أي التحديات ستواجه دمج المجموعات المسلحة في الجيش السوداني؟
عاين- 15 مارس 2026
وضع الجيش السوداني، نفسه أمام اختبار جديد بعزمه دمج المجموعات والمليشيات التي تقاتل بجانبه، إلى المنظومة العسكرية في الدولة. وجاءت التعهدات على لسان مساعد قائد الجيش، الفريق ياسر العطا، والذي ذكر أثناء مخاطبته لجمع عسكري، إن الجيش يعمل على تنشيط أدوات دمج المجموعات القتالية المساندة له ضمن المؤسسة العسكرية بمختلف تشكيلاتها، وذلك وفق المعايير المعروفة. ولفت إلى أن الرافضين للاندماج من تلك المجموعات، فسيتم التخطيط لإعادة تأهيلهم في مجالات أخرى.
ويعد تعدد الجيوش تاريخيا، واحدا من أبرز عوامل عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، مقروءا مع تعقيدات أخرى اجتماعية واقتصادية، وصراع حول الموارد، وكلها قادت إلى حروبات في مختلف مناطق السودان.
وقبل حرب الخامس من أبريل 2023 برزت مجموعات مسلحة بعضها يقاتل الجيش، وآخر يقاتل معه، وفي كثير من المرات تعطي المرآة صورة معكوسة فالمليشيا التي تقاتل مع الجيش تعيد تموضعها لتتحول إلى جماعات متمردة عليه، والعكس صحيح، حيث تتحول أخرى إلى القتال معه، وأوضح نموذج، حالة الدعم السريع والحركات المسلحة في دارفور.
وبعد الحرب تضاعف عدد المجموعات المقاتلة مع الجيش، لكن أبرزها الحركات المسلحة في إقليم دارفور، وكتيبة البراؤون وهي مجموعة محسوبة على الحركة الإسلامية، وهناك قوات درع السودان بقيادة أبوعاقلة كيكل، كما برزت مجموعات أخرى في شرق وشمال ووسط السودان.
ما هي أهم الصعوبات؟
يقول اللواء المتقاعد أمين إسماعيل مجذوب، وهو خبير إدارة الأزمات والتفاوض: أن “الحرب الحالية، أفرزت عدم وحدة القيادة، فكل مجموعة مقاتلة لها قائد ولديها أجندة، فدعت الإفرازات تلك لأهمية توحيد البندقية تحت قيادة الجيش”. ويشير في مقابلة مع (عاين)، إلى الحرب ستتوقف كما هو متوقع بوسيلة عسكرية أو تفاوضية، وأن بقاء تلك المجموعات يمثل خطراً لجهة أن الدعم السريع قد لا يقبل تفكيك نفسه إذا كانت هناك مجموعات أخرى لم تفكك.
وأشار مجذوب، إلى أن أهم الصعوبات التي ستواجه عملية الدمج، هي تطبيق المعايير مثل العمر والحالة الصحية والصحيفة الجنائية والرغبة والتأهيل العلمي، وهي معايير ربما تحدث تململا لدى بعض مكونات تلك الأجسام المسلحة، كما تبرز مشكلة القيادات التي حصلت على ترقيات أثناء الحرب، بناء على مواقف سابقة ورصيد نضالي، لكن دون وجود شروط ومؤهلات، حيث يمكن تخفيض تلك الرتب ما قد يسبب في ارتباك، ومن الصعوبات أيضا عند اللواء متقاعد مجذوب، موضوع القيادة والسيطرة، حيث لا مجال للقبول بتمثيل تلك المجموعات في الهيئات القيادية، لكن في ذات الوقت قد لا يقبل ذلك، الآخرون.
ترحيب
من المرحبين بتصريحات العطا، حركة العدل والمساواة، ويقول محمد زكريا الناطق الرسمي باسم الحركة، في مقابلة مع (عاين)، أن حركتهم كواحدة من الأطراف الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان، حريصة بالكامل على تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق، وفي مقدمتها دمج جميع التشكيلات المسلحة في القوات المسلحة وتطويرها وصولاً لجيش وطني مهني واحد، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو إنهاء تعدد الجيوش وبناء مؤسسة عسكرية قومية موحدة.
وذكر زكريا، أن اتفاق جوبا نص بوضوح على إصلاح وتطوير القوات المسلحة بما يعكس التنوع السوداني ويعزز مهنيتها وحيادها، حتى تتمكن من أداء دورها الدستوري في حماية البلاد وصون وحدتها وسيادتها، مشيرا إلى أن قتال الحركات الموقعة على مسار دارفور تحت إمرة وقيادة القوات المسلحة السودانية في المعركة ضد قوات الدعم السريع يمثل واقع ميداني من شأنه أن يسهم بشكل كبير في تسهيل وتسريع عملية الدمج.
ولفت زكريا إلى أن أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ الترتيبات الأمنية وعمليات الدمج تتمثل في المتطلبات المالية الكبيرة اللازمة لبرامج التجميع والتدريب ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وهو ما يتطلب جهداً أكبر من الحكومة السودانية، إلى جانب دعم فاعل من الشركاء الإقليميين والدوليين لضمان تنفيذ هذه العملية الحيوية على الوجه المطلوب.
يقول مستشار قوات دعم السودان التي يقودها أبوعاقلة كيكل، يوسف عمارة ابوسن في مقابلة مع (عاين)، أنهم مستعدون بشكل كامل لخطوة الدمج، وأن موقفهم كان ثابتا وواضحا منذ النشأة، بدعم مبدأ الجيش الواحد، موضحا أن قيادتهم وافقت بالفعل على مبدأ الاندماج، وهي على أتم الاستعداد للانتقال من مرحلة القتال إلى مرحلة البناء المؤسسي داخل القوات المسلحة السودانية.
وحول الشروط والآليات الضرورية لنجاح عملية الدمج، يقول ابوسن، أنهم في انتظار الآليات التنفيذية التي ستصدر عن القيادة العامة لتنظيم هذه العملية “ولكن من وجهة نظرنا، هناك أسس ضرورية لضمان النجاح منها، أن تتم العملية وفق المعايير المهنية التي تحكم الانضمام إلى المؤسسات النظامية، والالتزام الكامل بتوجيهات القيادة العامة بشأن مستقبل أفراد القوات، سواء من يواصل الخدمة داخل المؤسسة العسكرية، أو من يشملهم برامج التأهيل للحياة المدنية، وأن يظل الهدف الأسمى هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تحت قيادة مركزية واحدة، قادرة على حماية السودان وتحقيق تطلعات شعبه في الأمن والاستقرار.
جدية تحت الاختبار
القيادي بحزب الأمة القومي، عروة الصادق، يرى من جهته، أن التشكيلات المقاتلة إلى جانب الجيش صارت عبئاً أمنياً وسياسياً على الدولة نفسها، مبينا أن الجدية السياسية في دمجها موجودة على مستوى الخطاب، أما الجدية المؤسسية، فما زالت تحت الاختبار لأن كل حديث يقوله جنرالات الجيش ينفذون نقيضه، وسبب ذلك أن المؤسسة العسكرية نفسها توسعت طوال الحرب في الاعتماد على قوى غير نظامية ومتفاوتة الولاءات والمرجعيات والتراتبية.
يوضح الصادق في مقابلة مع (عاين)، أن بعض تلك القوى العسكرية خارج الجيش، تشكلت على قاعدة إثنية مناطقية، وبعضها على قاعدة أيديولوجية “كتائب الإسلامويين”، وبعضها على قاعدة تعبئة ظرفية مرتبطة بالمعركة “المستنفرين”، ما يعني أن الانتقال من الاستعانة بهذه القوى إلى تفكيك استقلالها وابتلاعها داخل مؤسسة واحدة، يحتاج قراراً سيادياً أعلى من مجرد تصريح.
الصادق أيضا يشير إلى أن المطلوب هو دمج مهني ينتهي إلى مؤسسة وطنية محايدة، وليس ضما شكليا يغير الزي، ويحافظ على الشبكات القديمة داخل الجهاز الرسمي، وشدد على أن الإصلاح الناجح يقتضي مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وخادمة للمواطن. وذكر أن نجاح عملية الدمج يحتاج في البدء إلى تسوية سياسية تحدد طبيعة الدولة نفسها، لأن الجيوش المهنية تُبنى في ظل عقد سياسي واضح، لا في ظل حرب مفتوحة وتحالفات ميدانية متحركة.
وحول أثر القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، على عملية الدمج للمجموعات المحسوبة عليها، يشير عروة إلى أن هنا أثر وخطورة بالغة، لان التصنيف الأميركي، ربط الحركة الإسلامية بكتيبة البراء بن مالك، وأن هذا التطور يعني عملياً أن أي محاولة لدمج مجموعات محسوبة تنظيمياً أو عملياتياً على ذلك التيار ستصطدم بمستويات قانونية ومالية ودبلوماسية، وأي مؤسسة تستوعبهم دون فرز واضح قد تحمل معها عبئاً عقابياً وسياسياً على الدولة السودانية وعلى قنوات تمويلها الخارجية.




















