زيادة أسعار الوقود.. هل تحطم إنتاج الغذاء بالسودان؟
عاين- 26 مارس 2026
بينما لم يلتقط السودانيون بمناطق سيطرة الجيش أنفاسهم إثر موجة غلاء لم تتوقف منذ نشوب حرب أبريل 2023، أظهرت بيانات وزارة الطاقة تصاعداً في أسعار المشتقات النفطية، بما في ذلك غاز الطهي والوقود.
ورغم رسو باخرتين محملتين بالوقود في ميناء بورتسودان منتصف مارس الحالي حسب مصدر من عمال هيئة الموانئ متحدثا لـ(عاين) إلا أنه ومع اشتداد الصراع في الشرق الأوسط، ابتدر المتعاملون في الوقود خططاً لرفع الأسعار داخلياً شملت غالبية المدن؛ حيث ارتفع سعر الجالون الواحد من “البنزين” في العاصمة السودانية إلى 21 ألف جنيه صعوداً من 19 ألف جنيه.
ونسفت أسعار الوقود في السودان خلال شهر مارس الجاري كافة الآمال المعلقة بشأن عدم المساس بأسعار السلع الأساسية. وفي هذا السياق، تقول المستشارة المالية في شركة صادرات من مقرها في بورتسودان، رحاب عبد المنعم: “أسعار الوقود لن تتوقف عند هذا الحد، ومن المتوقع أن يصل سعر الجالون الواحد إلى 35 ألف جنيه خلال أشهر قليلة”.
وترجح عبد المنعم، تغيير شركات الملاحة مسارات السفن بعيداً عن مضيق هرمز، الذي يتراوح حالياً بين الاضطراب والإغلاق بفعل التوترات الإقليمية، وهذا يعني زيادة تكاليف التأمين والنقل البحري. مؤكدة أن “هذا الثمن سيدفعه مواطنو البلدان الفقيرة أولاً وأخيراً”. وتعتقد المستشار المالية رحاب عبد المنعم أن تفادي الآثار الوخيمة لأسعار الوقود يكون عادةً عبر امتصاص الضرائب المفروضة على السلع الواردة، وتوسيع المظلة الضريبية أفقياً، وإدخال ثلاثة مشاريع زراعية إلى دائرة الإنتاج بشكل ملموس لتمكين المزارعين من تمويل عملياتهم الإنتاجية.
وتضيف في مقابلة مع (عاين): “تحاول البنية الزراعية والحيوانية استعادة نفسها من آثار الحرب السودان لكن أزمة الوقود وارتفاع الواردات من المواد الخام تشكل صفعة قوية لها”.
وترى المستشار المالية رحاب عبد المنعم أن: “الأسواق في بورتسودان وعطبرة والخرطوم وأم درمان ودنقلا وكسلا وود مدني بدأت في فرض أسعار فلكية على الدقيق والسكر والوقود والمنتجات الحيوانية مثل اللحوم مع ضعف القدرة الشرائية للمواطنين في ظل ارتفاع نسبة الفقر حسب الإحصائية الحكومية للعام الماضي إلى 71%”.
مزارعون على المحك
في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمالي السودان، يُباع جالون الوقود (حوالي 3.6 لترات) بسعر 24 ألف جنيه (ما يعادل 7.5 دولارات أمريكية). وعندما حاول أشرف الزين، وهو مستثمر زراعي، الحصول على 40 جالوناً لتشغيل ماكينة الري أبلغه عامل المحطة أن التكلفة ارتفعت من 800 ألف جنيه إلى 970 ألف جنيه، بنسبة زيادة بلغت 170 ألف جنيه وهذه القفزة حدثت في أسبوع واحد خلال شهر مارس.
يقول أشرف الزين لـ(عاين): “هذا أمر محبط؛ لأن زيادة الوقود تضع سلسلة من القيود على الزراعة. وبينما يحصل موردو الوقود على قيمته مقدماً، سنظل نحن تحت رحمة أسعار المحاصيل المتدنية، مما قد يضطرنا إلى هجر النشاط الزراعي”.
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي محمد إبراهيم أن أسعار الوقود ستلحق ضرراً بليغاً بالزراعة والإنتاج عموماً، بما في ذلك قطاع التعدين، مشيراً إلى أن الحصص التي وزعتها الشركات المستوردة حالياً كانت قد عبرت مضيق هرمز قبل نشوب الصراع الأخير، أي أنها شحنات تعود لما قبل 25 فبراير حين كان سعر البرميل 71 دولاراً.

وتابع قائلاً: “إذا تحدثنا عن شحنات جديدة، فإن سعر البرميل يبدأ من 100 دولار بزيادة قدرها 30%، وهذا سينعكس مباشرة على الزراعة، ويرفع تكلفة إنتاج الفدان من 100 ألف إلى 150 ألف جنيه (ما يعادل 60 دولاراً)”. وأوضح إبراهيم أن الحكومة الاتحادية بما في ذلك الولايات، تفرض رسوماً على واردات الوقود تبدأ من الموانئ وحتى محطات الخدمة بواقع 30% من سعر الجالون.
ويشرح إبراهيم قائلا: “قطاعات متعددة تأثرت بزيادة أسعار الوقود”. مشيرا إلى تصاعد جديد في أسعار الدقيق واللحوم الحمراء والبيضاء على مستوى متاجر البيع بالتجزئة في العاصمة والولايات ما يشير إلى أن الوضع الاقتصادي بعد مارس لن يكون كما كان من قبله”.
شلل الإنتاج
وفي سياق متصل، يقول أحمد الصافي، وهو مستثمر في القطاع الزراعي لـ(عاين): إن “نقل شحنة من البلح أو الفواكه إلى الأسواق الرئيسية أصبح لا يغطي تكلفة وقود الشاحنة؛ حيث تتراوح رسوم النقل بين مليون إلى 1.2 مليون جنيه، بينما لا يتجاوز سعر جوال البلح في موسم الإنتاج 100 ألف جنيه”. ويشير الصافي إلى مفارقة صادمة بأن “الوقود في الشاحنة أصبح أكثر قيمة مالية من شحنة البلح نفسها”، وهو مثال يوضح كيف يقضي الوقود على آمال المزارعين والأسواق معاً.
من جهتها، قللت وزارة الطاقة السودانية، الأربعاء 25 مارس الجاري، من تأثير الزيادات التي طرأت على أسعار الوقود، وذلك خلال تصريحات لممثل الوزير خلال كلمة أمام العاملين بمناسبة العيد بمقرها بالعاصمة. وصرح مصدر حكومي بوزارة الطاقة والنفط في بورتسودان لـ(عاين) بأن التوقعات تشير إلى احتمال انتهاء أزمة الشرق الأوسط منتصف أبريل القادم؛ وبالتالي فإن الانخفاضات المتوقعة في أسعار النفط عالمياً ستنعكس إيجاباً على أسعار المشتقات البترولية في السودان.
وقال المصدر، الذي اشترط حجب اسمه لكونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام: “أسعار الوقود تخضع لآلية العرض والطلب المرتبطة بالسوق العالمي؛ فإذا انخفض النفط عالمياً، سيعود سعر الجالون إلى ما كان عليه قبل، وفق التسعيرة التي كانت سائدة في حدود 17.3 ألف جنيه للجالون”.
صورة قاتمة للقادم
بالمقابل يوضح المحلل الاقتصادي عمر أبشر، أن السودان استورد وقوداً في عام 2025 بقيمة تفوق 1.2 مليار دولار، حيث يعتمد بنسبة 60% على الشحنات القادمة عبر مضيق هرمز. وأضاف أن هذه الأزمة تخلق آثاراً مباشرة على الأسعار في بلد منهك بالصراع المسلح منذ ثلاث سنوات.
وتابع أبشر: “بينما تشير تقارير غير رسمية إلى ارتفاع الإنفاق الحربي للحكومة إلى 100 مليون دولار، تدخل البلاد مرحلة جديدة من الأزمة الاقتصادية المرتبطة باضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط دون تدابير ناجعة”.

وأكمل قائلا: “حسب بيانات البنك المركزي، بلغ العجز في الميزان التجاري لعام 2025 نحو 3.6 مليار دولار، ويتوقع أن يرتفع هذا العام إلى 3.9 مليار دولار حتى لو توقفت الحرب، مما يعني فرض المزيد من الأعباء على الموازنة”.
واختتم أبشر حديثه مع (عاين) بالإشارة إلى أن الموسم الزراعي السابق، رغم قلة مساحته، كان سعر جالون الوقود فيه بحدود 14 ألف جنيه حتى يوليو 2025، بينما قفز في منتصف مارس الجاري إلى 24 ألف جنيه، بزيادة قدرها عشرة آلاف جنيه (ما يعادل 2.9 دولار) للجالون الواحد. ويشدد أبشر على ضرورة “تكييف” السياسات الاقتصادية في السودان مع الأزمة التي نشبت بالشرق الأوسط مشيراً إلى أن العالم اقتصادياً وتجارياً لن يكون كما كان قبل نهاية فبراير 2026.
الغذاء في مهب الريح
ويفيد المستشار السابق لدى منظمة دولية معنية بالتنمية الزراعية، أحمد كارم (عاين)، بأن زيادة تكاليف الوقود تسببت في تفاقم أسعار الغذاء في السودان منذ عام 2022 بصورة تتكرر كل ثلاثة أشهر.
ويرى كارم، أن الأزمة المتوقعة في أسعار الغذاء، سواء المنتج محلياً في السودان أو المستورد، لا تقتصر على الوقود فحسب، بل تمتد لتشمل الأسمدة؛ حيث تُشير التوقعات إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الفدان الواحد بواقع 25 إلى 30 دولاراً أمريكياً. وأوضح أن الأضرار تقع بشكل مباشر على المشاريع الزراعية في ولايات الشمالية، والجزيرة، ونهر النيل، والقضارف.
ويعتقد كارم، أن الخيار الوحيد لامتصاص “صدمة الوقود” المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط يتمثل في سحب الحكومة السودانية للرسوم المفروضة على المشتقات النفطية والتي تصل إلى 30%، والتوجه نحو التعاقد المباشر مع الحكومات في الدول المنتجة، بدلاً من الاعتماد الكلي على شركات القطاع الخاص التي وصف أنشطتها بـ”الرمادية”.
كما حذر أحمد كارم، من أن الزيادات التي وصفها بـ”التضخمية” في أسعار الوقود بالسودان تنعكس سلباً على الإنتاج الحيواني والزراعي معاً، موضحاً أن أسعار اللحوم شهدت بالفعل زيادات بنسبة 30% خلال الأسبوعين الماضيين في العاصمة والولايات.
وقال كرم الله مختتماً إفادته: “الأرض مرتبطة بالحيوان والغذاء؛ وما لم تضع الحكومة سياسات محفزة، سيجد قرابة 200 ألف مزارع في الشمالية ونهر النيل والقضارف والجزيرة أنفسهم خارج دائرة الإنتاج والغذاء المنتج في البلاد لا يمكن التقليل منه؛ لأنه يتدخل مباشرة في توفير الطعام لحوالي 25 مليون شخص”.































