من حرَّك سُكُون شرق السودان؟

عايَن- 7 يناير 2025

بعد سنوات من الهدوء، عاد شرق السودان إلى واجهة المشهد العام، عقب إعلان تحالف من خمس حركات مسلحة للمطالبة بحقوق الإقليم السياسية والاقتصادية والتلويح بالتصعد لانتزاع تلك الحقوق، في تطور يفتح الباب أمام جبهة جديدة من الاضطرابات في البلاد التي تعيش بالفعل تحت وطأة حرب مدمرة، وهو ما يطرح تساؤلاً بشأن الدوافع الفعلية لهذه التحركات ومن يقف خلفها.

ونهاية ديسمبر الماضي، وقعت الحركات الخمس وهي: مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، والحركة الوطنية للعدالة والتنمية برئاسة محمد طاهر بيتاي، وحركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم دنيا، وحركة الأسود الحرة بقيادة محمد صالح عابد، والجبهة الوطنية لشرق السودان، ميثاق “تحالف شرق السودان”، نص على حيادها في الحرب الحالية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وعدم الانخراط فيها، مع الاستعداد للدفاع عن شرق السودان، وحكمه.

ويطالب التحالف بسودان موحد يدار بالحكم الفيدرالي، ورفع المظالم التاريخية لإقليم شرق السودان، والوفاء بالحقوق السياسية والاقتصادية بتقاسم السلطة والثروة، وتحقيق التنمية في الإقليم.

وخلال مراسم توقيع الميثاق بمنطقة همشكوريب في ولاية كسلا يوم 27 ديسمبر الماضي، قال رئيس حركة تحرير شرق السودان، إبراهيم دنيا إنهم “لن ينخرطوا في حرب لم يُشعلوها، وأن حركته تدربت من أجل حماية شرق السودان وموارده، ولن تسمح بتحويله إلى ساحة للقتال والفوضى خدمة إلى أجندات خارجية”.

وأبدى دنيا يومها معارضته إلى فكرة تفتيت البلاد، وقال: إنه “يدعم وحدة السودان وجهود تحقيق السلام، وبخلاف ذلك فهو سيمضي في اتجاه حكم أهل الشرق لإقليمهم مع امتلاكهم جيوش جرارة قادرة على انتزاع الحقوق بالقوة، وهي تصريحات أثارت جدلاً وتفاعلاً واسعاً على الصعيد المحلي والإقليمي”.

فك الارتباط

وشكلت هذه التصريحات والحشود، نقطة توقف في المشهد السوداني لما عكسته من تحول في مواقف تلك الحركات التي نشأت اثنين منها (حركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم دنيا، والحركة الوطنية للعدالة والتنمية بزعامة سليمان بيتاي) بالتزامن مع اندلاع الحرب الحالية، وبالتنسيق مع الجيش، واعتبرت وقتها حليفاً له، كما أن جميع هذه الحركات دربت قواتها، وعززتها من داخل الأراضي الإريترية، التي يعتبر رئيسها أسياس أفورقي أحد أقوى حلفاء حكومة الجيش.

جمعنا تحالفاً أمنياً مع الجيش وليس سياسياً، ولا ننوي فك الارتباط معه أو مواجهته، لكن نصعد بالنقد السياسي لتحقيق مطالبنا المشروعة

عضو بحركة تحرير شرق السودان

ومع تساؤلات عديدة بشأن مغزى هذه التحركات، ومن يقف خلف إشعال جبهة شرق السودان، فإن واقع الاضطراب والخلافات المبطنة وسط معسكر السلطة في بورتسودان، تكشف بعضاً من ملامح المعادلة التي بصدد أن تتشكل، والتي ليس من بينها فك الارتباط بين تحالف حركات شرق السودان والجيش، وهو ما يؤكده عضو حركة تحرير شرق السودان التي يقودها إبراهيم دنيا، جعفر صالح لـ(عاين).

ويقول صالح: إن “ما يربطهم مع الجيش ليس تحالفاً سياسياً وإنما حلف عسكري أمني لحماية إقليم شرق السودان، وبعد أن تطاول أمد الحرب وتوقف العديد من المشروعات في الإقليم رأوا ضرورة تصعيد ما أسماه بالنقد السياسي في سبيل سعيهم لتحقيق المطالب المشروعة لسكان شرق السودان، ولكن ليس بالضرورة أن يكون تصعيدهم الأخير إعلان مواجهة ضد مؤسسة الجيش.

مقاتلون من قوات حركة تحرير شرق السودان- ولاية كسلا- مايو 2024- الصورة مواقع التواصل الاجتماعي

ورأى صالح، احتمالية أن تتوافق تحركاتهم مع رغبات بعض مراكز السلطة في بورتسودان خاصة فيما يتعلق بدعم تحقيق السلام ووقف الحرب وتعزز موقفهم، لكن في حقيقة الأمر، فإن خطواتهم الأخيرة انطلقت من إرادة ذاتية لتحقيق المطالب وهي وحدة البلاد وتطبيق نظام حكم فدرالي، قائلاً “إن كنا نقاتل، فسنقاتل لوحدة شرق السودان وليس انفصاله”.

وتزامن التصعيد في شرق السودان، مع ضغط دولي وإقليمي واسع خاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للدخول في هدنة إنسانية ووقف شامل لإطلاق النار في البلاد، وسط ترجيحات حول نية قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مسنوداً بتيار من الإسلاميين الانخراط في تسوية سلمية تضمن له الاستمرار في الحكم، في مقابل تيار إسلامي آخر يقوده الرئيس السابق عمر البشير، رافضاً لوقف القتال، وهو يستند إلى جهاز الأمن والمخابرات كمصدر قوة.

كما جاءت تحركات شرق السودان في توقيت يشهد ترويج واسع من بعض الواجهات الإعلامية المحسوبة على الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش، لنية البرهان حل مجلس السيادة وإقالة رئيس الوزراء كامل إدريس من منصبه، تمهيداً لمرحلة جديدة، وفي مقابل ذلك تراجعت وتيرة التصعيد العسكري العالي من جانب الجيش، مع فقدانه بعض المواقع الهامة في إقليم كردفان.

تصعيد مرتقب

ورغم حدة الخطابات لم يتعرض قادة حركات شرق السودان إلى أي تضييق أو محاولة اعتقال مما يعزز ارتباطهم ببعض مراكز القوى في سلطة الجيش. وعلمت (عاين) من مصادر مطلعة أن رئيس حركة تحرير السودان إبراهيم دنيا، غادر إلى إريتريا فور نهاية الاحتفال الذي تحدث فيه بقوة، لكنه سيعود خلال الأسبوع الحالي، وإعلان خطة تحمل مزيدا من التصعيد.

ولم يُوجه قادة حركات تحرير شرق السودان، بما في ذلك إبراهيم دنيا خلال الاحتفال السابق، أي انتقادات مباشرة للجيش والاستخبارات العسكرية التابعة له، وانصب تركيزهم على مهاجمة جهاز الأمن والمخابرات، وممارسات الحكومة في بورتسودان، لدرجة وصفها بـ”سلطة الأمر الواقع” وهو توصيف كانت ترفضه قيادتها بشدة على الدوام.

ويفسر مقرر المجلس الأعلى لنظارات الشرق والعموديات المستقلة، عبد الله أوبشار خلال مقابلة مع (عاين) تركيز الهجوم على جهاز الأمن والمخابرات بسبب تبنيه الحلول الأمنية للقضايا في البلاد وقمعها، بخلاف الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش التي لا تبرز إلى السطح في المسائل السياسية.

ربما تستفيد جهات في السلطة من حراك شرق السودان، مثلما استفاد الإسلاميون من المجلس الأعلى لنظارات الشرق والعموديات المستقلة بقيادة الناظر محمد الأمين ترك وجعلوه يعمل لصالحهم

عبد الله أوبشار- قيادي بشرق السودان

ويقول أوبشار، وهو كان جزءا من ميثاق تحالف شرق السودان، “نحن تحركنا في الأساس لمواجهة عقلية الحلول الأمنية وتمييع القضايا، ومبدأ عطية المزين بعدما تأكدنا أنه في هذا الوقت لا يُسمع إلا للصوت العالي والبندقية. ربما تستفيد جهات في السلطة من حراك شرق السودان، مثلما استفاد الإسلاميون من المجلس الأعلى لنظارات الشرق والعموديات المستقلة بقيادة الناظر محمد الأمين ترك وجعلوه يعمل لصالحهم”.

ويضيف: “الحكومة موجودة في الشرق لثلاث سنوات، ولم تقدم أي مشروع تنموي، ولم تدفع برؤية لحل المشكلات التاريخية التي نعيشها بما في ذلك مياه الشرب، وظلت تنهب مواردنا أمام عينا، وكل نصيبنا فيها وزير داخلية. الشرق هو المنطقة الوحيدة التي تدار بشمولية وحكام عسكريين، لماذا لا يُحكم بنظام الإقليم مثل دارفور والنيل الأزرق، وحكام مدنيين كباقي السودان؟.. كانت السلطة المركزية تراهن على عدم اتفاق أهل الشرق والاستثمار في خلافاتهم لقتل حقوقهم، لكن الآن توحدنا وتحركنا بإرادتنا لانتزاع حقوقنا”.

خلافات مصنوعة

وليس ببعيد من ذلك، يرى الباحث في شؤون شرق السودان، يونس الأنصاري، أن الحركات التي وقعت ميثاق شرق السودان، نشأت وتطورت بتنسيق من الجيش الذي يسيطر الإسلاميون على مفاصله، وكان هدف الجيش احترازياً يرمي للسيطرة على الإقليم من خلال المكونات الموجودة فيه وكسب ولاء سكان، بينما كان الهدف الفعلي لهذه الحركات هو استغلال مناخ الاستنفار والتسليح بغرض الاستقواء على بعضها البعض في سياق الصراع الداخلي في الإقليم.

جنود يتبعون لقوات حركة تحرير شرق السودان- مايو 2024

لكن وفق الأنصاري الذي تحدث مع (عاين)، أن الحركات اكتشفت عدم وجود أي خلافات بينها ولا صراع نفوذ أو حدود أو أراضي بين المكونات الاجتماعية التي تقيم في الإقليم، وأن الخصومة الموجودة مصنوعة وعداء بالصدفة سببه السلطة المركزية، مما دفعهم إلى رفض الانخراط في الحرب والاتفاق حول قضاياهم المحورية، والتي أساسها المطالبة بالحكم الفيدرالي.

ويرى الأنصاري، وجود اتفاق جميع مكونات شرق السودان على هذه المبادئ بما في ذلك المجلس الأعلى لنظارات الشرق، برئاسة الناظر محمد الأمين ترك، والأورطة الشرقية بقيادة الأمين داؤود، هما يقفان مع نظام الإسلاميين نتيجة مصالح أو خوف من الآلة الإعلامية، لكنهما يدعمان التحركات الأخيرة لميثاق تحالف شرق السودان.

ويشدد على أن خطورة الوضع في الشرق أنه من أقاليم الحواف، وإذا قرر المغادرة سيقطع جزءاً من الوطن، لكن الأمر الإيجابي أن تلك الحركات لم تطرح أي رؤية انفصالية، بل شددت على وحدة السودان، كما أنها لا تخطط إلى فك الارتباط مع الجيش كمؤسسة نسقت صعودها، أو الدخول في حرب معه، وربما تمضي الأوضاع في صراع سياسي، يكون على حساب قوى دون الأخرى في أسوأ السيناريوهات خلال المدى القريب.

وتسبب تصعيد تحالف الحركات الخمس، في خلق مزاج عام في شرق السودان للتوحد والالتفاف حول المطالب المطروحة، وتجاوز الخلافات الداخلية بين المكونات الاجتماعية، حيث شهدت المنطقة قتالاً أهلياً متكرراً كان الأعنف في عام 2019م، لكن ظلت المخاوف حاضرة من أن تكون هذه المجموعات المسلحة تتحرك لخدمة أحد تيارات سلطة الجيش في بورتسودان، وإضاعة المطالب الحقيقية للشرق وسط هذه التجاذبات.

ضد الإسلاميين

وبالنسبة إلى أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، د. صلاح الدومة فإن الحركات المسلحة في شرق السودان نشأت وترعرت تحت رعاية وأموال نظام الإسلاميين “الكيزان”، لكن الآن تم توحيدها في ميثاق “تحالف شرق السودان” بواسطة جهات داخلية وخارجية لمواجهة الكيزان أنفسهم، مما يعني أن السحر انقلب على الساحر – حسب وصفه.

الاستخبارات العسكرية للجيش هي من تحرك المجموعات المسلحة في شرق السودان بغرض خدمة (البرهان)

محلل سياسي

ويقول الدومة في مقابلة مع (عاين): فإنه أن “أحد تيارات سلطة الجيش في بورتسودان ربما تيار البرهان نفسه يحرك هذه الحركات لمواجهة الإسلاميين، كذلك لا أستبعد أن تكون جهات دولية وإقليمية قرأت الساحة، ووجدت حركات شرق السودان وجعلتها تعمل ضد الإسلاميين أيضاً.

 من جهته، يرى المحلل السياسي صلاح حسن جمعة أن الاستخبارات العسكرية للجيش هي من تحرك الحركات المسلحة في شرق السودان في الوقت الراهن، بغرض خدمة البرهان المسنود من بعض تيارات الإسلاميين، فهو يهدف إلى تعزيز سلطته وهندستها بما يتوافق مع المرحلة، حيث ينوي حل مجلس السيادة الذي يعتبره معيقا لبعض توجهاته المحلية والدولية، وقبل ذلك يتمكن من احتواء شرق السودان كمقر آمن لسلطته عن طريق صناعة شخصيات مثل إبراهيم دنيا وتسويق كبطل محلي للالتفاف حوله.

ويشير جمعة في مقابلة مع (عاين) خطوة تلميع إبراهيم دنيا، جاء بعدما استنفذت مجموعة الناظر الأمين ترك أغراضها، وسينتهي المطاف بإبراهيم دنيا بتمثيله في أحد مستويات السلطة، ويتم احتواء مطالب أهل شرق السودان، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *