كيف صعدت الطاقة الشمسية كبديل اقتصادي مُهم في السودان؟

عاين- 22 يناير 2026

مع التدهور الواسع في شبكة الكهرباء بالسودان عقب اندلاع الحرب، تحوّلت أزمة الطاقة، إلى معضلة اقتصادية تمسّ الإنتاج، المياه، والزراعة، وسبل العيش اليومية. وفي خضم هذا الفراغ، صعدت الطاقة الشمسية من خيار ثانوي محدود الاستخدام إلى حل عملي تتكئ عليه العائلات، والقطاعات الزراعية والصناعية، والخدمية.

حالياً، لا يمكن قراءة المشهد الاقتصادي المحلي دون التوقف عند الدور المتنامي للطاقة الشمسية كبديل شبه دائم، لا سيما في المناطق التي خرجت فيها الكهرباء عن الخدمة كليًا .

يروي المزارع من ولاية نهر النيل بمحلية أبو حمد، عبد الرحمن، تجربته مع أزمة الطاقة بوصفها واحدة من أكثر التحديات التي هددت استمراره في الزراعة خلال السنوات الماضية. ويخبر (عاين): إنه كان يدخل كل موسم زراعي وهو مثقل بالقلق، إذ لم يكن يضمن أن يتمكن من إكماله حتى نهايته، في ظل اعتماد كامل على مولد يعمل بالجازولين لري خمسة فدادين.

ويوضح عبد الرحمن، أن الري كان يعني استهلاك جركانة جازولين يوميًا، بتكلفة تُدفع سلفًا قبل تحقيق أي عائد، في وقت أصبح فيه الوقود نادرًا، فضلًا عن الأعطال المتكررة للمولد. ويؤكد عبد الرحمن، أن المزارع، في جميع هذه السيناريوهات، هو الطرف الخاسر .

ومع اندلاع الحرب، تفاقمت الأزمة أكثر، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الجازولين وندرته، إلى جانب شبه الانعدام التام للكهرباء، ما دفعه – بحسب قوله – إلى البحث عن أي بديل يضمن له الاستمرار. ويشير إلى أن خيار الطاقة الشمسية لم يكن ترفًا، بل حلًا اضطراريًا، إذ اضطر إلى بيع جزء من محصوله والاستدانة من أجل تركيب منظومة شمسية صغيرة لتشغيل مضخة المياه .

وبحسب عبد الرحمن، تتكوّن المنظومة من ثمانية ألواح شمسية من نوع  جِنكو مع محول ثنائي الخط، لتشغيل موتور مياه بقدرة ثلاثة أحصنة، وبلغت تكلفتها نحو ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف جنيه سوداني شاملة التركيب. ويذكر أن النظام واجه في بدايته مشكلات تشغيل، حيث كان يعمل ثم يتوقف، قبل أن يتبيّن أن الخلل في البرمجة، لا في الألواح، وبعد ضبطها عمل بكفاءة واستقرار .

أثر التحول إلى الطاقة الشمسية انعكس مباشرة على الإنتاج، وانتظام الري مكّنني، خلال موسم واحد، من توسيع المساحة المزروعة من خمسة إلى ثمانية فدادين

مزارع

ويؤكد عبد الرحمن، أن أثر التحول إلى الطاقة الشمسية انعكس مباشرة على الإنتاج، إذ أصبح الري منتظمًا وغير مرتبط بتوفر الوقود أو السوق أو تدخل الآخرين. ويقول إن انتظام الري مكّنه، خلال موسم واحد، من توسيع المساحة المزروعة من خمسة إلى ثمانية فدادين، وزراعة المحاصيل الصيفية لأول مرة دون انقطاع، كما يشير إلى أن التكاليف التشغيلية انخفضت بشكل كبير، بعد أن تلاشى عبء الوقود، واقتصرت الصيانة على حدود ضيقة، ما جعله يشعر – على حد تعبيره – بأن الحسابات أصبحت أخيرًا في صالحه. ويرى عبد الرحمن أن الطاقة الشمسية لم تكن مجرد تحسين في ظروف العمل، بل كانت عامل بقاء حاسم، مؤكدًا أنه لو واصل الاعتماد على المولد لاضطر إلى التوقف عن الزراعة .

ويلفت إلى أن تجربته أصبحت موضع اهتمام جيرانه من المزارعين، الذين يزورونه لمعاينة النظام ويسألونه عن جدواه. ويقول إنه يجيبهم بوضوح: التكلفة الأولية مرتفعة، لكنها على المدى البعيد أقل الخسائر الممكنة في بلد تفتقر فيه الضمانات، مضيفًا أن الشمس – بخلاف كل شيء آخر – لا يستطيع أحد أن يمنعها عنهم.

تحديات الطاقة في المناطق خارج الشبكة

تصف نمارق الجاك، من مدينة أبو كرشولا بولاية جنوب كردفان، واقع الطاقة في مدينتها بوصفه أزمة قديمة متجددة، مؤكدة في حديثها لـ(عاين) أن أبو كرشولا لم تعرف الكهرباء العامة يومًا، وأن البدائل المتاحة ظلت محدودة، وتعكس تفاوتًا حادًا في قدرة السكان على التكيّف مع هذا الواقع.

وتوضح نمارق أن المدينة، التي يقدّر عدد سكانها بنحو 30 ألف نسمة، كانت تعتمد في السابق على مولد مركزي ضخم يعمل بالجازولين، وكان يغطي المدينة بأكملها. وتشير إلى أن السكان كانوا يدفعون ما يقارب 60 ألف جنيه كل شهرين قبل اندلاع الحرب، إلا أن شح الوقود أدى إلى توقف المولد بالكامل، وتحول موقعه إلى مكان مهجور عند مدخل المدينة، فيما استُغل مكتب الكهرباء لاحقًا من قِبل إدارة المحلية.

وبحسب نمارق، فإن غياب الوقود يعني بالضرورة غياب الضوء، إذ تغرق المدينة في ظلام كامل كلما انقطع الجازولين، ما اضطر بعض الأسر إلى العودة لاستخدام وسائل الإضاءة التقليدية. وتقول إن الاعتماد الحالي على الطاقة الشمسية يتم بقدر الاستطاعة، حيث تمتلك بعض الأسر منظومات بسيطة، بينما لا تملك أسر أخرى أي بديل على الإطلاق   .

وتشرح نمارق أن البطاريات المستخدمة في هذه المنظومات نوعان: جافة وسائلة، موضحة أن البطاريات الجافة تدوم لفترات أطول، في حين تتطلب السائلة صيانة مستمرة، وقد تفقد قدرتها على الشحن إذا جفّت. ووفقًا لها، تعمل البطارية الواحدة في المتوسط نحو أربع ساعات يوميًا، وتُستخدم غالبًا لتشغيل التلفزيون وشحن الهواتف، بينما تتمكن بعض الأسر، في حال توفر بطاريات بسعات أكبر، من تشغيل الثلاجات لفترات محدودة .

الطاقة الشمسية حل لمن يملك القدرة على الدفع فقط؛ هي لا تعالج مشكلة المدينة كلها، بل تكشف الفجوة بين من يعيشون في الضوء ومن بقوا في الظلام

مواطنة من أبو كرشولا

غير أن هذا الخيار – كما تؤكد – لا يزال بعيد المنال بالنسبة لغالبية السكان، إذ يتراوح سعر اللوح الشمسي الواحد مع ملحقاته بين 500 و600 ألف جنيه، وهو مبلغ تصفه بالكبير جدًا في ظل غياب الرواتب واعتماد السكان على أعمال هامشية لتأمين معيشتهم .

وترى نمارق أن المشكلة تتجاوز مجرد انعدام الكهرباء، لتطال البنية الاجتماعية نفسها، نتيجة الفروقات التي أفرزها الاعتماد على الحلول الفردية. وتقول إن هذه الفروقات قد تبدو طبيعية في ظاهرها، لكنها تصبح مزعجة عندما تكون صارخة، حيث ينعم بعض السكان بالضوء فيما يعيش آخرون في الظلام .

وتلفت كذلك إلى الأثر التعليمي والاجتماعي لانقطاع الكهرباء، خاصة على الطلاب والطالبات، إذ ترتبط المذاكرة بالإضاءة، ويتفاقم هذا التحدي خلال فصل الخريف. كما تشير إلى أن المطالبات بإعادة الكهرباء ليست جديدة، فقد خرجت مواكب خلال حراك ديسمبر تطالب بعودتها، غير أن تلك المطالب لم تلقَ استجابة حقيقية، ولا توجد حتى اليوم أي مبادرة مطروحة لمعالجة الأزمة .

وتختم نمارق حديثها بالتأكيد على أن الطاقة الشمسية، رغم أهميتها، لا تمثل حلًا عادلًا للمدينة ككل، بل تظل خيارًا متاحًا فقط لمن يستطيع تحمّل تكلفتها.

المبادرات المجتمعية والحلول الجزئية

 

عندما أدركنا أن الكهرباء لن تعود قريبًا وأن الوقود أصبح عبئًا لا يُحتمل، لم يكن أمامنا سوى التفكير في حل جذري يضمن استمرار توفير المياه للسكان، فكانت فكرة الطاقة الشمسية

متطوع

يستعيد رئيس لجنة الخدمات والتغيير السابق بمنطقة الوادي الأخضر  شرقي الخرطوم عباس محجوب، ، لحظة التحول في التفكير حول الطاقة بوصفها استجابة اضطرارية لواقع فرضته الحرب. ويقول في مقابلة مع (عاين): ” كان واضحًا أن عودة الكهرباء لن تكون قريبة، ما دفع المجتمع المحلي إلى البحث عن بدائل واقعية”. ويوضح عباس، أن المعادلة في ذلك الوقت كانت قاسية، إذ أصبح الوقود مرتفع التكلفة ونادرًا، لدرجة أن تشغيل بئر مياه واحدة بطاقة 100 حصان كان يتطلب برميلين من الجازولين يوميًا، وهو عبء يفوق قدرة المنطقة على الاحتمال. أمام هذا الواقع، بدأت تتبلور فكرة الاعتماد على الطاقة الشمسية بوصفها حلا جذريا، فطُرحت المبادرة على المحلية، وفُتح باب التبرعات بين السكان، بالتوازي مع التواصل مع شركة صينية لتصميم منظومة شمسية قادرة على تشغيل آبار المياه .

ويشير عباس، إلى أن الشركة قدمت تصورين تقنيين، أحدهما بقدرة 132 حصانًا والآخر بقدرة 50 حصانًا، لافتًا إلى أن أهمية هذه التصورات لم تكن في إمكانية التنفيذ الفوري بقدر ما كانت في تغيير قناعة المجتمع المحلي، وإثبات أن الفكرة ممكنة وقابلة للتطبيق بعد أن كانت تُعد في نظر كثيرين ضربًا من المستحيل .

وبحسب عباس، نجحت حملة التبرعات في جمع نحو 2,310,000 جنيه سوداني، وهو مبلغ وصفه بـ”القطرة في بحر”، مقارنة بتكلفة العرض الكلية التي بلغت 114 مليون جنيه. غير أن مسار المبادرة شهد تحولًا مهمًا في أبريل 2025، حين زارت المنطقة مفوضية العمل الطوعي الإنساني وعدد من المنظمات، من بينها سودان زيرو ويست واليونيسف، إلى جانب منظمات أخرى، وعُقد اجتماع موسع مع سكان المنطقة، تصدرت خلاله مطالب توفير مياه شرب نظيفة .

ويؤكد عباس، أنه بجهد مشترك بين المنظمات وإدارة مياه محلية شرق النيل، جرى تركيب منظومتين للطاقة الشمسية بقدرتي 100 و50 حصانًا لتشغيل بئرين يخدمان أكثر من 50 ألف نسمة، مشيرًا إلى أن هاتين المنظومتين تُعدان من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في عموم شرق النيل .

ويضيف أن المبلغ الذي جُمع من التبرعات لم يذهب هدرًا، إذ وُجّه لاحقًا لشراء ألواح طاقة شمسية جرى توزيعها على مدرسة الوادي الأخضر الأساسية بنين، ومركز صحي الصحفيين، وأربعة مساجد. ورغم هذه النجاحات، يؤكد عباس أن الاعتماد المنزلي على الطاقة الشمسية لا يزال محدودًا، بسبب ضعف الدخول وارتفاع تكلفة المنظومات، محذرًا في الوقت نفسه من تدفق منتجات رديئة إلى السوق، قد تتحول مستقبلًا إلى عبء بيئي واقتصادي دون أن تقدم حلًا مستدامًا للمشكلة .

يقول العامل في مجال الكهرباء منذ سنوات، محمد حسن أحمد الحامدابي، في حديثه لـ(عاين): إن اندلاع الحرب شكّل نقطة تحول حاسمة في مساره المهني، إذ اتجه بصورة أوسع إلى تركيب أنظمة الطاقة الشمسية مع تفاقم أزمة الكهرباء في البلاد. ويوضح في حديثه أن الطلب على هذه الأنظمة شهد ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالفترة السابقة، ولم يعد مقتصرًا على الاستخدام المنزلي، بل امتد ليشمل القطاعين الزراعي والصناعي .

وبحسب الحامدابي، يتركز الطلب حاليًا على المنظومات المتوسطة والكاملة، لا على الحلول البسيطة، خاصة في الزراعة، حيث أصبحت الطاقة الشمسية جزءًا أساسيًا من مدخلات الإنتاج، ولم تعد مجرد حل مؤقت لسد الفجوات. ويشير إلى أن الاستخدام الزراعي بات الأعلى، نظرًا لتوافق طبيعة العمل النهاري مع الاعتماد على الطاقة الشمسية .

من دون تنظيم فني وتجاري وضبط للجودة، ستتحول بعض هذه الأنظمة إلى خسارة للمواطن وعبء على البلد بدل أن تكون حلًا مستدامًا

عامل في مجال الكهرباء

ويحدد الحامدابي الحد الأدنى لنظام منزلي مستقر بمنظومة قدرة 2 كيلوواط، مزودة ببطاريتين سعة 200 أمبير وأربعة ألواح شمسية، معتبرًا أن ما دون ذلك لا يحقق استقرارًا حقيقيًا في ظل الظروف الحالية. كما يلفت إلى أن أسعار أنظمة الطاقة الشمسية شهدت انخفاضًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة، نتيجة وفرة الألواح الشمسية وأنظمة التخزين، لا سيما البطاريات .

ورغم ذلك، يحذر الحامدابي من مشكلتين أساسيتين تواجهان المستخدمين، تتمثل الأولى في تحميل المنظومات بأحمال تفوق قدرتها التصميمية، نتيجة إضافة أجهزة جديدة دون إعادة حساب الأحمال، بينما تتعلق الثانية بالتدخل اليدوي غير المدروس في تشغيل الأنظمة، وهو ما يؤدي إلى أعطال متكررة، خاصة في البيئات التي تضم أطفالًا أو كبار سن.

كما يشير إلى أن توسع الشراء عبر التسويق الرقمي والوسطاء أسهم في انتشار حالات الغش والاحتيال، داعيًا إلى ضرورة تنظيم القطاع بصورة جادة، فنيًا وتجاريًا، من خلال ضبط الجودة ومنع التهريب، وتعزيز دور الجهات الرقابية، وعلى رأسها الجمارك وهيئة المواصفات، لضمان استدامة هذا الخيار الحيوي .

تمويل مصرفي

يشرح الخبير المصرفي، صلاح عثمان في حديثه لـ(عاين) كيف أدى تضرر نحو 40% من شبكة الكهرباء في السودان إلى تحول الطاقة الشمسية من منتج تكميلي إلى محرك أساسي للاقتصاد الإنتاجي. ويشير إلى أن هذا التحول انعكس مباشرة على سياسات الائتمان المصرفي، حيث بدأت البنوك لا تقتصر على تمويل الأفراد فقط، بل توسعت لتشمل تمويل سلاسل القيمة الكاملة لضمان استمرارية الإنتاج وتقليل مخاطر التوقف.

بنك السودان المركزي رفع سقف التمويل الأصغر لأنظمة الطاقة الشمسية إلى 10 ملايين جنيه، في خطوة تهدف لتشجيع اقتناء منظومات عالية الجودة بدل الحلول الهشة

 خبير مصرفي

ويبرز عثمان أن منشورات بنك السودان المركزي لعام 2025، ولا سيما المنشور رقم (2/2025)، رفعت سقف التمويل الأصغر لأنظمة الطاقة الشمسية إلى 10 ملايين جنيه، مقارنة بسقوف أقل للقطاعات الحرفية والتجارية، في خطوة وصفها بالتمييز الإيجابي المقصود لتشجيع اقتناء منظومات عالية الجودة بدل الحلول الهشة .

ويستعرض عثمان، نماذج التمويل المتنوعة التي تقدمها البنوك، مثل بنك الخرطوم من خلال منتج “مقاولة” يصل سقفه إلى 10 ملايين جنيه للأفراد والشركات، وبنك أم درمان الوطني الذي يغطي القطاعات السكنية والزراعية والصناعية ومحطات المياه، مع صيغ مرابحة ومقاولة وشروط ضمان صارمة، وبنك البركة الذي يوفر مرونة في الدفعة المقدمة وفترات سداد تصل إلى عامين، وبنك فيصل الإسلامي الذي يدمج الطاقة الشمسية ضمن التمويل الصغير، مع التركيز على الولايات الآمنة .

ويشير عثمان، إلى أن الجدوى الاقتصادية للطاقة الشمسية واضحة، خاصة في الزراعة، إذ تساعد على تقليل استهلاك الوقود بشكل كبير، ما يسرّع فترة استرداد رأس المال. لكنه يحذر من المخاطر المرتبطة بالنزاع وتذبذب سعر الصرف الذي يرفع تكلفة الاستيراد.

ويختم عثمان بتوصية مزدوجة، موجهة للعملاء والمصارف على حد سواء: “أنصح العملاء بالتمويل الجماعي لرفع سقف التمويل والحصول على منظومات ري متكاملة، وفي المقابل، أدعو المصارف إلى تمديد فترات السداد بما يتناسب مع العمر الافتراضي للألواح الشمسية، الذي قد يصل إلى 20 عامًا “

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *