الأبيض.. مدينة تقاوم حصار (3) سنوات من الحرب
عاين- 13 أبريل 2026
يطلُّ الخامس عشر من أبريل 2026 كشاهدٍ على ثلاث سنوات من حصار مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان أواسط السودان، وتحولها إلى ساحة صراع استراتيجي لم يهدأ فيها “أزيز” الرصاص ودوي المدافع وهجمات الطيران المسير.
وتعرضت المدينة، ولا سيما أحياؤها الغربية والجنوبية، لقصف مدفعي وجوي مكثف وممنهج تجاوز الخمسين مرة خلال نحو 3 أعوام من الحرب، تراوح بين الاشتباكات المباشرة والقصف العشوائي الذي استهدف الأعيان المدنية. ومع دخول الحرب عامها الثاني، برزت “المسيرات” ككابوس جديد؛ وطالت الهجمات الجوية عبر المسيرات بشكل مباشر محطة الكهرباء التحويلية، والمستشفيات، والمنظومات الدفاعية وسط الأحياء المأهولة.
خلف هذا العنف المسلح حصيلة دموية ثقيلة؛ حيث تشير تقديرات غرف الطوارئ والمنظمات المحلية إلى سقوط ما لا يقل عن 450 إلى 600 قتيل من المدنيين، فضلاً عن آلاف الجرحى الذين واجهوا نقصاً حاداً في الرعاية الطبية. لم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل صرخة لمدينة تعيش تحت وطأة “الموت القادم من السماء” وحصار الأرض الخانق.
رغم هذه الظروف القاسية، شهدت المدينة موجات نزوح متعاقبة خلال الأعوام الثلاثة الماضية ضاعفت من حدة الضغوط على مواردها. وبحسب الناشطة الاجتماعية، أمل خليل لـ(عاين)، فقد تفاقم الوضع عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بشمال دارفور ومناطق بغرب كردفان، لا سيما مدينة النهود ومحلية القوز. وتقدر غرفة طوارئ المدينة أن أعداد النازحين في الأبيض قد تجاوزت الآن حاجز الـ 700 ألف نازح.
وتعيش المدينة عزلة وواقع إنسانياً معقداً، وتقول عضوة غرفة طوارئ مدينة الأبيض، وعد وليد، في مقابلة مع (عاين): أن “إغلاق الطرق الرئيسية الحيوية وعلى رأسها طريق (بارا–الخرطوم) وطريق كادوقلي فرض على المدينة عزلة شبه كاملة. وانعكست هذه العزلة مباشرة على سبل العيش والخدمات الأساسية، حيث يواجه السكان ارتفاعاً جنونياً في أسعار السلع الأساسية نتيجة انقطاع الإمدادات وشلل حركة النقل”.
شلل اقتصادي وانهيار لقطاعات الإنتاج
في ذات السياق، تتفق الناشطة أمل خليل مع ما ذهبت إليه “وعد” في أن هذا الحصار حوّل سوق المحاصيل —القلب النابض للمدينة— إلى حالة من الركود الحاد، نتيجة تداخل قيود الحصار مع تراجع معدلات الإنتاج. وأوضحت خليل أن خروج كبار الموردين من دائرة النشاط، بعد نهب بضائعهم وتدمير مزارعهم في أطراف المدينة، أدى إلى ندرة حادة في السلع الأساسية.
ولم يتوقف هذا التآكل عند حدود التجارة فحسب، بل امتد ليشمل قطاعي الاستثمار والصناعة؛ حيث آثر المستثمرون الفرار برؤوس أموالهم خشية اتساع رقعة المواجهات، مما أدى إلى توقف عجلة الإنتاج المحلي تماماً.
“شهدت المدينة اختفاءً شبه كامل لمنتجات الألبان والدواجن خلال العامين الماضيين، إثر سيطرة القوات العسكرية على المزارع الطرفية وتدميرها”. تقول أمل خليل لـ(عاين). وتؤكد، أن هذا القطاع “انتهى تماماً”، لدرجة أن ظهور “الدجاج اللاحم” في الأسواق مؤخراً بات يُعد حدثاً استثنائياً ونادراً بعد حرمان طويل.
هذه المعاناة تفاقمت مع بروز أزمة “السيولة النقدية” التي جعلت من الحصول على “الكاش” لتسيير الشؤون اليومية معضلة قائمة بذاتها. وتوازى هذا الانعدام النقدي مع حصار منع دخول أبسط المنتجات الحيوية مثل اللبن والصابون، مما دفع السكان للبحث عن بدائل مكلفة، كاستيراد الصابون من جنوب السودان بأسعار خرافية لتعويض غياب المصانع المحلية.
وتربط خليل بين انقطاع الطرق الرئيسية وأزمة “مركزية الإنتاج”؛ حيث قفزت أسعار المحروقات إلى مستويات غير مسبوقة، فوصل سعر جالون الجازولين إلى 35 ألف جنيه، والبنزين إلى 28 ألفاً. هذا الغلاء الفاحش انعكس طردياً على تكلفة النقل ومعيشة المواطن، إذ تضطر الشاحنات لسلوك طرق بديلة وعرة وطويلة، مما رفع أسعار السلع التموينية إلى أرقام تفوق القدرة الشرائية للسكان الذين يعانون أصلاً من انقطاع المرتبات منذ أشهر طويلة.
التجارة والزراعة.. صراع البقاء
ومن داخل سوق الأبيض، يشير التاجر فخري محمد، لـ(عاين)، إلى أن الأوضاع الاقتصادية تدهورت تدهوراً حاداً؛ حيث يرزح التجار وصغار المنتجين تحت وطأة الجبايات والضرائب الباهظة التي تزامنت مع ندرة المحاصيل. ويرى محمد أن دخول قوات الدعم السريع إلى منطقة “النهود” تسبب في خروج عدد كبير من التجار من السوق بعد خسارة بضائعهم، مما أضعف حركة الصادر التي لم تعد بالزخم الذي كانت عليه سابقاً.
أما قطاع الزراعة -وبحسب مزارعين- فقد شهد تراجعاً كبيراً نتيجة نزوح أغلب المزارعين من المناطق الواقعة غرب وشمال غرب المدينة إلى داخل الأبيض. واقتصرت المساحات المزروعة حالياً على كميات ضئيلة بالكاد تفي بالاستهلاك المحلي، وسط تحديات جسيمة في النقل؛ حيث يعتمد المزارعون على “التكاتك” وعربات “الكارو” ويواجهون مضايقات أمنية وتعقيدات إجرائية عند جلب محاصيلهم من خارج المدينة.
ورغم هذا السواد، لم يستسلم إنسان الأبيض؛ بل استنبط حلولاً من رحم المعاناة. وتؤكد وعد وليد لجوء الأسر لـ “الجبركات” (الزراعة المنزلية) لتأمين الخضروات وتقليل الاعتماد على الأسواق. وفي قطاع المياه، تروي أمل خليل نجاح مبادرة “3 في 1” التي جمعت بين المجتمع والخيرين والحكومة لحفر الآبار، والاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيلها في ظل غياب الكهرباء.العطش والظلام.. استهداف البنية التحتية
وإلى جانب الأزمة الغذائية، تشير وعد وليد إلى أن المدينة تعاني أزمة حادة في خدمات المياه والكهرباء، تفاقمت بسبب استهداف البنية التحتية وخروج المحطات والخطوط الناقلة عن الخدمة. وتذكر وعد أن المدينة، التي كانت تعتمد على مصادر خارجية من مناطق مثل “بارا” و”ود بندة”، اضطر سكانها للعودة إلى حفر الآبار الجوفية وصيانة المضخات القديمة لتوفير الحد الأدنى من المياه.
كما لفتت إلى أن الانقطاع التام للكهرباء —الناجم عن استهداف المحطات بالمسيرات— ألقى بظلال خطيرة على الحياة اليومية، خاصة فيما يتعلق بتشغيل مضخات المياه وحفظ الأدوية الحساسة مثل “الأنسولين” وأمصال صحة الأم والطفل؛ ما أدى إلى تلف كميات كبيرة من الأدوية، وفاقم من معاناة الحوامل ومرضى الأمراض المزمنة.
تؤكد وعد وليد أن الأزمات الخدمية ألقت بظلال قاتمة على الوضع الصحي في مدينة الأبيض؛ إذ واجهت المستشفيات ضغطاً هائلاً جراء جلب المصابين من المناطق المجاورة، وتفشي الأمراض وسط النازحين. هذا التدهور جاء متزامناً مع خروج عدد كبير من المرافق الصحية عن الخدمة نتيجة نقص الإمدادات الطبية وانقطاع الكهرباء، مما جعل الحصول على علاج للأمراض المزمنة معركة يومية، خاصة مع فساد الأدوية الحساسة كالأنسولين.
ولم يتوقف الأمر عند الجسد، بل امتد لينهش الصحة النفسية للسكان الذين يعيشون تحت ضغط هائل وفقدان لأبسط مقومات الحياة، يرافقه شعور دائم بالقلق وعدم الأمان. كما أوضحت وعد أن هذا الشلل طال قطاع التعليم أيضاً، حيث تعطلت الدراسة في أحايين كثيرة نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية، وانشغال الأسر بمهمة “البقاء على قيد الحياة” وتأمين الاحتياجات الأساسية.
المواطن بين فكي الحصار والانتهاكات
في ظل هذا الضيق المعيشي، تبرز المضايقات الأمنية كعائق إضافي لحياة المدنيين في المدينة. ويشير الخبير القانوني صالح عثمان، للواقع الحقوقي منذ انطلاق الشرارة الأولى في أبريل 2023. ويوضح عثمان، أن الحصار المحكم الذي فرضته قوات الدعم السريع في البداية قد انحسر تدريجياً ليتركز في اتجاهات محددة، لكن الانتهاكات لم تتوقف، وشملت الاعتقال والقتل والنزوح القسري.
ويكشف عثمان، عن تحدٍّ جديد يتمثل في “تعدد الجيوش” داخل المدينة، من قوات مسلحة ومشتركة وكتائب البراء وخلايا أمنية، مؤكداً أن هذا التعدد لم يحقق الاستقرار، بل أنتج جرائم بحق المدنيين، من حوادث دهس وتهديد وسرقة ممتلكات في الشوارع العامة دون مساءلة. كما يشير إلى انتهاكات جسيمة وصلت لحد العنف الجنسي، رغم صدور أحكام بالسجن المؤبد في بعض الحالات الموثقة.
ويستطرد عثمان واصفاً الوضع القانوني بـ “المختل”، حيث انتشرت مراكز الاحتجاز غير القانونية التابعة لجهات متعددة بعيداً عن سجلات الشرطة الرسمية. ويكشف عن ممارسات ابتزاز مالي، حيث يُقبض على مدنيين بتهمة “التعاون” ثم يُساومون على مبالغ ضخمة مقابل حريتهم، كما حدث مع الأستاذ (خلف الله حسين) الذي ابتُز لدفع 4.5 مليون جنيه سوداني. ويختتم عثمان حديثه بالإشارة إلى مأساة “المحاكمات المضحكة”، حيث وُجهت تهم “تقويض النظام الدستوري” لطفلتين لا تدركان ماهية هذا المفهوم، في ظل بيئة قانونية غير مستقرة تفتقر لأبسط معايير الأمان.




















