الحرب تُجفف الزراعة في جنوب كردفان
عاين- 8 يناير 2025
على امتداد ولاية جنوب كردفان الشاسع، لم يجد السكان مكاناً للزراعة، سوى سطوح الجبال ومحيط المنازل لزراعة محاصيل محدودة، ضمن محاولاتهم للبقاء على قيد الحياة، وذلك بعدما جففت الحرب كل المساحات والمشاريع الزراعية في المنطقة، مما وضعها أمام المجاعة، وسط معارك محتدمة.
وللعام الثالث على التوالي يفشل الموسم الزراعي في جنوب كردفان نتيجة إلى تدهور الأوضاع الأمنية وصعوبة وصول المزارعين إلى المناطق الزراعية، كما أجبرت المعارك العسكرية المتواصلة آلاف المزارعين على الفرار من مناطق الإنتاج إلى داخل المدن، مما قاد إلى خروج مشاريع كبرى عن دائرة الإنتاج كليا، بعدما نزح سكان المدينة بشكل جماعي جراء الأعمال القتالية.
وفي بداية الحرب الحالية، شهدت ولاية جنوب كردفان قتال من ثلاث جبهات يقوده الجيش ضد الحركة الشعبية – شمال قيادة عبد العزيز الحلو، وقوات الدعم السريع كل على حد، كما كان يوجد قتال بين الحركة الشعبية والدعم السريع، قبل أن تتحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في فبراير 2025م، وينخرطا في قتال مشترك ضد الجيش.
ويجري تصعيد واسع للمعارك العسكرية في ولاية جنوب كردفان هذه الأيام بين تحالف الحركة الشعبية – شمال وقوات الدعم السريع، مع الجيش، وسط تراجع في الأوضاع الإنسانية وموجة نزوح عالية من مدينتي الدلنج وكادوقلي المحاصرتين، وساهم فشل المواسم الزراعية في فجوة في المواد الغذائية وتوسيع نطاق المجاعة في المنطقة.
وخرجت مشاريع هبيلا الزراعية في وقت مبكر من اندلاع الحرب الحالية، وأصبح مهجورا بعد نزوح جماعي لسكان المدينة، وهي ثاني أكبر منطقة في إنتاج الحبوب الغذائية في السودان بعد ولاية القضارف، حيث تساهم هبيلا بنحو 35 بالمئة من إنتاج الذرة على مستوى البلاد، و70 بالمئة من الإنتاج في جنوب كردفان، مما جعلها تُلقب بـ”بسلة غذاء السودان”.
أوضاع مماثلة
وعاشت جميع المناطق في ولاية جنوب كردفان بما في ذلك كادوقلي والدلنج، والمحليات الشرقية أبو جبيهة، والعباسية وأبو كرشولا، أوضاعاً مشابهة إذ فشل المزارعون في الوصول إلى المشاريع الزراعية؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، كما عانوا في الحصول على المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والمبيدات والتقاوي والوقود؛ مما أعاق العملية، وأدى إلى فشلها.
السكان في كادوقلي اضطروا إلى الزراعة على سطوح الجبال نتيجة التدهور الأمني، وذلك في محاولة للحصول على الغذاء ومواجهة المجاعة
مواطن
وينقل عمر كجو وهو مواطن من مدينة كادوقلي لـ(عاين)، أن السكان في منطقته اضطروا إلى العودة إلى الزراعة في أعالي الجبال بعدما تركوها لسنوات مضت، وهي زراعة محدودة قد تحقق الاكتفاء الذاتي، بدلا عن زراعة مساحات كبيرة كما ينبغي لتحقيق فائض، وذلك بسبب الصراع المسلح، الذي منع وصول المزارعين إلى المزارع، وصعوبة الحصول على مدخلات الزراعة.
وقال: “تزامن حلول موسم الزراعة الماضي مع اضطرابات أمنية واسعة في ولاية جنوب كردفان؛ مما تسبب في تقليص شديد في المساحات المزروعة، نسبة إلى امتناع المزارعين الذهاب إلى المزارع بسبب المخاوف الأمنية، فالأراضي التي زُرِعَت بالفعل قليلة للغاية مقارنة باحتياجات السكان، وسيكون لذلك تداعيات سالبة على المخزون الاستراتيجي، وستظهر نتائجه الكارثية غضون الصيف القادم، وقد برزت بالفعل مؤشرات المجاعة”.

ولا يختلف الوضع كثيراً في منطقة أبو جبيهة الواقعة في الجزء الشرقي من ولاية جنوب كردفان، فقد واجهت فشلا مستمراً للمواسم الزراعية بعد اندلاع الحرب الحالية، مما خلف أوضاع إنسانية سيئة وسط سكانها. وتشتهر أبو جبهة بإنتاج فاكهة المانجو والذرة بمختلف أنواعها والسمسم، وتعتمد على إنتاجها عدة مناطق مجاورة لها، مثل كلوقي وتلودي والليري، حيث تتميز أراضي أبو جبيهة بالخصوبة العالية وقرب المياه الجوفية من سطح التربة.
أرض المانجو
وبحسب جاد الله عثمان وهو مواطن من أبو جبيهة، فإن ثلاثة مشاريع كبرى في أبو جبيهة خرجت عن دائرة الإنتاج، ولم تُزْرَع، وهي أم دحيليب والرحمانية وأم نوارة المجاورة لمناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بينما تمكن المزارعون من الزراعة في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية مثل السهل وأم هشيمة، وذلك نتيجة المعارك العسكرية بين الجيش والحركة الشعبية.
وقال عثمان لـ(عاين): إن “معظم السكان في تلك المناطق نزحوا إلى داخل مدينة أبو جبيهة، ويقيمون في مراكز إيواء، بينما تسببت التوترات والاشتباكات الأهلية في عدم زراعة منطقة جبرونا التي تقع في المنتصف بين الرحمانية وأبو جبيهة، كما نزح السكان بصورة كبيرة”.
وعلى الرغم من عدم تأثر منطقة العباسية الواقعة في الاتجاه الشرقي الشمالي من ولاية جنوب كردفان، بالصراع المسلح في بادي الأمر، إلا أن السكان لم يتمكنوا من زراعة مساحات واسعة، واكتفى الكثيرون بزراعة محيط المنازل وهو نمط زراعي يسمى محلياً بـ”الجبراكة” ويحقق اكتفاء ذاتياً مؤقتاً إلى صاحبه.
ويروي فتحي جبر الله وهو مواطن من العباسية تقلي، أن العباسية تأوي نازحين من مختلف المناطق بما في ذلك العاصمة الخرطوم، وقد تركزت الزراعة في محيط المنازل هذا الموسم؛ مما جعل الطلب عالياً على الجبراكة، وصارت تستأجر مساحتها بمبلغ 50 الف جنيه للمخمس الذي يساوي نحو فداني ونصف خلال الموسم الواحد، ويرتفع السعر إلى 70 الف جنيه إذا كانت الأرض طينية، و100 الف جنيه إن كانت الأرض رملية (قوز).
وقال: إن “هذا التراجع كان بسبب تدهور الوضع الأمني في المنطقة، فمع بداية الموسم الزراعي في يونيو الماضي، هاجم مسلحون من قوات الدعم السريع قادمين من منطقة التبسة على متن أربع درجات نارية، المزارعين بالقرب من العباسية أثناء عمليات تحضير الأرض، ونهبوا وابور “تركتور” زراعي بعد إطلاق أعيرة نارية في الهواء، وتحذير المزارعين من الزراعة في المنطقة، قبل أن يفرجوا عن التركتور بعد دفع مبلغ 300 الف جنيه.
أزمة المدخلات
وفي كرتالا بالجبال الستة، تأخر هطول الأمطار هذا العام، ولم تستقر إلا في منتصف يوليو، غير أن الأوضاع الأمنية المضطربة ألقت بظلالها الثقيلة على الموسم الزراعي، إذ شهدت المنطقة تراجعا كبيرا في المساحات المزروعة، حيث قدر المزارع منعم كرورو هذا التراجع بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40% من إجمالي المساحات الزراعية، التي تبلغ نحو 52 ألف فدان.
وأضاف كرورو لـ(عاين): أن “المزارعين واجهوا هذا الموسم عوائق متعددة، لم تكن أمنية فحسب، بل اقتصادية أيضا، أبرزها صعوبة توفير الوقود، إذ وصل سعر باقة الجازولين إلى 140 ألف جنيه، ما جعلها بعيدة عن متناول غالبية المزارعين؛ لأن غالبيتهم لا يملكون سوى مبالغ محدودة لشراء باقة أو باقتين من الجازولين، حيث تزرع الباقة أربع مخامسات، بينما يكفي الجالون الواحد لزراعة مخمس واحد، لذلك، فإن معظم المزارعين لم يزرعوا أكثر من 10 إلى 15 مخمسا، وهي مساحة تكفي بالكاد لإعالة أسرهم خلال فصل الصيف”.

وأكد أن حتى أكبر التجار اليوم لا يزرعون سوى ما بين 500 إلى 1000 مخمس موزعة بين الذرة والسمسم، لافتاً إلى أن عددا من المشاريع الزراعية لم تزرع هذا العام بسبب التدهور الأمني، لا سيما تلك الواقعة بعيدا عن مناطق السكن، مثل مشاريع سحبة، وحجر تبلدي، والتيمان في كرتالا، وأوضح أن الزراعة هذا العام تتركز فقط في المناطق القريبة، ضمن نطاق لا يتجاوز 10 إلى 15 كيلومترا من مناطق السكن.
وذكر أن أحد التجار استأجر شبابا من المنطقة لحراسة مشروعه الزراعي العام الماضي، وتعرضوا إلى هجوم مسلح من قوات الدعم السريع؛ مما أدى إلى مقتل 3 من الشباب وهي حادثة مؤلمة هزت المنطقة، ودفعت السكان والتجار إلى تقليص الزراعة.
ولا يختلف الحال في أبو كرشولا عن غيره، إذ تعرض المزارعون لهجمات مسلحة ونهب لآلياتهم، ففي يونيو الماضي هاجم مسلحون على متن 4 درجات نارية، المزارعين في مشروع دبل جيجي غرب المدينة، وفتحوا عليهم الرصاص الحي، مما تسبب في إصابة أحد المزارعين ونهب وابور، تمكن سكان المنطقة من استرجاعه لاحقاً، وذلك وفق ما نقله محمد النور وهو سائق تركتور من المنقطة لـ(عاين).
هجمات متكررة
وبحسب النور تكرر الهجوم في يوليو الماضي، إذ تعرض مزارعون في مشروع حجر النص إلى هجوم مماثل، حيث اقتاد المسلحون 4 شباب، ونهبوا وابور، وكل هذه الحوادث والتدهور الأمني تسبب في تقليص المساحات الزراعية في المنطقة، الأمر الذي تسبب في فجوة غذائية كبيرة وتصاعد أسعار الذرة إلى مستويات قياسية في ولاية جنوب كردفان، ووضعها على حافة المجاعة، واضطر السكان في بعض المناطق بينها كادوقلي الدلنج إلى أكل أوراق الشجر، التي تسببت في قتل بعضهم جراء التسمم.
وامتدت التأثيرات إلى المناطق الخاضعة إلى سيطرة الحركة الشعبية – شمال، حيث أعلن حاكم إقليم جبال النوبة في سلطات الحركة داؤود أشعياء الفول في تصريح سابق، المجاعة في الإقليم نتيجة توقف المشاريع الزراعية كمشروع هبيلا؛ بسبب حرب 15 إبريل، بجانب صعوبة وصول التقاوي والوقود إلى المزارعين.
وفي ظل واقع إنساني سيئ يتواصل تدفق النازحين من كادوقلي والدلنج نحو مناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال، مما يقتضي تقاسم المخزون الغذائي المحدود في تلك المناطق. ولم يتمكن كثير من الفارين من الدلنج وكادوقلي من حصاد الزراعة المحدودة التي زرعوها، بينما اضطر البعض إلى بيع الحصاد بما في ذلك الذرة القليلة بغرض توفير مبالغ للفرار من المنطقة، وذلك بحسب شهادات جمعها مراسل (عاين).































