السودان: “موازنة طوارئ” تتحفظ على أرقام الإنفاق

عاين- 7 فبراير 2026

في 21 يناير 2026 صادق مجلسا السيادة والوزراء في الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش، على الموازنة الطارئة لهذا العام في أول اجتماع يُعقد في العاصمة السودانية الخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

ومنذ اندلاع الحرب منتصف أبريل 2023 امتنعت الحكومة على عدم إعلان تفاصيل الموازنة، حيث تذهب معظم الموارد لدعم العمليات العسكرية والرواتب مع صرف محدود على الخدمات.

وتقول مسؤولة في وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي لـ(عاين)، أن “الفلسفة العامة التي حكمت إعداد الموازنة الطارئة للعام 2026 جاءت في ظل استمرار الحرب وعودة الحكومة للعمل من الخرطوم، حيث تركز موازنة العام 2026م بشكل أساسي على حشد الموارد الذاتية وتوجيه الصرف نحو الأولويات”.

وتشير المسؤولة الحكومية التي فضلت حجب اسمها إلى أن الموازنة تلتزم بمقابلة الاحتياجات الأساسية للوزارات والوحدات الحكومية، بما يضمن تسيير دولاب العمل، والاستمرار في تهيئة بيئة العودة، وتأهيل مقار الوزارات والوحدات الاتحادية بالعاصمة القومية. كما تلتزم الموازنة بالتوسع في مظلة الضمان الاجتماعي، ومراجعة القوانين المنظمة للمعاشات وجهاز الاستثمار للضمان الاجتماعي، إلى جانب الالتزام بتحويل نصيب الولايات وفق قانون قسمة الموارد، وبحسب التحصيل الفعلي للإيرادات العامة.

تحسين أوضاع النازحين واللاجئين

وركزت الموازنة-بحسب المسؤولة بوزارة المالية-على تحسين أوضاع النازحين واللاجئين السودانيين بدول الجوار، ومقابلة تكاليف توفير المساعدات الإنسانية لهم، إلى جانب توجيه الإنفاق التنموي نحو القطاعات الحيوية، وتوفير التمويل اللازم لقطاع التعليم العام، والتعليم الفني والتقني على وجه الخصوص، والعمل على إعادة تأهيل وبناء القطاع الصناعي، مع التأكيد على إعادة توطين الصناعات بالولايات وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

 الموازنة الجديدة تستهدف تحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 9%

وفي ما يتعلق باستهداف خفض التضخم وتحقيق نمو اقتصادي، أفادت مصادر بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، أن الموازنة تعتمد على الموارد الذاتية، وتستهدف تحقيق استقرار اقتصادي نسبي، اعتمادًا على عدد من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي بدأ تطبيقها خلال العام 2025. وتهدف الموازنة الجديدة إلى تحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 9 في المئة، وانخفاض متوسط معدل التضخم خلال العام 2026م إلى 65 في المئة، مقارنة بمعدل 101.9 في المئة للعام 2025.

أولويات الصرف

وبشأن ترتيب أولويات الصرف، أفادت المصادر بأن أولويات الصرف في الموازنة الطارئة وُجهت بشكل أساسي لمتطلبات الحرب الدائرة في البلاد، وأولويات الإنفاق على توفير الخدمات الأساسية بالولايات المتأثرة بالحرب، من مياه وكهرباء وصحة وتعليم. وكمثال على ذلك، التزمت الوزارة بسداد قيمة توريد عدد أربعة آلاف محول كهربائي، تم استلام أربعمائة محول منها، على أن تصل بقية المحولات تباعًا، ويتم نقلها إلى ولاية الخرطوم في سياق التزام الوزارة بتهيئة بيئة العودة للولاية كأولوية.

باعة مياه شرب في مدينة بورتسودان

وبالرجوع إلى ضوابط إنفاذ موازنة العام الحالي، أوضحت المصادر بأن الضوابط شددت في جانب الإيرادات على الالتزام بتحصيل الرسوم المجازة فقط، وقصر التحصيل على الجهات المختصة قانونًا، ومنع تحصيل أي رسوم خارج القنوات الرسمية المعتمدة. كما أكدت الضوابط على أن يتم التحصيل باستخدام النظم الإلكترونية المعتمدة فقط، مع التوسع الإلزامي في وسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة من بنك السودان المركزي، والحزم في تطبيق القوانين واللوائح المالية والمحاسبية حال مخالفة ضوابط تحصيل أو توريد الإيرادات، مع الالتزام بالتنسيق بين الأجهزة الإيرادية لتفادي ازدواجية الرسوم.

تهدف الموازنة تحسين الأجور والمرتبات والمعاشات، وتوفير وظائف في مداخل الخدمة

وفي ما يتعلق بموعد انعكاس أثر الموازنة على حياة المواطنين، تفيد مصادر وزارة المالية بأن أبرز بشريات موازنة 2026 تتمثل في تحسين الأجور والمرتبات والمعاشات، وتوفير وظائف في مداخل الخدمة، وخلو الموازنة من أي أعباء ضريبية إضافية. كما تشمل توسيع قاعدة الإيرادات عبر التوسع الأفقي والتحصيل الإلكتروني، إلى جانب توسيع دائرة خدمات العلاج لاستيعاب مزيد من الأسر ضمن الحزمة الأساسية والإضافية عبر التأمين الصحي، وتوطين العلاج بالداخل، مع الاستمرار في سداد التزامات الحكومة تجاه التأمين الصحي والمعاشات.

لمحة عن الوضع المعيشي بالخرطوم

في العاصمة الخرطوم، تشهد السلع الاستهلاكية ارتفاعا ملحوظا وفقا ل “عثمان سر الختم”- اسم مستعار تحدث لـ(عاين) من الخرطوم. واضاف: ” هناك موجة غلاء خلال هذه الأيام وارتفعت أسعار السلع الأساسية بمعدلات تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف جنيه مقارنة بفترات سابقة”.

وأوضح الختم، أن الحصول على الخبز أصبح من أبرز التحديات اليومية، في ظل استمرار إغلاق المخابز حتى الآن. ويعزو ذلك إلى الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي منذ اندلاع الحرب، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكلفة الوقود اللازم لتشغيل المخابز، ما جعل استئناف العمل شبه مستحيل بالنسبة لأصحابها. ولا يقتصر الغلاء على الخبز، إذ شهدت أسعار الزيوت زيادات تراوحت بين ألفين وثلاثة آلاف جنيه، ما ضاعف من أعباء المعيشة على الأسر.

أما على صعيد الصحة، فيصف وضع الأدوية المنقذة للحياة بأنه بالغ السوء، حيث باتت أسعارها مرتفعة ولا تتوفر بسهولة في الصيدليات، في ظل غياب أي دعم حكومي للدواء. ويقول: إن “هذا الواقع يضع المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة، أمام خيارات قاسية”.

وفي ما يتعلق بالخدمات الأساسية، يشير إلى أن التيار الكهربائي منقطع في بعض المناطق منذ الأيام الأولى للحرب دون أي تحسن يُذكر، بينما شهدت مياه الشرب تحسنًا نسبيًا من حيث التوفر، لكنها – وفقًا لسر الختم تصل عكرة وغير نظيفة، ما يثير مخاوف صحية إضافية.

ويخلص سر الختم إلى أن التكيف مع الأوضاع الراهنة أصبح بالغ الصعوبة، في ظل النقص الحاد في الخدمات وارتفاع الأسعار، مقترنًا بانعدام مصادر الدخل وغياب فرص العمل.

وثيقة قابلة للتنفيذ

وفي إفادته حول موازنة السودان الطارئة للعام 2026، قال الخبير الاقتصادي محمد الناير إن الموازنة تُعد وثيقة اقتصادية وقانونية مكتملة الأركان وقابلة للتنفيذ، وليست مجرد أداة لإدارة الأزمة في ظل استمرار الحرب.

وأوضح في حديثه لـ(عاين)، أن الموازنة أُعدّت بواسطة جميع الأجهزة الرسمية في الدولة، بما في ذلك المؤسسات والهيئات على مستوى الحكومة المركزية والولايات، ثم أُجيزت عبر السلطة التشريعية المؤقتة المتمثلة في مجلسي الوزراء والسيادي، ما يعني – بحسب تعبيره – أنها استوفت كل المراحل والمتطلبات القانونية والتشريعية، بما في ذلك القوانين المصاحبة لها، وأصبحت موازنة مصدّقة وواجبة التطبيق.

موازنة مرنة

وأشار الناير، إلى أن توصيف الموازنة باعتبارها «موازنة طوارئ» لا يعني أنها موازنة لإدارة الأزمة فقط، بل إنها تتسم بالمرونة، بما يتيح لها التكيّف مع المتغيرات التي قد تطرأ أثناء العام المالي. وأضاف: أن “هذه السمة تعد من الخصائص الأساسية لأي موازنة عامة، حيث ينبغي أن تمتلك القدرة على الاستجابة للتطورات الاقتصادية والسياسية خلال فترة التنفيذ”. ولفت إلى أن ما تم الإعلان عنه حتى الآن يقتصر على مؤشرات اقتصادية عامة، دون نشر أرقام تفصيلية عن الحجم الكلي للموازنة.

تحقيق  مؤشرات  الموزانة خلال عام واحد يُعد أمراً بالغ الصعوبة في ظل الأوضاع الراهنة

 الخبير الاقتصادي، محمد الناير

وفي ما يتعلق بواقعية استهداف نمو اقتصادي بنسبة 9 في المئة وخفض معدل التضخم إلى 65 في المئة، رأى الناير أن تحقيق هذه المؤشرات خلال عام واحد يُعد أمراً بالغ الصعوبة في ظل الأوضاع الراهنة. وقال: “المرجّح هو تحقيق معدلات نمو أقل من المستهدف، مع بقاء التضخم عند مستويات أعلى من الرقم المعلن”. مشيراً إلى أن موازنة 2026، رغم كونها أفضل نسبياً من موازنات الأعوام 2023 و2024 و2025، التي مثّلت السنوات الأولى للحرب، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة.

وأوضح أن هذه التحديات تعود إلى تبني الموازنة مسارين متوازيين، يتمثل الأول في التوجّه نحو إعادة الإعمار في الولايات الآمنة، التي يبلغ عددها نحو 11 ولاية، بينما يتمثل المسار الثاني في توفير الإمكانات اللازمة للمجهود الحربي. وهو ما يفرض أعباءً كبيرة على الموارد العامة.

وأشار الناير إلى أن الاقتصاد السوداني شهد تراجعاً حاداً في الإيرادات خلال العام الأول للحرب، مع شبه توقف للنشاط الاقتصادي في الأشهر الأولى، قبل أن تبدأ الدولة في استعادة توازنها عقب انتقال الحكومة إلى العاصمة الإدارية المؤقتة في بورتسودان، وانتقال رئاسات البنوك والبنك المركزي، الأمر الذي أسهم – وفق تقديره – في استعادة قدر من الكفاءة في الأداء وتحسن الإيرادات تدريجياً خلال الأعوام اللاحقة.

وأكد الناير أن مقارنة الوضع الاقتصادي في عام 2026 بالفترة ما بين 2023 و2024 تُظهر تحسناً ملحوظاً، وهو تحسن يلمسه المواطنون من خلال مؤشرات الأداء العامة، رغم استمرار التحديات الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد.

تحفظ على الإنفاق

وفي تقييمه لغياب الشفافية في نشر تفاصيل الموازنة خلال سنوات الحرب، قال الناير إن من الطبيعي، في ظل ظروف النزاع، أن تتحفظ الدولة على نشر تفاصيل الإنفاق على الأمن والدفاع، لما قد يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية أو إيجابية على مجريات المعركة. وأضاف أن للدولة الحق في الاحتفاظ بهذه البيانات، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن ما يُرصد في الموازنة العامة لا يمثل كامل الموارد الموجهة للأمن والدفاع، إذ توجد مصادر أخرى، من بينها منظومة الصناعات الدفاعية، إضافة إلى دعم يأتي من خارج الموازنة.

جنود مسلحون يتبعون للجيش السوداني في الخرطوم

ومع ذلك، شدد الناير على أهمية الإفصاح عن الحجم الكلي للموازنة العامة، موضحاً أن الرأي العام لا يزال يجهل حتى الآن قيمة الموازنة الإجمالية، وما إذا كانت قد بلغت 20 أو 25 أو 30 تريليون جنيه. واعتبر أن إعلان ثلاثة أرقام أساسية، هي الحجم الكلي للموازنة، وحجم الإيرادات، وحجم العجز، يمكن أن يتم دون الدخول في تفاصيل حساسة، لما لذلك من أثر مباشر على تعزيز الثقة الاقتصادية والاستقرار المالي.

وأشار إلى أن المؤشرات المعلنة في الموازنة تحمل جوانب إيجابية، من بينها الحديث عن تعديل مرتبات العاملين في الدولة، وتوفير الخدمات الضرورية لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم وغيرها من المناطق الآمنة، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وهي التزامات – بحسب وصفه – تلقي بعبء كبير على الموازنة العامة، لكنها في الوقت ذاته تبعث برسائل طمأنة للمواطنين.

وفي هذا السياق، لفت الناير إلى وجود تناقضات بين ما يُعلن في الموازنة من عدم فرض ضرائب أو رسوم جديدة على المواطنين، وبين قرارات لاحقة تتعلق بتعديل التعرفة الجمركية أو زيادة بعض الضرائب والرسوم، مؤكداً ضرورة تحقيق اتساق كامل بين ما يُجاز في الموازنة العامة وما يصدر من قرارات تنفيذية.

وحول ما إذا كانت أولويات الصرف في الموازنة الطارئة تعكس احتياجات المجتمع الفعلية أم تكرّس نمطاً اقتصادياً موجهاً للأمن على حساب الخدمات والإنتاج، رأى الناير أن هناك توازناً كبيراً في بنية الموازنة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *