحرب، العنيد في موقفه والمنحاز أبدا إلى خيارات “شعبه” في السلام والنماء والتعايش الآمن.. من هو المثقف؟

“للحرب وسائلها الأخرى غير العسكرية في خطابها التحشيدي الإعلامي، بانحياز بعض الكتاب في دائرة الإعلام إلى دعم استمرار الحرب على فداحة نتائجها الإنسانية، الأمر الذي يدعو لإعادة التساؤل حول البعد الإنساني وحدود المسؤولية المفترضة من الكاتب تجاه ما يجري في وطنه”. يقول الناقد والمترجم ناصر السيد النور  لـ(عاين). ويضيف السيد:”من المفهوم أن ينضم أفراد ينطلقون من منصات إعلامية تؤيد طرفها الذي يمثلها على أسس من التحيزات الأيديولوجية أو الرسمية، ولكن أن ينجر (الكُاتب) إلى تأييد الحرب بسبب تداعياتها، ويصطف وراء دعاوى عنصرية وجهوية، فذلك يضعه موضع التساؤل المريب، ويهدر القيمة الجوهرية لمهمة الكاتب وضميره”.

الحرب الأخيرة، بقدر ما أبرزت بشاعتها، فإن موقف بعض الكتاب في حالة من غيبوبة العقل إلى ترسيخ السياسات الفاعلة في خطاب الحرب بالعقل الجمعي

 المترجم والناقد، ناصر السيد

ويفسر المترجم والناقد ناصر السيد العلاقة المتلبسة بين السلطة والمثقف بأن وتيرتها المشدودة في هذه الحرب أعطتها أبعادًا لم تكن معهودة، ويضيف: “رأينا كيف أن مثقفين وأكاديميين دفعت بهم التحيزات المناطقية إلى الوقوف في صف الداعين إلى استمرار الحرب، فشكل ذلك تبريرًا تنظيريًا للسلطة القائمة، ودفاعًا عن سياساتها في الحرب مما زاد حدة الانقسام بين مكونات الشعب السوداني”.

السيد يتابع: “بدلًا من لعب الدور المفترض -للكاتب أو المثقف- في الوعي القومي،ـ بما يعني إذابة الفوارق التي عادة تؤدي إذا وظفت سياسًا إلى تعميق الأزمة التي تتأسس على استغلال الخطاب الشعبوي”.

الحرب الأخيرة، بقدر ما أبرزت بشاعتها، فإن موقف بعض الكتاب في حالة من غيبوبة العقل إلى ترسيخ السياسات الفاعلة في خطاب الحرب في العقل الجمعي؛ وفقاً لناصر السيد الذي يرى أيضًا أن “في المقابل صدرت الكثير من الأعمال الإبداعية تصور سردية الحرب أنجزها روائيون وكتاب قصة قصيرة، حاولت أن تشرِّح المأساة في بعدها الإنساني الأعمق بعيدًا عن ديماغوجية الخطاب السياسي وذيولها الإعلامية الداعمة لاستمرار المأساة”.

أكثر من 50 عملًا سرديًا جديدًا كتب ما بعد اندلاع حرب 15 أبريل، وجميعها تدور حول التأثير المجتمعي لهذه الحرب

دراسة

في دراسة حديثة صدرت عن مركز سلاميديا 2025 بعنوان “السرد كفعل اجتماعي في الحرب السودانية 2023″، ثمة إشارة إلى رصد أكثر من 50 عملًا سرديًا جديدًا كتب ما بعد اندلاع حرب 15 أبريل، وجميعها تدور حول التأثير المجتمعي لهذه الحرب.

وطرحت هذه الدراسة التي اعدها الكاتب الروائي، منصور الصويم، عدد من الأسئلة المتعالقة والشائكة بشأن المتوقع من إنتاج الروائي والقاص، وما يمثلانه رؤية مجتمعية وثقافية متقدمة افتراضًا تنحو إلى السلم المجتمعي، كما أجرت الدراسة تحليلاً لعدد من النماذج السردية، والمواقف اللافتة لبعض الكتاب (السراد) من حيث الميل إلى طرف من أطراف الحرب، وتبني موقفه، وبالتالي الإسهام بشكل مباشر في حالة التشظي والانقسام التي يعاني منها الواقع السوداني. فهل الكاتب أو المثقف كائن معزول عما يدور حوله، أم أنه مطالب حقًا بموقف “المثقف المناهض للسلطة” كما عرفه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، أو كما أشار إليه المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي بدعوته إلى “المثقف النوعي”؟

صوت ثقافي

الكاتبة والناشطة الثقافية، إشراقة مصطفى تقول في إفادة لـ(عاين): إن “الحروب مجرد اشتباك بالسلاح، بل هي أيضًا معارك على الوعي واللغة والمعنى. وفي هذا الميدان لا يقف الصحفيون وحدهم في الواجهة، بل يتقدّم الكُتّاب بكل أطيافهم: روائيون، شعراء، كتّاب قصة، ومثقفون، بوصفهم صنّاع المخيال الجمعي وحُرّاس السرديات الكبرى التي تفسّر للناس ما يحدث ولماذا يحدث؟ ومن هنا تصبح الكتابة فعلًا أخلاقيًا بقدر ما هي فعل جمالي”.

وترى مصطفى، أنه ليس بالضرورة أن يكون الإعلام وكذلك الأدب صوتًا للسلام، ولم ينعكس ذلك في الحرب الأخيرة في السودان، وتضيف: “فبرنامج (ساحات الفداء) ما تزال آثاره مستمرة في هذه الحرب، فالتحريض والكراهية لم تهبطا من السماء. صحيفة الانتباهة أدت دورًا في التمييز العنصري، بلغة تحريضية تبث الكراهية بين بنات وأبناء الوطن الواحد”.

وفي الإجابة عن سؤال “هل أسهم بعض الكُتّاب/أت في تأجيج الكراهية؟”، تجيب إشراقة مصطفى بقولها: الإجابة الصادقة نعم، في بعض الحالات. وليس بالضرورة عبر دعوات مباشرة للعنف، بل عبر آليات لغوية وسردية أكثر تعقيدًا وخطورة.

بعض الكُتاب، بدافع الغضب أو الاصطفاف، استخدموا لغة انفعالية في المنصات الرقمية، تُقرأ لا بوصفها رأيًا شخصيًا فحسب، إنما بوصفها موقفًا أخلاقيًا صادرًا عن (صوت ثقافي)، مما يمنح الخطاب التحريضي شرعية رمزية مضاعفة

الكاتبة، إشراقة مصطفى

وتواصل بقولها: “من هذه الآليات تحويل الصراع السياسي والعسكري إلى صراع هويّات، حيث يُقدَّم (الآخر) بوصفه غريبًا عن الوطن أو أقل استحقاقًا للانتماء. وفي هذا السياق تُبنى نصوص تُشيطن جماعات كاملة، وتُختزل في صور نمطية: المعتدي الدائم، المتوحش، أو الدخيل”.

كما ترى إِشراقة مصطفى، أن بعض الكتاب، بدافع الغضب أو الاصطفاف، استخدموا لغة انفعالية في المنصات الرقمية، تُقرأ لا بوصفها رأيًا شخصيًا فحسب، إنما بوصفها موقفًا أخلاقيًا صادرًا عن (صوت ثقافي)، مما يمنح الخطاب التحريضي شرعية رمزية مضاعفة، وتشير إلى “وهنا تكمن خطورة الكلمة التي فقدت معنى انحيازها للإنسان الذي يحلم بالحياة الكريمة ولا كرامة من غير سلام ولا سلام من غير عدالة”.

وفي تعريفها لدور الأدب، تقول إنه “لا يرفع شعارات مباشرة، لكنه يصنع المعنى عبر الصورة والاستعارة وبناء الشخصيات عبر العوالم الموازية والمتخيلة. وترى أن الكتابة موقف أخلاقي، وهذا الموقف الأخلاقي لا يمكن التستر عليه بالتبرير أن السرد يتبنى على عوالم متخيّلة. وعن موقف الكاتب مما يجري، تقول: “الكاتبة/ الكاتب ليس مطالبًا بالحياد؛ لأن الحياد في حد ذاته موقف، ولا بالصمت، بل بنوع أعمق من المسؤولية، مسؤولية المعني والالتزام تجاه دور الأدب/ الإعلام والفنون بضروبها المختلفة”.

وفي رأي الكاتبة مصطفى أن دور الكلمة هو توثيق للألم والعذابات الناتجة عن الحرب كضرورة تاريخية، لكن تحويل الألم إلى وقود تعبوي هو مساهمة غير مباشرة في استمرار العنف. الفرق دقيق، لكنه حاسم في تأجيج الحرب. فعندما تصبح اللغة قاطعة، تخوينية، نهائية، تفقد وظيفتها الأدبية، وتتحول إلى أداة اصطفاف. مهمة الكاتبة/ الكاتب أن يعيد للغة قدرتها على الشك، وطرح الأسئلة لا تثبيت الأحكام”.

محاكمة المثقفين

تطرح مواقف كتاب وأدباء معروفين مثل النور حمد وعزت الماهري وعبدالعزيز بركة ساكن، ومحمد جلال هاشم، بمواقفهم المتباينة من طرفي الحرب، أسئلة عدة عن كيف نعرف الكاتب، ومن هو المثقف في ظل حرب طاحنة مثلما يدور في السودان، بيد أن الكاتب والإعلامي يوسف حمد، يحتج على ما وصفه بـ”محاكمة المثقفين” ويقول لـ(عاين): “ربما يرفع المراقب سقف التوقعات عاليًا إذا حاكم الكتاب في السودان على ضوء التعريف الذي ابتدعه إدوارد سعيد للمثقف، ففي الواقع فإن الممارسة الثقافية والتزامها أقل بكثير من إخضاعها لأي تعريف صارم”.

الحرب فاجأت الكتاب والمثقفين، وهذه المفاجأة عطلت ملكة التفكير الصعب وقادتهم إلى تبني الموقف السهل، وهو الموقف الذي يبرر مشروعية أحد الأطراف أكثر من نقده

الكاتب والإعلامي، يوسف حمد

ويدلل يوسف حمد على ذلك بقوله: “على سبيل المثال، فإن الحرب في السودان (15 أبريل وحتى الآن) كانت مفاجئة وغير متوقعة بالنسبة للمثقفين، من حيث تمددها وكذلك من حيث غموض خطابها؛ لذا كانت مربكة للكثيرين، مما اضطرهم إلى الاصطفاف حول بنى قديمة، وهي في أصلها بنى مناطقية وانحيازات أهلية، وأحيانًا طبقية وأيدولوجية”.

ويشرح أكثر: “هذه المفاجأة عطلت ملكة التفكير الصعب لدى الكتاب وقادتهم إلى تبني الموقف السهل، وهو الموقف الذي يبرر مشروعية أحد الأطراف أكثر من نقده”.

ويختم يوسف حمد بقوله: “أيضًا من مظاهر الارتباك في الفضاء الثقافي هو أن الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع كشفت قوة وسيادة نمط الاجتماع السناري (1504- 1821)، وبينت الانحيازات التاريخية التي خلفها هذا النمط من العلاقات التي بنيت خلال 3 قرون ونيف، وبالتالي ألمحت الحرب إلى أن مشروع التحديث الذي يخص الكتاب والمثقفين كان مجرد قشرة على السطح”.

ويبقى أخيرًا باب التساؤل مفتوحًا: هل يُحاكم المثقف بوصفه مطالبًا بأن يكون ضميرًا أخلاقيًا لمجتمعه، أم أن الحروب تُعيد تعريف المثقفين وأدوارهم في ظل الانقسامات التي تضرب مجتمعهم؟

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *