الأراضي في حرب السودان.. تعديات وتزوير

عاين- 21 يناير 2025

أفرزت الحرب المستمرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023 واقعاً مأساوياً طال “سجل الأراضي القومي”. فمع احتراق وفقدان سجلات عدد من الولايات والمحليات بما فيها العاصمة الخرطوم تفشت ظاهرة التزوير والاحتيال العقاري وسط مخاوف كبيرة وسط السكان من فقدان ملكياتهم من منازل ومحال تجارية، ولم تقتصر عمليات التغول على الأفراد، بل امتد لجهات ذات صلة بالسلطات، الأمر الذي دعا تسجيلات الأراضي لبث مقاطع تحذيرية للمواطنين بعد انتشار جرائم تزوير توكيلات وشهادات بحث بغرض البيع.

“العام 2025 كان عام الانفجار في قضايا الاحتيال العقاري”. يقول المحامي والقانوني، محمد عمر يصف لـ(عاين). ويشرح عمر التعقيدات الفنية قائلاً: “النظام الإداري يعتمد رموزاً مثل (GR) للمنتزهات و (SO) للحجوزات الحكومية. القانون يمنع منعاً باتاً تخصيص المنتزهات للأفراد، لكن ما يحدث الآن هو استغلال لضياع السجلات الورقية والرقمية لنزع قطع من أصحابها الأصليين وتسجيلها لآخرين بمستندات مزورة، ثم تبرير ذلك لاحقاً بأنه خطأ إداري”.

 ويضيف عمر :”غياب المسجل العام وفقدان البيانات في ولايات بأكملها جعل من شراء الأراضي مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث تُباع القطعة الواحدة لأكثر من شخص في وقت واحد”.

مسرح كرري يتحول إلى مول تجاري

في قلب ولاية الخرطوم، وتحديداً في منطقة “كرري” بأم درمان التي ظلت تمثل الحصن الأخير المأهول في ذاكرة مواطني العاصمة، يرتفع مبنى خرساني ضخم ليحل محل حلم ثقافي وُئد في مهدِه قبل أكثر من عشرين عاماً. “مسرح شباب كرري“.

هذه الواقعة ليست مجرد حادثة معزولة، بل هي جزء من عمليات تغول واسعة على الأراضي والساحات العامة من حلفا الجديدة شرقاً وحتى ولاية النيل الأبيض جنوباً.

بدأت قصة مسرح كرري في ذروة تظاهرة “الخرطوم عاصمة الثقافة العربية” عام 2005، وهي الفترة التي شهدت تدفق ميزانيات ضخمة تحت شعارات دعم الهوية والثقافة. كان المسرح يتبع إدارياً لوزارة الشباب والرياضة. يقول المخرج المسرحي، مجدي مكي لـ(عاين): أن” المبنى الذي استغرق تشييده عقدين من الزمان خرج بمواصفات مشوهة؛ عبارة عن صالة مليئة بالأعمدة الخرسانية التي تحجب الرؤية، مما جعله غير صالح للعروض المسرحية الجماهيرية منذ لحظته الأولى.

مكي يشير أيضا إلى أن ميزانية المسرح تعرضت لعمليات تصريف مريبة منذ عهد النائب الأول الأسبق علي عثمان محمد طه، والأمين العام للمهرجان آنذاك، مما أدى إلى إنتاج مبنى مفرغ من قيمته الفنية، استُخدم لسنوات كمجرد “مخزن”، قبل أن يُفاجأ سكان المنطقة بتحويله إلى “مول تجاري”.

في عام 2022، بدأت ملامح “الخصخصة القسرية” تظهر بوضوح. يقول الناشط الاجتماعي عاصم محمد لـ(عاين): “لقد قاومنا هذا التغول بوقفات احتجاجية شرسة، وأجبرنا المحلية حينها على التراجع. لكن في ظل غياب الفاعلين وانشغال الناس بمأساة الحرب الحالية، عادت أيدي الفساد لتفتح المبنى التجاري داخل المسرح، في خطوة وصفت بأنها استمرار لسياسات الحركة الإسلامية الرامية لتدمير منابر الوعي وتشريد المبدعين”. وعندما حاول محرر (عاين)  مقابلة المدير التنفيذي لمحلية كرري لاستفساره حول الأمر، لم يرد على الأسئلة واكتفى بالصمت.

وقفة احتجاجية مناهضة لبيع مسرح شباب كرري 2022- الصورة صفحة حزب المؤتمر السوداني على فيس بوك

ويرى نصر الدين عبدالقادر، رئيس صحيفة “القصة السودانية”، أن ما حدث لمسرح كرري هو حلقة في سلسلة طويلة من عداء الأنظمة الديكتاتورية للثقافة. ويضيف نصر الدين لـ(عاين): “تحويل مسرح كرري إلى مول هو رسالة مفادها أن الاستهلاك مقدم على الوعي. لكن المقاومة الثقافية ظلت مستمرة عبر كيانات عديدة”.

حلفا الجديدة.. ميدان “الحرية” في قبضة السماسرة

على الضفة الأخرى من السودان، وتحديداً في ولاية كسلا، تتكشف وقائع تعدي طالت “ميدان الحرية” بمدينة حلفا الجديدة. الميدان الذي تبلغ مساحته 33 ألف متر مربع، والمُسجل رسمياً كـ “ساحة احتفالات تاريخية”، تعرض لعملية “تقسيم” ممنهجة إلى 179 قطعة أرض استثمارية.

الناشط المدني في المدينة، إبراهيم عبدالله، يضع إصبع الاتهام مباشرة نحو السلطات الولائية، كاشفاً لـ(عاين) عن فارق سعري مرعب يثير الريبة. ويقول: “الحكومة باعت المئة متر مربع بمبلغ 40 ألف جنيه فقط كرسوم، بينما تصل قيمتها السوقية الحقيقية إلى 200 مليون جنيه للقطعة الواحدة. هذا الفارق لم يدخل الخزينة العامة، بل ذهب لجيوب السماسرة الذين استغلوا غياب الشفافية”.

قضية الميدان وصلت إلى ردهات المحاكم، ويقول عبد الله: “في المحكمة تم اكتشاف غياب القرار رقم 190 الذي ادعت السلطات استنادها إليه لتوزيع الميدان. وبناءً على طعون المواطنين، أصدر قاضي محكمة الاستئناف مولانا الحسين أبشر قراراً بحجز الميدان ومنع أي تصرف فيه، في خطوة اعتُبرت انتصاراً أولياً لسيادة القانون. ورغم محاولات وزارة البنى التحتية الولائية فك الحجز، إلا أن المحكمة أصرت على ضم الـ 179 مستفيداً كأطراف في النزاع، لحماية المرفق العام من الضياع النهائي.

النيل الأبيض.. صراعات النفوذ فوق حرم السكة حديد

في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض، لم تتوقف التعديات عند الميادين والساحات العامة، بل امتدت لتشمل أراضي السكة حديد السودانية. كشف عضو في لجان المقاومة لـ(عاين) – فضل حجب اسمه – عن صدور قرارات لتحويل مساحات تابعة للهيئة إلى قطع سكنية. المفارقة هنا أن الإجراءات توقفت ليس بسبب الحرص على المصلحة العامة، بل نتيجة “صراع أجنحة” داخل حكومة الولاية حول من يمتلك الحق في توزيع الغنائم. يحذر المصدر من أن هذا التوقف مؤقت، وأن الأراضي قد تعود إلى منصات البيع بمجرد وصول مراكز القوى داخل السلطة إلى تسوية حول “أنصبة” الاستفادة، في ظل غياب تام لدور الدولة الرقابي. وفقا لعضو لجان المقاومة في المدينة.

المنظور القانوني وشروط “المشروعية

القانوني سمير علي مكين يقول لـ(عاين): أن “المرافق العامة هي ملك للمجتمع، وليست عقاراً خاصاً للمسؤولين”. ويشدد على أن أي تصرف في هذه المرافق يجب أن يستوفي ثلاثة شروط: (أن يستند لقانون، أن يصدر من جهة تملك الاختصاص، وأن يحقق المصلحة العامة حصراً).

ويوضح مكين، أن مصلحة السكان المستفيدين من الميدان أو المسرح تطغى على أي اعتبار استثماري، ويجب عرض أي قرار بالنزع على المحكمة الإدارية لمراقبته. ويختم بقوله: “نزع الأراضي للمصالح الشخصية هو فعل باطل ومرفوض قانوناً، حتى لو حاولوا تغليفه بمصطلحات إدارية مضللة، وعلى المواطنين التمسك بحقهم في الطعن الإداري خلال شهر من علمهم بأي قرار جائر”.

يقول مكين: تظل قضية الأراضي والمرافق العامة في السودان جرحاً ينزف بمرارة الحرب؛ فمن ‘مول الشاعر’ في كرري إلى ‘ميدان الحرية’ في حلفا، ومن أراضي السكة حديد في ربك إلى سجلات الأراضي المحترقة، يبدو أن هناك من يصر على بيع ‘مستقبل السودان’ تحت غبار المعارك. وهذا المسلك ليس جديداً، فقد سبقه الكثير من عمليات بيع المراكز الثقافية والميادين العامة.”

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *