بعد عام دامٍ.. السودانيون ينشدون السلام في 2026
عاين- 1 يناير 2026
أكمل السودانيون عام آخر أكثر دموية في مسار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وبينما يستشرفون 2026 وهم مثقلين بجراح الصراع المسلح وتداعيات إنسانية كارثية ، يمنون أنفسهم بتسوية سلمية توقف أصوات الرصاص في كل انحاء البلاد، وتضع حداً لمآسيهم المتطاولة.
تحقيق السلام كان قاسم مشترك في أمنيات وتطلعات المواطنين السودانيين في الداخل والذين يقيمون في مخيمات اللجوء بالمنافي، خلال استقبالهم للعام الجديد، في مشاهد تعكس مدى معاناتهم مع الحرب التي اقتربت من دخول عامها الثالث.
ومع حالة اليأس التي تنتابه تجاه الوصول إلى سلام في بلاده، يأمل مهند عبد الرحمن وهو مواطن في العقد الرابع يقيم في أحد مراكز إيواء النازحين في كسلا شرقي السودان، في حدوث معجزة تؤدي إلى وقف كامل لإطلاق النار وتعيد الاستقرار المنشود للبلاد خلال العام الجديد.
ويقول عبد الرحمن لـ(عاين): “لقد عشت أكثر من عامين في مركز النزوح، وواجهت أقسى المعاناة الإنسانية وفقدت طعم الحياة، اريد العودة إلى منزلي وحياتي الطبيعية في العاصمة الخرطوم، لكن ما تزال الأوضاع سيئة هناك ونخشى تجدد القتال فيها، مما جعلني مترددا في العودة لأنه قد تكون مغامرة كبيرة”.
ويشير إلى أنه فقد كل مصادر كسبه المالي، ولا يوجد سبيل لممارسة أي نشاط في العاصمة الخرطوم حتى يتمكن من الوفاء باحتياجاته المعيشية، فكل شيء تدمر هناك بما في ذلك الأسواق والمراكز التجارية، مما جعله يفضل البقاء في مركز الإيواء في كسلا، والاعتماد على المساعدات الغذائية الشحيحة التي يقدمها.
الأكثر عنفاً
وشهد عام 2025م، أكثر فصول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، عنفاً ودموية بحق المدنيين في السودان، وذلك بعد تصعيد العمليات العسكرية في الخرطوم والجزيرة وسنار وتوسع نطاق الصراع في كردفان ودارفور غربي البلاد، مع استمرار الهجمات الجوية عبر الطيران الحربي والطائرات المسيرة، والتي استهدف العديد منها مواطنين ومرافق خدمية مثل الكهرباء والأسواق، ومصادر مياه الشرب.
مع بداية العام الماضي، صعد الجيش والمجموعات المسلحة المساندة له، العمليات العسكرية وتمكن من استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار في وسط البلاد، وصاحبت هذه العمليات اعتقال آلاف المواطنين في ود مدني والخرطوم وتنفيذ اعدامات ميدانية بحق بعضهم، وذلك بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، وفق ما وثقته جهات حقوقية محلية ودولية، بينها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وتراجعت قوات الدعم السريع نحو إقليمي كردفان ودارفور غربي السودان، وفرضت مزيداً من الحصار على مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، ومنعت وصول الغذاء للمدنيين وقصفتهم بالمدافع والطائرات المسيرة، مخلفة أكبر أزمة إنسانية وفق الأمم المتحدة، قبل أن تجتاحها وتسيطر عليها في أكتوبر الماضي، حيث ارتكبت قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة بحق المدنيين في المدينة، شملت اعدامات ميدانية وعنف جنسي، واعتقال واختطاف وطلب فدية، وفق ما وثقته جهات حقوقية.
وتصاعدت العمليات العسكرية في إقليم كردفان الذي تحول إلى مسرح لمعارك متواصلة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ مايو من العام الماضي، وصاحب ذلك انتهاكات واسعة بحق المدنيين من جميع الأطراف، كما استمر تدهور الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وبات السكان فيها أكثر إلحاحاً على تحقيق السلام.
ويقول حسن عبد القادر وهو مواطن من غرب كردفان لـ(عاين): “عشنا أيام صعبة خلال العام 2025 بسبب انتقال الحرب إلى منطقتنا وتركز المعارك في محيط القرى والمدن، مما تسبب في شلل شبه كامل في حياتنا، فلم يتمكن معظم المواطنين من الوصول إلى الزراعة والمراعي، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، فنحن مهددون الآن بالمجاعة لأن الزراعة فشلت وانتهت الماشية، كما تواجد صعوبات في وصول البضائع”.
يكفي دماء
ويضيف عبد القادر:”نتمنى أن تُحكم جميع الأطراف صوت العقل ويذهبوا إلى السلام، لأن استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من معاناتنا ويدمر البلاد، كما أن البندقية لا يمكنها معالجة أي قضية أو مشكلة، ولا تحقق أي انتصار، بل الجميع سيكون خسران.. نقول لهم كفاية قتال، كفاية دماء ومعاناة، يكفينا ما تحملناه خلال ثلاث سنوات من الحرب”.
ويأمل عبد القادر أن يحل السلام والاستقرار في كل ربوع السودان خلال العام 2026، قائلاً مخاطباً أطراف الصراع، “لا نريد منكم شيء، فقط أوقفوا القتال واتركونا نعيش حياتنا البسيطة في أمان”.

ومع قرب دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الثالث دون أن تلوح أفق للتسوية السلمية، يتواصل تدهور الأوضاع الإنسانية للمواطنين في البلاد، ففي وقت شهدت الخرطوم وبعض مناطق وسط السودان عودة طوعية لبعض النازحين، يتواصل الفرار والنزوح من مناطق واسعة في إقليمي كردفان ودارفور خاصة الأبيض والقرى المحيطة بها وكادوقلي والدلنج، والفاشر في ولاية شمال دارفور.
وما يزال أكثر من 26 مليون سوداني بحاجة إلى مساعدات إنسانية مع شبح مجاعة بلوح في الأفق، وفق الأمم المتحدة، وسط تدهور في الخدمات الأساسية لا سيما الصحة، حيث تسبب الصراع في دمار نحو 80 بالمئة من المستشفيات والمرافق الطبية، مما خلف نظام صحي هش، بحسب منظمة الصحة العالمية، وهي أبرز تداعيات حرب متطاولة يأمل المواطنون السودانيون في توقفها.
هروب للجحيم
ومن المنفى في مخيم اللاجئين السودانيين بدولة أوغندا، يتمنى عبد الجبار آدم بأن يحمل العام 2026 بشريات سلام مستدام وتتوقف الحرب إلى الأبد في بلاده، حتى يتمكن من العودة إلى منزله، ويودع الواقع القاسي الذي يعيشه في منطقة اللجوء.
ويقول لـ(عاين): إنه “لجأ إلى دولة أوغندا طلباً للنجاة، لكنه اكتشف لاحقاً أن رحلة هروبه كانت إلى الجحيم وواقع أكثر قسوة مما كان يعيشه في بلده المضطرب، حيث عاش في المخيم وسط نقص مستمر في الغذاء مع صعوبة العمل وتحقيق كسب مالي، وهو يفكر في العودة إلى السودان مهما كانت الأحوال”.
ويضيف: “كانوا يعطوننا مساعدات بسيطة، والآن توقفت تماماً وتفاقم تدهور الوضع الإنساني، حيث يعاني العديد من اللاجئين سوء تغذية بسبب الجوع، كذلك هناك تدهور أمني واعتداءات متكررة، نتمنى أن تتوقف الحرب في بلادنا ونعود إليها، فنحن نواجه شبح الموت بالجوع في مخيم اللاجئين في أوغندا”.






















