لماذا يهرب الشباب من مناطق الدعم السريع وكيف تواجههم سلطات الجيش؟
عاين- 11 فبراير 2026
لم يجد الشاب أحمد الفاتح خيارا غير خوض مغامرة واسعة المخاطر للهروب من إقليم كردفان إلى مناجم التعدين التقليدي عن الذهب في شمال السودان، في رحلة قاسية للبحث عن الأمن ومصدر للكسب المالي، وذلك بعدما تسببت الحرب في شلل كامل للحياة في منطقته، وفقدانه متجره الذي كان يعتمد عليه في معاشه، عدم استطاعته الذهاب إلى الزراعة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.
كان الفاتح يدير نشاطاً تجارياً في سوق النهود في ولاية غرب كردفان، يوفر من خلاله الاحتياجات المعيشية له ولأسرته تحت واقع مضطرب من حوله، لكن انتهى كل شيء بعد اجتياح قوات الدعم السريع، المدينة في مايو الماضي، ونهب مسلحون متجره ما اضطره للنزوح إلى إحدى القرى المجاورة، لكن المسلحين لاحقوه هناك، واستمروا في مضايقته والفارين من حوله، مما دفعه إلى الهروب إلى مناجم الذهب وفق ما يرويه لـ(عاين).
وعلى مدى الـ 7 أشهر الماضية، ومع توسع نطاق الحرب في إقليمي كردفان ودارفور، انخرط سكان هذه المناطق لا سيما الشباب في رحلات هروب شبه جماعي نحو مناجم التعدين التقليدي في شمال وشرق السودان، وأصبحت بعض القرى في كردفان خالية من الشباب تماماً، وفق شهادات جمعها مراسل (عاين).
وبحسب هذه الشهادات التي شملت فارين، فإن الهروب من إقليمي دارفور وكردفان، يعود إلى سببين أساسيين، هما التدهور الأمني المريع والمضايقات الأمنية التي تفرضها قوات الدعم السريع على المواطنين الذين لا يظهرون ولاءهم لها بشكل واضح، فهي لا تعترف بوجود شخص محايد، فإن لم يكن الشخص معها فهو جاسوس وعميل لصالح الجيش، بينما السبب الثاني هو الوضع الاقتصادي السيئ حيث تكاد تكون الحياة متوقفة تماماً مع انهيار الأسواق والمراكز التجارية، وصعوبة الزراعة والرعي نتيجة انتشار المسلحين وعصابات النهب.
مغامرة خطرة
ولهذه الأسباب مجتمعة، خاض أحمد الفاتح مغامرة الهروب من كردفان نحو شمال السودان الخاضع إلى سيطرة الجيش وهي مهمة ليست سهلة ومليئة بالمخاطر التي قد تكلف الحياة، لكنه كان محظوظاً، ووصل إلى منجم للتعدين الأهلي في منطقة أبو حمد بولاية نهر النيل، وبدأ مشوار كفاح جديد مع واقع أشد قسوة، لكنه خال من أصوات البنادق، -حسب تعبيره.
وبحسب الفاتح الذي تحدث مع (عاين) فإن المغامرة تبدأ بصعوبة الخروج من إقليم كردفان؛ حيث تمنع قوات الدعم السريع مغادرة الشباب من مناطق سيطرتها إلى الولايات الخاضعة إلى سيطرة الجيش؛ مما يتطلب سلك طرق بديلة أكثر وعورة لتجنب نقاط التفتيش؛ كما توجد صعوبة في دخول مناطق الجيش حيث يخضع القادمون من مناطق الدعم السريع إلى تحر شديد، وقد يُعتقل بعضهم، وهو ما شكل أبرز تحديات رحلته المليئة بالخوف.

يقول الفاتح: “من إحدى قرى شمال النهود، تسللنا على متن عربة إلى منطقة فوجا في أقصى الجزء الشمالي الغربي من ولاية غرب كردفان؛ ومنها توجهنا إلى منطقة المزروب في ولاية شمال كردفان، ومنها إلى الدبة في الولاية الشمالية، ومع ذلك فقد وقعنا في مصيدة نقطة تفتيش تابعة لقوات الدعم السريع، هناك اتهمونا بالسعي إلى الانضمام كمستنفرين للجيش، وحاولوا إعادتنا، لكن سمحوا لنا بالمغادرة بعد تفتيش وتحر ودفع مبالغ مالية”.
الوصول من النهود إلى الدبة في الولاية الشمالية استغرق مع أحمد الفاتح، والذين معه في هذه الرحلة، أسبوع كامل وهي مسافة كان يمكن قطعها في يوم واحد في الأوقات العادية؛ وذلك نتيجة سلكهم طرق بديلة ووعرة بغرض تجنب العصابات المسلحة ونقاط التفتيش التابعة لقوات الدعم السريع.
الموت عطشا
يكشف الفاتح “أعرف بعض الشباب تاهوا في الصحراء، وماتوا عطشا وجوعا أثناء محاولتهم الفرار من إقليم كردفان نحو الولاية الشمالية؛ بعدما سلكوا طرقاً وعرة في محاولة لتجنب ارتكازات قوات الدعم السريع؛ بينما وقع آخرون في أيدي عصابات الاتجار بالبشر فتم اختطافهم، قبل أن يطلق سراحهم لاحقاً بعد دفع فدية مالية؛ وهذه كلها مخاطر نجوت منها”.
ومع الواقع المعيشي المتدهور، والاضطراب الأمني؛ تتواصل رحلات الهروب من كردفان ودارفور نحو مناجم التعدين التقليدي في شمال وشرق السودان، رغم المخاطر التي تعتري طرق الوصول إلى هناك؛ بعدما بات الجميع يتشبث بالذهب كطوق نجاة. يقول عثمان عبد الله – اسم مستعار لمواطن من غرب كردفان إن اثنين من أبنائه غادروا إلى مناطق التعدين في شمال السودان مطلع شهر فبراير الجاري، وذلك بعدما تعرضوا إلى مضايقات شديدة من قبل مسلحي قوات الدعم السريع.
ويشير عثمان الذي تحدث مع (عاين) إلى أن أبناءه رفضوا منذ البداية الاستنفار والانخراط في القتال؛ لذلك على الدوام تلاحقهم قوات الدعم السريع، وتتهمهم بالعمالة للجيش؛ وبعد كل قصف جوي تتعرض له المنطقة يتم اتهامهم بأنهم قد أرسلوا إحداثيات إلى الجيش؛ رغم أنهم بريئون من هذه التهم؛ وهم يعيشون في حالهم؛ لكن لا أحد يريد أن يتركهم في حالهم، فاضطروا إلى المغادرة لمناطق الذهب.
ويقول عبدالله :”كان أولادي يشعرون بأنهم يشكلون عبئاً على الأسرة في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يساعدوها، فهم لا يعملون وليس هناك أي فرص للكسب المالي في المنطقة؛ حتى الزراعة لم نستطع الوصول إليها بسبب الوضع الأمني السيء؛ فقالا لي سنسافر إلى مناطق التعدين؛ لعلنا نستطيع مساعدتكم”.
خطة الهروب
من منطقة غبيش في ولاية غرب كردفان؛ روى 4 شباب أبناء عمومة، قصة هروبهم من المنطقة نحو مناجم التعدين التقليدي، فالأمر بالنسبة لهم كان يتطلب خطة متكاملة، وإلا ستفشل العملية، ويقعون في مصيدة قوات الدعم السريع وعصابات النهب والاتجار بالبشر المنتشرة في المنطقة، وهي رحلة لا يحمل صاحبها سوى الملابس التي يرتديها على جسده وورقة مكتوب فيها أرقام هواتف بعض الأصدقاء والمعارف، فلا يحمل حقيبة ولا موبايل ولا نقود، فجميع هذه المقتنيات تهدد الحياة، حسب وصفهم.
يقول الشباب الأربعة في مقابلة جماعية مع (عاين): بعد أن طلبوا حجب أسماهم بسبب خوفهم على أسرهم التي تعيش في كردفان، “في البداية حولنا مبالغنا المالية في حساب أحد معارفنا الذي يقيم في منطقة آمنة، وعندما نصل إلى أي نقطة نتواصل معه ليرسل لنا عبر التطبيق المصرفي ما يكفي لثمن تذكرة العربة إلى المحطة التالية وشراء قليل من الطعام، ومن بعد تحركنا إلى منطقة فوجا ومنها إلى المزروب، ومنها إلى الأبيض، كانت رحلة قاسية، لكن كُتب لنا الوصول في النهاية”.

عاش هؤلاء الشباب حسب روايتهم، نحو 5 أيام من الرعب قضوها في الطريق من المزروب إلى الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان بعدما سلكوا طرقاً وعرة وبعيدة في محاولة لتفادي الارتكازات ومناطق الاشتباكات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، كما أن الدخول إلى مناطق سيطرة الجيش تصاحبه إجراءات تحري وتفتيش دقيق، وقد تعرضوا للاعتقال لمدة يوم واحد، قبل أن يطلق سراحهم، ويسمح لهم بمواصلة رحلتهم حتى وصلوا إلى منجم الخناق للتعدين الأهلي في الولاية الشمالية، بشمال السودان.
وفي كردفان أغلقت كافة الأسواق والمراكز التجارية الكبرى، بسبب الصراع المسلح، وتقلصت مساحات الزراعة والرعي، جراء التدهور الأمني، حيث يعتمد السكان في تلك المناطق على الزراعة والرعي والتجارة في معاشهم. وتشير تقارير إلى تقلص المساحات المزروعة في غرب كردفان بنسبة 50 بالمئة الموسم الماضي، ومع ذلك فإن أسعار المحاصيل الزراعية كانت متدنية، في مقابل ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية، مما خلق وضع إنساني بالغ السوء.
مغامرات دارفور
ولم يختلف الوضع في إقليم دارفور كثيراً، حيث يعيش السكان هناك ظروف إنسانية مماثلة نتيجة توقف مصادر الكسب المالي وتوقف الحياة وسط ظروف مضطربة وبقاع تحكمها الفوضى؛ وهو ما دفع الشباب إلى الفرار نحو مناطق التعدين التقليدي في شمال السودان.
لكن مغامرات الخروج من إقليم دارفور بدت أكثر تعقيدا من الحال في كردفان، خاصة بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، مما تسبب في وقف الحركة عبر مسار الدبة في الولاية الشمالية، وهو الطريق الأقرب والأنسب لسكان دارفور للوصول إلى شمال وشرق السودان، فاضطر الشباب إلى سلك طرق بالغة الخطورة تؤدي إلى ولاية جنوب كردفان، ومنها إلى مناجم التعدين عن الذهب، وذلك بحسب ما كشفه محمدين حسن، وهو شاب وصل إلى منجم الخناق مؤخراً قادم من نيالا، خلال مقابلة مع (عاين).
ويقول محمدين “لقد ظللت طوال فترة الحرب في ولاية جنوب دارفور ومع مرور الوقت وجدت عدم وجود أي أمل في البقاء هناك، الحال كل يوم يزداد سوء، ولا توجد فرص عمل، فقررت المغادرة، وصلت إلى مدينة الضعين، ومنها إلى أبو جبيهة في ولاية جنوب كردفان، ومنها إلى ولاية النيل الأبيض عبر مسار تهريب خطر، لم نكن نتوقع الوصول، لكن العناية الإلهية رافقتني في هذه المغامرة. لقد أعيد الكثير من الشباب، وفشلوا في الخروج من دارفور”.
أرزاق معلقة على “أجنة وشاكوش“
ويلاحظ المعدن التقليدي أبو القاسم عبد الله زيادة كبيرة في عدد العاملين في منجم الخناق هذه الفترة مقارنة بالسنوات السابقة لاندلاع الحرب، فقد زاد العدد إلى الضعف حسب تقديره، فقد أصبح العاملون الآن نحو 5 آلاف معدن تقليدي، حولي 97 بالمئة منهم من إقليمي كردفان ودارفور في غرب السودان، وذلك وفق حديثه مع (عاين).

ولم يكن الواقع في مناطق التعدين التقليدي بالمغري ماليا ومعيشيا، لكنه على الأقل يوفر الأمن المفقود إلى آلاف الفارين من دارفور وكردفان، ويجعل يعيشون على أمل غدا أجمل وملئ بالأرزاق، وهو ما يعبر عنه الشباب أحمد الفاتح الذي هرب من النهود إلى أبو حمد.
وبالنسبة للفاتح ورفاقه، فإن مناجم التعدين رغم ما تشهد من مخاطر وعدم مضمونية الكسب المادي، إلا أنها تريح آذانهم من أصوات البنادق، فهناك لا صوت يعلو سوى الحجار بعدما يطرقها المنقبون بآلاتهم البداية بحثا عن الذهب، يقول الفاتح “لا توجد أي ملاحقات أمنية ولا مسلحين، إنها فياف منسية، يعيش فيها الناس رزق اليوم باليوم في سلام وطمأنينة، وأحلام معلقة على (أجنة وشاكوش) – أداتان مستخدمتان في تكسير حجار الذهب- لكسب المعاش والحصول على الرزق الوفير غدا”.






















