السودانيون في مصر.. ملاحقات أمنية وحصار داخل البيوت
عاين- 2 أبريل 2026
منذ أسبوعين، انقطع الاتصال باللاجئ السوداني “محمد المهدي”، الذي كان يقيم مع عائلته في منطقة بدر بالعاصمة المصرية، وذلك عقب اقتياده من المتجر الذي يعمل فيه لإعالة أسرته.
ويحمل المهدي (35 عاماً) وثيقة “ملتمس لجوء” صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتاريخ 21 سبتمبر 2025. وتعيش زوجته حالة من الأسى جراء عجزها عن مقابلته داخل قسم الشرطة، قائلة في حديث لـ (عاين): “زوجي مريض بالسكري ويحتاج إلى الرعاية الصحية وتناول الأدوية بانتظام مكوثه في الحبس يفاقم وضعه الصحي”.
أدت الحرب المستعرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل 2023 إلى لجوء قرابة مليون سوداني إلى مصر. ومع ذلك، ناقشت الخرطوم والقاهرة هذه الأزمة نهاية الشهر الماضي في مباحثات جمعت بين كامل إدريس، رئيس الحكومة المرتبطة بالجيش، ومصطفى مدبولي رئيس وزراء مصر؛ نتج عنها الإفراج عن مئات السودانيين الموقوفين داخل أقسام الشرطة على ذمة وثائق الإقامة، ممن اِقتيدوا خلال حملات أمنية من شوارع القاهرة والإسكندرية وأسوان.
حملات أمنية أسفل المنازل
مؤخراً، بدأت حملات الأمن المصري تستهدف مراكز تجمعات السودانيين في القاهرة، مثل “سوق الاثنين” بمنطقة عابدين وسط العاصمة، كما شملت مناطق “النزهة”، “مدينة نصر”، “المهندسين”، “العجوزة”، “حلوان”، “الإسماعيلية”، ومنطقة “زفتى”، وصولاً إلى مدينة أسوان جنوباً.
مركبات أمنية تترصد الطلاب قرب المدارس السودانية بالقاهرة
شاهد عيان
وقال أحمد عز الدين (30 عاماً)، وهو لاجئ سوداني مقيم في القاهرة، لـ(عاين): إنه شاهد مركبة أمنية من نوع “هايس” تترصد طلاباً أمام مدرسة “الجيل” بالسيدة زينب، مما اضطر مدير المدرسة للخروج ومطالبة قوات الأمن بالمغادرة لعدم بث الرعب في نفوس الطلاب، لا سيما وأن الحملة كانت تستهدف الفتيان بشكل أساسي.
وتابع عز الدين: “خرج مدير المدرسة عبر البوابة الرئيسية، ودعا قوات الأمن للمغادرة وعدم إلقاء القبض على الطلاب، ثم أغلق الباب، وأخرج التلاميذ عقب مغادرة المركبة الأمنية” مستدركا بالقول: “تحدث هذه الوقائع في أكثر من مدرسة سودانية خلال مارس الحالي”.
مداهمة الشقق السكنية
من جانبه، قال مدافع حقوقي سوداني مقيم في القاهرة لـ(عاين)، بأن هناك تقارير موثقة ترصد قيام قوات الأمن خلال شهري فبراير ومارس الفائت بمداهمة بعض الشقق السكنية في منطقة الإسماعيلية التي يقطنها لاجئون سودانيون مع عائلاتهم، حيث طُلب منهم إبراز وثائق الإقامة. ورغم مغادرة القوات بعد التأكد من وضعهم القانوني، إلا أن العائلات باتت مصابة بالرعب، وتشعر أن مصر لم تعد “آمنة” للسودانيين بشكل عام.
ويرجح هذا المدافع الحقوقي الذي لم تنشر (عاين) اسمه لتجنيبه الملاحقة الأمنية قيام السلطات المصرية بترحيل 95% ممن اِقتيدوا من الشوارع في القاهرة والإسكندرية وأسوان، ولم يُفرج إلا عن عدد قليل بعد تمكن عائلاتهم من إيصال الوثائق الرسمية إلى أقسام الشرطة. وأردف قائلاً: “بعض الموقوفين الذين أفرجت عنهم النيابة أعادتهم قوات الأمن إلى أقسام الشرطة، ثم تواصلت مع السفارة السودانية بغرض إعادتهم إلى البلاد؛ وهذا ما حدث لأكثر من 700 لاجئ سوداني خلال الشهرين الماضيين”.
لاجئون سودانيون اقتيدوا قسرا إلى مقار أمنية لإطالة أمد الاحتجاز إلى حين العثور على حافلات
مدافع حقوقي
وأضاف: “في بعض الحالات، اِقتيد سودانيون قسراً إلى مقرات الأمن الوطني ومنطقة العباسية وسط القاهرة، وهي إجراءات يُقصد بها إطالة أمد الاحتجاز الأمني إلى حين توفر حافلات تنقل المعتقلين إلى السودان”.
تعهدات مصرية بالحماية
وكان رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، الذي وصل إلى القاهرة نهاية فبراير الماضي، قد أعلن عن تكوين لجنة مشتركة بين البلدين للإفراج عن المحتجزين على ذمة الحملات الأمنية بسبب الأوراق الثبوتية، مشيراً إلى أن مصر نفت استهداف السودانيين، وأكدت اتخاذها إجراءات لحماية أمنها القومي.
ومع ذلك، نقلت ثلاث طائرات على الأقل، في الفترة ما بين نهاية فبراير ومنتصف مارس الجاري، قرابة 450 لاجئاً سودانياً -أغلبهم من المسنين والنساء والفتيات والأطفال- إلى مطار بورتسودان.
نقلت السلطات المصرية فتيات لاجئات إلى السودان بعد احتجاز استمر لأسابيع
ناشطة سودانية
تتحدث أحلام عمر، وهي ناشطة سودانية تتابع الحالات الطارئة في أقسام الشرطة بالقاهرة، عن وجود فتيات أفرجت عنهن السلطات المصرية مقابل العودة إلى السودان. ومن بين هذه الحالات فتاة دخلت في حالة صدمة نفسية جراء مكوثها في قسم شرطة “بدر” قرابة ثلاثة أسابيع، بعد اقتيادها في حملة أمنية أثناء توجهها للعمل في مدرسة سودانية.
وأوضحت أحلام لـ (عاين): “نُقلت الفتاة (ن. ك)، وتبلغ من العمر 32 عاماً، منتصف فبراير الماضي إلى قسم شرطة مدينة بدر، ومكثت هناك ثلاثة أسابيع قبل أن تحصل على وسيلة إفراج عقب موافقة الحكومة المصرية على نقل المحتجزين السودانيين جواً إلى مطار بورتسودان، في رحلة مُولت رجال أعمال”. مشيرة إلى أن الفتاة دخلت في صدمة نفسية ولم تنجو منها حتى الآن رغم وصولها السودان.
وقال مصدر مقرب من عائلة شاب عُثر عليه في قسم شرطة “الطالبية” بالقاهرة، إن رحلة البحث طالت عدداً من الأقسام الشهيرة باحتجاز السودانيين، مثل أقسام “عابدين”، “الجيزة”، “الطالبية”، “فيصل”، “الهرم”، “أول مدينة نصر”، “أبو زعبل”، بالإضافة إلى سجني أكتوبر وطرة.
وأشار المصدر إلى أن المحتجزين السودانيين الذين اِقتيدوا من الشوارع وُضعوا في زنازين ضيقة تفتقر للتهوية، ويضطرون أحياناً للوقوف لساعات طويلة؛ بسبب الاكتظاظ بالموقوفين على ذمة قضايا أخرى، بما في ذلك المتهمون في جرائم خطيرة.
وأفاد عامر عبد الله، (40 عاما) وهو لاجئ سوداني اتبع إجراءات قاسية للإفراج عن شقيقه المعتقل في قسم شرطة “العبور” مطلع مارس الجاري، بأنه بعد سلسلة من التواصل مع ضباط الشرطة، تم توجيهه إلى مسؤول أمني بالسفارة السودانية برتبة عقيد، والذي أبلغهم بضرورة سداد 13 ألف جنيه مصري مقابل الإفراج، أو بقاء شقيقه في السجن. وأضاف: “قررنا قبول العرض لضمان خروجه، خاصة مع تسجيل وفيات بين اللاجئين السودانيين في الأشهر الماضية داخل أقسام الشرطة نتيجة الإهمال ونقص الرعاية الطبية”.
مصر لن تتوقف عن الحملات
من ناحيته، يعتقد الباحث في قضايا الهجرة والسكان، أحمد يعقوب، في حديث لـ (عاين) أن مصر تفتقر للأمان الكلي بالنسبة للاجئين السودانيين منذ العام 2025؛ حيث باتت الحملات الأمنية تُنفذ بواقع 3 إلى 4 مرات يومياً في مدن القاهرة وأسوان والإسكندرية.
وقال يعقوب: إن “التضييق على اللاجئين السودانيين طال عدداً من المستشفيات التي باتت تطالب المرضى بإبراز الوثائق الرسمية قبل التدخل الطبي والعلاجي، حتى وإن كانت الحالة طارئة”.
ويرى يعقوب، أن الأمم المتحدة “متقاعسة” عن حماية اللاجئين السودانيين في مصر؛ لأن السلطات تلوح في كل مرة بأن تزايد أعداد اللاجئين قد يفتح الباب أمام الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، كما أن مكاتب الأمم المتحدة في مصر لا تمارس تفويضها بشكل كامل خشية التضييق الأمني عليها.
قرابة 600 ألف لاجئ سوداني يعيشون رعباً يومياً في مصر بسبب الحملات
خبير في الهجرة
وأضاف: “ما لا يقل عن 600 ألف لاجئ سوداني يعيشون في رعب يومي في مدن أسوان والقاهرة والإسكندرية، ولا يغادرون منازلهم إلا في أوقات محددة لتجنب الحملات الأمنية، بينما يتوجس من هذه الحملات حوالي 700 ألف سوداني آخرين من حملة الجوازات المستوفية لشروط الإقامة؛ لأن قوات الأمن تتعامل وفقاً لتقديرات متباينة”.
وكشف يعقوب أن مصر تعتزم ترحيل قرابة نصف مليون لاجئ سوداني حتى نهاية العام، وفقاً لمسح أجرته منظمات حقوقية قياساً بنشاط الحملات الأمنية، لافتاً إلى أن مئات المرحلين من مصر إلى السودان تُرِكوا بلا أي مساعدة على الحدود السودانية في مدينة وادي حلفا بين شهري فبراير ومارس.
وتابع: “في مارس الجاري، كونت محلية وادي حلفا لجنة للتعامل مع السودانيين المرحلين من مصر قسراً بعد أن لاحظت تزايد أعدادهم، وقررت نقلهم إلى مدنهم الأصلية لأنهم وصلوا دون مال أو حتى مجرد حمل أمتعة”.





























