السعودية على الخط.. موانئ السودان في قلب معادلة إقليمية جديدة

عاين- 19 يناير 2026

مع انحسار حدة المعارك عن تخوم العاصمة السودانية ترغب الحكومة المرتبطة بالجيش في استعادة البنية التحتية المنهارة، إلا أن النقص المريع في الموارد المالية دفعها إلى الحديث علنًا عن عرض موانئ البلاد الواقعة في الشرق ضمن حلبة سباق استثماري بين قطر والسعودية، في محاولة حثيثة للخروج من  الأزمة.

في ظل مشهد اقتصادي وصف بـ”المعقد”، صرح وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، جبريل إبراهيم، بأن الحكومة تتطلع إلى جذب استثمارات في موانئ البحر الأحمر، وذلك خلال مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية منتصف يناير الجاري.

وأقر جبريل بصعوبة الوضع الاقتصادي، مشيرًا إلى تراجع حاد في إيرادات الذهب والنفط بسبب النزاع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع، وربما تدفع “أزمة الإيرادات” التي تدخل عامها الثالث بموازنة سرية أغلبها تتركز على الإنفاق الحربي الحكومة لوضع الموانئ ضمن اهتمامات الرياض والدوحة.

تحفظات محلية

إزاء عودة الاهتمام الحكومي بـ”صفقات الموانئ” يرى محمد أوشيك الناشط المدني في شرق السودان، أن موانئ الإقليم لن تكون “المائدة الاضطرارية” لقادة الجيش للصرف على المجهود الحربي، مؤكدًا وجود رفض شعبي لهذه الخطوات لا سيما وأن الشروط في الاستثمار يجب أن تكون لصالح الشعب السوداني.

ويشدد الناشط المدني محمد أوشيك في مقابلة مع (عاين) على أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لوقف الحرب والبدء في مرحلة التعافي الوطني عبر إطلاق عملية سياسية شاملة وتشكيل حكومة تعبر عن مصالح وحقوق جميع السودانيين، وحينها فقط يمكن “الحديث عن استثمارات الموانئ”.

وتابع أوشيك قائلًا: “لا يمكن الوثوق في النظام الحاكم الحالي، الذي يمثل تحالفًا بين مجموعات مسلحة والجيش السوداني وعناصر من النظام السابق. بناءً على ذلك، يجب عدم إبرام أي اتفاقيات تتعلق بمصير الموانئ البحرية على الساحل الشرقي في ظل هذا الوضع المتأزم”.

احتجاجات سابقة اغلق على اثرها الميناء

وكانت الحكومة المدعومة من الجيش السوداني قد ألغت العام الماضي مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الإمارات نهاية 2022 للاستحواذ على “ميناء أبو عمامة” على ساحل البحر الأحمر متهمةً أبوظبي بمساندة قوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، تقول المحللة الاقتصادية محاسن عثمان لـ(عاين): إن” الموانئ السودانية تظل محل اهتمام سعودي، ويسعى وزير المالية والتخطيط الاقتصادي – الحكومة المرتبطة بالجيش – جبريل إبراهيم لتغطية النفقات الحكومية وإنعاش الخدمات الأساسية في العاصمة عبر صفقات قد تكون مريبة في ظل عدم وجود مؤسسات شرعية في البلاد مثل حكومة مدينة ذات مصداقية أو برلمان يمثل غالبية السودانيين”.

تحديات التشغيل

وترى المحللة الاقتصادية محاسن عثمان، أن “هيئة الموانئ البحرية” تمتلك القدرة الفنية لتشغيل هذا المرفق الحيوي، شريطة حصولها على الدعم السياسي اللازم من الحكومة ووزارة النقل. ومع ذلك، تشير إلى أن الأنظمة السياسية الحاكمة على مر السنوات كانت تميل عادةً إلى استعجال “الصفقات الخارجية” لتوفير سيولة عاجلة لمواجهة الأزمات الداخلية، بدلًا من التركيز على إنعاش المؤسسات الاقتصادية الوطنية.

وتضيف بالقول: “لم يعرف السودان استثمارات ناجحة منذ سنوات طويلة؛ لأن الأمر مرتبط بالفساد وسوء الإدارة وأطماع الجيش لتولي السلطة بصورة مطلقة في هذا البلد بجانب عدم ولاية مؤسسات الدولة على المال العام”.

وشهد منتصف العام الماضي أزمة حادة بين هيئة الموانئ ووزارة المالية، تطورت إلى احتجاجات عمالية كما ألقت الأعطال التي تلاحق الجسور والرافعات بظلالها على نشاط الموانئ في بورتسودان. وفي مقابلة مع رئيس الوزراء، كامل إدريس، عقب تسلمه منصبه في مايو 2025، شدد مدير هيئة الموانئ على أن تداخل الصلاحيات والخلافات المؤسسية تؤثر سلبًا على كفاءة المرفق، مطالبًا بتدخل عاجل لضمان تشغيله “بكفاءة عالية”.

أرصفة مهملة

يعبر قادة الحراك النقابي شرق البلاد عن مخاوفهم جراء تكرار “نماذج فاشلة ” فيما يتعلق بطرح الموانئ الرئيسية أمام الاستثمارات الإقليمية مشيرين إلى أن الأمر لا يعدو كونه محاولة من الحكومة القائمة للبحث عن موارد مالية بسهولة، ويؤكد محمد حسين العضو السابق في التجمعات النقابية للموانئ، أن التوجه نحو القطاع الخاص السعودي أو القطري هو محاولة “للهروب من الأزمة المالية”.

ميناء ابو عمامة اراء حول مشروع الميناء - مواطني ولاية البحر الأحمر

وأوضح حسين في مقابلة مع (عاين) أن الموانئ الشمالية والجنوبية شهدت تدهورًا ملحوظًا، حيث تسعى وزارة المالية لجني الإيرادات بالعملة الصعبة دون استثمار دولار واحد في صيانة الرافعات أو تحسين بيئة العمل.

في المقابل، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي، أحمد بن عمر، أن تأهيل الموانئ عبر الاستثمار الأجنبي هو حق للحكومة لتوسيع شبكة الواردات، معتبرًا في مقابلة مع (عاين)، الموانئ “كرتًا استراتيجيًا” في صراع النفوذ بالبحر الأحمر. لكنه شدد على ضرورة إجازة هذه الصفقات عبر برلمان شرعي لتفادي أخطاء الماضي.

توازنات إقليمية

دخلت الموانئ السودانية ضمن “حلبة تنافس” إقليمية لم تعد مقتصرة على مجرد حركة ملاحة تجارية، بل تتعلق بخلق نفوذ إقليمي لحماية أمن المنطقة، وتقف على رأس هذه المجموعة المملكة العربية السعودية مؤخرًا، وفي هذا الصدد يرجح بدري مختار الباحث في قضايا الموانئ السودانية شرق البلاد، أن تميل “الخرطوم” نحو الصفقة السعودية؛ نظرًا لحرص الرياض على تأمين أمن البحر الأحمر والربط مع موانئ جدة. وأشار مختار في مقابلة مع (عاين)، إلى أن العرض القطري ليس جديدًا، إذ بدأ منذ عام 2017 لإنشاء أكبر ميناء للحاويات، لكنه تعثر بسبب الاضطرابات السياسية في عهد نظام الرئيس المعزول عمر البشير.

أما “الاتفاق المبدئي” مع الإمارات، فقد أُغلق رسميًا، فبعد وعود بضخ 6 مليارات دولار لإنشاء ميناء “أبو عمامة” في 2022 على الساحل السوداني شرق البلاد أعلن جبريل إبراهيم إلغاء الاتفاق في 2025 بسبب اتهام أبوظبي بمساندة قوات الدعم السريع، وباتت الخيارات محصورة بين السعودية وقطر.

ميزانية الحرب

تثير الأرقام المالية مخاوف الخبراء حيث يكشف المحلل الاقتصادي محمد إبراهيم أن الحكومة وضعت تقديرات تصل إلى 2.5 مليار دولار للإنفاق العسكري خلال عام 2026، بينما لا تتجاوز عائدات الذهب الرسمية في المتوسط 800 مليون دولار.

ضمن هذا السياق يضيف الباحث في قطاع الموانئ بدري مختار في مقابلة مع (عاين)، أن وزارة المالية خصصت 40% من موازنة 2026 لـ “المجهود الحربي”، بزيادة 6% عن العام السابق، مما ينذر بمزيد من الأزمات المعيشية بالتالي ستلجأ إلى عرض المرافق الاقتصادية الكبرى أمام من يصفهم بـ”المستثمرين الإقليميين” لا سيما مع تزايد تأثيرهم في الحكومة المدعومة من الجيش خلال الحرب.

عمال في ميناء بورتسودان شرقي البلاد

واستدرك مختار: “حدث هذا السيناريو في مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي السودان الجنرال عبد الفتاح البرهان يريد نقل هذه التجربة بدخول الاستثمارات الخليجية، لكن الفرق أن الوضع هنا غير مستقر أمني وسياسيًا”. ويتساءل بدري مختار عن الضمانات التي تكفل توظيف عوائد الموانئ – التي قد تصل الاستثمارات السعودية فيها إلى 8 مليارات دولار – في إعادة إعمار البنية التحتية المنهارة في الخرطوم، بدلًا من استهلاكها في آلة الحرب التي “تلتهم كل شيء”.

تحالفات إقليمية

ويرهن الباحث في الاقتصاد السياسي، أحمد بن عمر، نجاح دخول الاستثمارات إلى الموانئ السودانية بتهيئة البيئة الداخلية في شرق السودان، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي. ويعتقد بن عمر أن تشكيل “المجلس الأعلى بين السودان والمملكة العربية السعودية” في منتصف يناير الجاري، قد يمهد لتقارب اقتصادي واسع يلعب دورًا فعالًا في ملفات الاستثمار بين البلدين. مشيرًا إلى أنه إذا كانت أبوظبي قد تعهدت في عام 2022 بدفع 6 مليارات دولار للمشاريع المصاحبة لـ “ميناء أبوعمامة”، فإن السعودية قادرة على تقديم عرض يفوق ذلك بكثير.

كما يشير بن عمر إلى أن الموانئ السودانية تقع في قلب “الاهتمام السعودي”، خاصة في ظل التطورات الأخيرة في البحر الأحمر ونشوء تحالف إقليمي جديد يضم المملكة والسودان والصومال ومصر وإريتريا.

الموانئ ضمن أدوات الصراع

ترتبط “الصفقات المرتقبة” للموانئ السودانية بالتحولات الإقليمية التي أثرت في مسار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، لا سيما مع التقارب الملحوظ بين الرياض والحكومة التي يهيمن عليها الجيش.

ويختتم الخبير في الموانئ السودانية، بدري مختار، حديثه بالتأكيد على أن الموانئ السودانية لم تعد مجرد “مرافق اقتصادية”، بل باتت جزءاً رئيسيًا من “التطورات المرتبطة بالصراع والنفوذ على أمن البحر الأحمر”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *