كيف تعثر مقترح توسيع حظر السلاح في السودان بمجلس الأمن؟
عاين- 14 أكتوبر 2026
شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي في نيويورك خلال شهر أكتوبر 2026 كواليس دبلوماسية مكثفة كشفت عن عمق الانقسامات الدولية حول كيفية التعامل مع الحرب السودانية؛ حيث اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 2830 كـ”تمديد تقني ثانٍ”، وهو مصطلح دبلوماسي يعني تمديد العمل بالقرارات السابقة لفترة وجيزة دون المساس بجوهرها أو تعديل بنودها لإعطاء الدول الأعضاء مهلة إضافية للتفاوض.
وبموجب هذا القرار الذي صدر في الثامن من أكتوبر قبل يوم واحد فقط من انتهاء التمديد التقني الأول، مُدّدت فترة حظر الأسلحة والعقوبات المستهدفة حتى 11 ديسمبر 2026، في حين مُدّدت ولاية فريق الخبراء المعني بمراقبة العقوبات حتى 11 يناير 2027.
تعثر التوافق
جاء هذا التمديد المقتضب لشهرين بعد تعثر التوافق داخل أروقة المجلس في مأزق سياسي حول ملف التسليح والعقوبات. وقادت الولايات المتحدة، بصفتها المسؤولة عن صياغة ملف العقوبات السودانية في المجلس، جهوداً لتحديث نظام العقوبات الذي تعتبره قديماً بأكثر من عشرين عاماً، ولا يواكب واقع الحرب الحالية.
وشملت مسودتها التي تم سحبها لاحقاً محاولات لفرض قيود صارمة على سلاسل توريد الطائرات المسيرة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، بالإضافة إلى استهداف شبكات التمويل والشركات الدولية الداعمة للأطراف المتحاربة.
كما ركزت المقترحات الأمريكية على توسيع نطاق حظر الأسلحة جغرافياً ليمتد من إقليم دارفور إلى كامل الأراضي السودانية ليغطي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع معاً. غير أن واشنطن اضطرت لسحب هذه المسودة والاستعاضة عنها بالتمديد التقني بعد تيقنها من عدم القدرة على حشد الأصوات الكافية لتمريرها وإدراكها عدم ملكيتها للأصوات التسعة اللازمة داخل المجلس.

وتميزت المواقف داخل مجلس الأمن المكون من 15 عضواً بتباين حاد في الرؤى وفقاً لما وثقته تقارير الأمم المتحدة الرسمية؛ فبينما ضغط المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة باتجاه توسيع شامل وعاجل لحظر السلاح لحماية المدنيين، عارضت روسيا والصين والكتلة الأفريقية والآسيوية هذا التوجه بشدة.
وأعلنت بعثة روسيا صراحة رفضها لأي تلميح لتوسيع القيود حرصاً على عدم إضعاف قدرات الجيش الحكومي، بينما حذرت الصين من فرض قرارات خلافية تؤثر على سيادة السودان.
من جهتها، رحبت الحكومة السودانية عبر بعثتها في نيويورك بالتمديد التقني، لكنها أبدت الرفض القاطع للحظر الشامل، معتبرة أن فرض حظر سلاح على كامل البلاد ينتهك حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ويساوي بين الجيش الشرعي والميليشيات.
ويعود نظام العقوبات الحالي في أصله إلى القرار رقم 1591 الصادر في مارس 2005، والذي تم اعتماده إبان اندلاع الصراع الشهير في إقليم دارفور في عهد نظام عمر البشير.
حظر جغرافي
ويتضمن هذا النظام حتى اليوم حظر سلاح جغرافي يمنع بيع وتوريد وتدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الفاعلين المسلحين داخل إقليم دارفور تحديداً، إلى جانب عقوبات مستهدفة تشمل تجميد الأصول وحظر السفر الدولي على أفراد وكيانات متهمة بتهديد السلام.
ويشير تجدد هذه المعارك الدبلوماسية تحولاً جذرياً؛ فنطاق الحرب الجغرافية الدائرة منذ أبريل 2023 تخطى حدود دارفور إلى العاصمة الخرطوم والجزيرة وكردفان، مما جعل صيغة عام 2005 محل نزاع مستمر بين القوى الكبرى حول مدى فعاليتها في الوقت الراهن.

وفي هذا الإطار، أوضح المستشار القانوني بمركز راؤول والنبرغ لحقوق الإنسان، معتصم أبو البشر في حديثه لـ(عاين)، أن المقترح الأمريكي يستهدف توسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان بدلاً من الاكتفاء بالتمديد التقني لنظام العقوبات، مبيناً أن الولايات المتحدة ترى في هذا التوسيع خطوة مهمة لوقف نزيف الدماء والضغط على الأطراف المتحاربة للجلوس إلى طاولة التفاوض للتوصل إلى وقف لإطلاق النار لأسباب إنسانية.
وأشار أبو البشر إلى أن حظر الأسلحة فُرض في بدايته على دارفور بموجب القرار رقم 1556 الصادر عام 2004، وشمل الكيانات غير الحكومية والأفراد العاملين في ولايات شمال وجنوب وغرب دارفور بمن فيهم المليشيات، قبل أن يوسع القرار رقم 1591 الصادر عام 2005 نطاق الحظر ليشمل أطراف اتفاق أنجمينا لوقف إطلاق النار وأطراف النزاع الأخرى بدارفور لضمان عدم حصولهم على الأسلحة والإمدادات المحظورة، مع توضيحه أنه لا يجزم بالتواريخ الدقيقة المتعلقة بالاتفاق والبروتوكولات المرتبطة به لعدم تذكرها بدقة.
توسيع الحظر جغرافياً
يشير أبو البشر إلى أن المقترح الأمريكي استهدف شمول كافة المجموعات المسلحة في السودان بما فيها القوات المسلحة السودانية، وتوسيع النطاق الجغرافي ليغطي البلاد بأكملها. ورأى أن إدراج الطائرات المسيرة يمثل جانباً أساسياً من المقترح الأمريكي في ظل التحول القائم في أساليب القتال واستخدام المسيرات في العمليات العسكرية.
وبحسب أبو البشر، فإن الانتهاكات لا تقع بالضرورة نتيجة العمليات البرية، أو في مناطق التماس والاشتباكات وحدها، ومستشهداً بمناطق في كردفان ومنها مدينة الأبيض التي تشهد صراعاً محتدماً وانتهاكات بعيدة عن مواقع القتال المباشرة.
وبيّن أن مجلس الأمن يستطيع قانونياً تحديد أنواع المسيرات التي يمكن استيرادها واستخدامها، ورجح أن ظروف الحرب في السودان قد تدفع لفرض حظر شامل عليها لأن معظم المسيرات المستخدمة في البلاد تُوظف لأغراض عسكرية، وترتبط بالقتال والانتهاكات.
المشكلة لا تكمن في غياب الالتزامات القانونية، بل في تنفيذ القرارات القائمة، وما جدوى توسيع الحظر ليشمل السودان بأكمله إذا كان الحظر المفروض على دارفور لم يُنفذ بفاعلية
معتصم أبو البشر
وحول الأساس القانوني للتوسيع، ذكر أبو البشر، أن قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالعقوبات وحظر الأسلحة تستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتيح للمجلس اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهة التهديدات التي تطال السلم والأمن الدوليين دون الاقتصار على القوة العسكرية.
وشدد أبو البشر على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الالتزامات القانونية، بل في تنفيذ القرارات القائمة، متسائلاً عن جدوى توسيع الحظر ليشمل السودان بأكمله إذا كان الحظر المفروض على دارفور لم يُنفذ بفاعلية.
وأكد أن التحدي الرئيسي يتمثل في آليات التنفيذ وضمان تطبيق القرارات على أرض الواقع. ولفت إلى عدم وضوح مواقف الصين وروسيا وأعضاء المجموعة الأفريقية في المجلس وقت صياغة المقترح، ومؤكداً أن فاعلية أي حظر ستظل مرتبطة بمدى تنفيذه العملي.
التأثير الأمريكي
من الصعب النظر إلى مقترح توسيع حظر الأسلحة بمعزل عن استهداف القوات المسلحة السودانية وواشنطون لم تكن تملك الأصوات اللازمة لتمريره
كاميرون هيدسون
من جهته رأى الباحث الأمريكي والمسؤول السابق في الإدارة الأمريكية المتخصص في الشؤون الأفريقية وسياسات القرن الأفريقي، كاميرون هيدسون، في حديثه لـ(عاين) أنه من الصعب النظر إلى مقترح توسيع حظر الأسلحة بمعزل عن استهداف القوات المسلحة السودانية، معتبراً أنه محاولة لمعاقبة الجيش والحد من قدرته على مواصلة الحرب والدفاع عن الدولة.
وفي تفسيره لسحب مشروع القرار الأمريكي، أوضح هيدسون أن الولايات المتحدة لم تكن تملك الأصوات اللازمة لتمريره، ولم تتمكن من حشد الدعم الكافي له. وأضاف أن واشنطن تحاول بصورة متزايدة قيادة التحرك، «لكن لا يبدو أن أحداً يرغب في السير خلفها»، معتبراً أن ذلك يعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة باتت أكثر عزلة في موقفها من السودان.
ووصف هيدسون تمديد نظام العقوبات لمدة شهرين بأنه «محاولة أمريكية لحفظ ماء الوجه»، موضحاً أن واشنطن اتخذت موقفاً متشدداً برفض تجديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور لمدة 12 شهراً، لكنها لم تتمكن في الوقت نفسه من تمرير مقترح توسيعه.
واعتبر أن هذا الموقف وضع الولايات المتحدة في زاوية دبلوماسية، إذ إنها عاجزة عن توسيع الحظر، وعاجزة في الوقت نفسه عن قبول استمرار الوضع القائم، واصفاً ذلك بأنه «مشكلة من صنع واشنطن نفسها».
وفيما يتعلق بجدوى توسيع الحظر، قال هيدسون إن الحظر المفروض بالفعل على دارفور «لا يُحدث أي أثر»، مرجعاً ذلك إلى افتقار المجتمع الدولي إلى الموارد والإرادة السياسية اللازمتين لتنفيذه. وتساءل عن الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأن توسيع الحظر ليشمل السودان بأكمله سيجعله أكثر فاعلية، مستبعداً أن يؤدي التوسيع إلى هذه النتيجة.
حظر الأسلحة في السودان مستبعد حاليًا نظراً للرغبة الروسية في الحفاظ على حضورها ومصالحها وحساباتها الخاصة في السودان
باحث في الشأن الأفريقي
يبيّن الباحث في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن تعثر المشروع الأمريكي لتوسيع الحظر يرتبط بطبيعة الخلافات والتنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والقوى الدولية ولا سيما الصين وروسيا. وأوضح أن تمرير القرارات يتطلب تفاهمات تجنب استخدام حق النقض (الفيتو).
وأكد تورشين في حديثه لـ(عاين) أن الولايات المتحدة كانت تراهن على أن فترة تجميد المشروع لمدة شهر ستتيح لها التوصل إلى تفاهمات مع روسيا والصين لعدم استخدام الفيتو، إلا أن عمق الخلافات حال دون ذلك. ويشير تورشين، إلى أن تمديد نظام العقوبات لمدة شهرين قد يتيح المجال أمام مقايضات وتفاهمات تسمح لواشنطن وموسكو بتحقيق مكاسب في مشروعات قرارات أخرى داخل المجلس، وإلا سيبقى المقترح معلقاً.
آثار سلبية على الحكومة
واعتبر أن هذا التوسع ستكون له آثار سلبية أكبر على الحكومة السودانية (القوات المسلحة)، لأن التعاملات العسكرية الرسمية للدول تخضع لاعتبارات قانونية وسياسية، وتخشى العقوبات وتلتزم بقرارات مجلس الأمن. في المقابل، فإن قوات الدعم السريع، بوصفها فاعلاً من غير الدول، تعتمد على أطراف ثالثة وشبكات تهريب عبر دول أخرى للحصول على السلاح، وأن الجهات التي تمولها وتسهل وصول السلاح إليها تمتلك نفوذاً وتأثيراً دولياً يتيح لها إنكار التورط والتملص من العقوبات والمساءلة.























