عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.. نص القانون وتوازنات السياسة الإقليمية

عاين-16 نوفمبر 2026  

لم يكن تمسّك مجلس السلم والأمن الأفريقي بالإبقاء على تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي إعادة لتأكيد لقرار سابق فقط ، بل كشف عن طبيعة معقّدة لصناعة القرار داخل المجلس؛ حيث يتقاطع الإطار القانوني الرافض للتغييرات غير الدستورية مع حسابات سياسية إقليمية وتحالفات متحركة بين الدول الأعضاء. وبينما يستند القرار رسميًا إلى قواعد الاتحاد، فإن مسار التوافق الذي أنتجه يعكس توازنات دقيقة داخل مؤسسة إقليمية تسعى إلى تجنّب الانقسام العلني.

والخميس الماضي،  تمسك مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، بتجميد عضوية السودان في التكتل القاري. ومنذ 25 أكتوبر 2021، ظل تعليق عضوية السودان قائمًا استنادًا إلى مبدأ رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات، وهو مبدأ تأسس عليه النظام القاري بعد عقود من الانقلابات العسكرية في أفريقيا. لكن آلية تثبيت هذا الموقف داخل المجلس لا تقوم عادة على التصويت بالأغلبية، بل على التوافق السياسي، تجنبًا لخلق استقطابات قد تُضعف تماسك المؤسسة.

وحالة السودان، رغم أنها ليست سابقة في تاريخ الاتحاد، تحمل تعقيدًا خاصًا بسبب الجدل حول طبيعة ما جرى: هل هو انقلاب كامل على

النظام الدستوري أم إعادة تشكيل داخل السلطة القائمة؟ هذا الخلاف في التوصيف القانوني انعكس على مواقف الدول الأعضاء، ووسّع دائرة التباين داخل المجلس.

في المقابل، لا تُفهم القرارات داخل المجلس بمعزل عن شبكة التحالفات الإقليمية والمصالح المتقاطعة بين الدول المؤثرة في القارة. فالتحالفات لا تُبنى على أسس جغرافية صلبة بقدر ما تتشكل وفق حسابات ظرفية. ورغم أن المبدأ القانوني يظل حاضرًا بقوة، فإن استمرارية التعليق تبدو أيضًا نتاج توازنات سياسية دقيقة.

ويبقى السؤال :هل يمثّل القرار دفاعًا مؤسسيًا صارمًا عن قاعدة رفض الانقلابات، أم أنه انعكاس لحسابات إقليمية تحاول منع سابقة قد تعيد فتح الباب أمام موجة جديدة من التغييرات غير الدستورية في القارة؟

وفي ذلك أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية محمد تورشين: “أن آلية اتخاذ القرار داخل المجلس تقوم في الغالب على التوافق بين الدول الأعضاء، وليس على التصويت بالأغلبية.

وشهدت اجتماعات مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، المنعقدة في أديس أبابا خلال الأسبوع الثاني من فبراير 2026، انقسامًا واضحًا حول ملف السودان. ففي حين دفعت مصر، التي ترأست المجلس في دورته الحالية، وبدعم من الجزائر، نحو إنهاء تجميد عضوية السودان وإعادته إلى مؤسسات الاتحاد باعتبار ذلك خطوة داعمة لجهود السلام، تمسكت غالبية الدول الأعضاء بالإبقاء على التعليق ورفضت إعادة طرح مسألة إنهائه.

واستندت الدول الرافضة لرفع التجميد إلى أحكام المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي وإعلان لومي لعام 2000، اللذين يحظران مشاركة الحكومات التي تصل إلى السلطة عبر تغييرات غير دستورية، في ظل استمرار تداعيات انقلاب 25 أكتوبر 2021. ورغم عدم التوصل إلى توافق بشأن إعادة العضوية، أكد المجلس في بيانه الختامي رفضه الاعتراف بأي “حكومة موازية” في السودان، مشددًا على أن استعادة المسار المدني الديمقراطي تظل شرطًا أساسيًا لعودة الخرطوم إلى مقعدها داخل الاتحاد.

وأشار تورشين في حديثه لـ «عاين»، إلى أن: “اللجوء إلى التصويت يعتبر أمراً نادراً، لأن تمرير القرارات بالأغلبية قد يفتح الباب أمام تكتلات واستقطابات داخل مؤسسة وصفها بأنها “هشة” بطبيعتها، ما قد يعقّد عملها ويضعف تماسكها. لذلك تُدار الخلافات عبر التوافق السياسي أكثر من الحسم الإجرائي”.

إعلان لومي

وفيما يتعلق بالحالة السودانية، أكد أن: “المجلس يستند من الناحية القانونية إلى “إعلان لومي” الرافض للتغييرات غير الدستورية، والذي يجيز تعليق عضوية الدولة المعنية ومنعها من المشاركة في أنشطة الاتحاد”. لكنه أشار إلى أن السودان ليس حالة فريدة، إذ سبق أن عُلّقت عضوية دول أخرى في ظروف مشابهة. غير أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في الجدل حول طبيعة ما حدث: فهناك من اعتبره تغييرًا داخل النظام السياسي نفسه، بينما ترى أطراف أخرى أنه انقلاب على الوثيقة الدستورية، ما يجعل عودة السودان غير ممكنة قبل معالجة هذا الخلل الدستوري. هذا التباين في التوصيف القانوني أسهم في اتساع الخلافات داخل المجلس.

اعتبارات سياسية وإقليمية

ويرى تورشين: “أن استمرار تجميد عضوية السودان لا يخضع للنصوص القانونية وحدها، بل يتأثر أيضًا باعتبارات سياسية وإقليمية. فالتحالفات داخل المجلس لا تقوم على أسس جغرافية ثابتة (شمال/غرب/شرق أفريقيا)، بل على شبكات مصالح متقاطعة بين دول مؤثرة مثل مصر وجنوب أفريقيا، نيجيريا، الجزائر، إثيوبيا، كينيا والمغرب” وفقاً لقوله. وأوضح أن: “معظم الدول تميل إلى دعم عودة السودان، لكن دولًا بعينها — خاصة إثيوبيا وكينيا — تتخذ مواقف أكثر تحفظًا، في ظل ثقل إثيوبيا داخل هياكل الاتحاد” حسب قوله.

وبشأن سوابق الاتحاد في دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا، أشار إلى أن: “استعادة العضوية تسلك عادة أحد مسارين: إما إجراء انتخابات تُعترف بنتائجها إقليميًا وأفريقيًا، كما حدث في غينيا، أو التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يمهّد لانتقال معترف به. ما يعني أن رفع التعليق يرتبط بوجود مسار سياسي واضح يعالج أصل التغيير غير الدستوري.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان

وفي تقييمه للتفاعل بين المبادئ القانونية والاعتبارات السياسية، شدد تورشين على أن: “القيادة الأفريقية تعتبر مسألتين غير قابلتين للتهاون: رفض التغييرات غير الدستورية، والحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار”. ويرى أن: “أي تراجع في هذين المبدأين قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الانقلابات أو نزاعات إعادة ترسيم الحدود، بما يهدد استقرار القارة”. لذلك، حتى في ظل الحسابات السياسية، يبقى الإطار المبدئي حاضرًا بقوة في قرارات المجلس، وإن كانت طريقة تطبيقه تخضع لموازين القوى داخل المؤسسة.

قواعد معتمدة

من جهته أوضح مدير المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام محمد بدوي: “أن قرار التعليق مرتبط مباشرةً بأحداث 25 أكتوبر 2021، والتي اعتبرها الاتحاد الأفريقي تغييرًا غير دستوري للحكم، ما يترتب عليه — وفق القواعد المعتمدة — تعليق مشاركة الدولة المعنية في أنشطة وأجهزة الاتحاد”.

وأشار في حديثه لـ «عاين» إلى “أن أثر التعليق لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يحرم السودان من أدوار إقليمية مؤثرة داخل المنظومة الأفريقية”.

ولفت إلى أن “السودان، قبيل التعليق، كان يتولى رئاسة الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، ما منحه موقعًا تفاوضيًا مهمًا في قضايا إقليمية، إلا أن التعليق أفقده هذا الحضور وأعاد تموضعه داخل القارة إلى موقع أضعف سياسيًا”.

وأضاف أن غياب السودان عن مؤسسات الاتحاد أثّر كذلك على ملفات إقليمية حساسة، مشيرًا إلى مثال أزمة سد النهضة، حيث أدى التعليق إلى تقليص قدرة الخرطوم على التأثير في مسار النقاشات داخل الأطر الأفريقية، خاصة في ظل محاولات سابقة لإحالة الملف إلى أطر دولية قبل أن يعود إلى مظلة الاتحاد.

الغياب يحد من قدرة الخرطوم

وبشأن البعد السياسي، اعتبر بدوي: “أن قرار التعليق يتجاوز الإطار القانوني ليؤثر في شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بالحرب الدائرة في السودان حاليًا، إذ إن غياب الخرطوم عن أجهزة الاتحاد يحدّ من قدرتها على بناء مواقف داعمة أو التأثير في التوازنات داخل المؤسسة القارية”.

وأكد مجلس السلم والأمن في اجتماعه الأخير، التزام الاتحاد الأفريقي بسيادة السودان ووحدته الوطنية، معبرًا عن قلقه تجاه استمرار النزاع المسلح وما نتج عنه من خسائر في الأرواح وتدمير للبنية التحتية وتراجع المكاسب التنموية.

وأدان المجلس جميع الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين في الفاشر بشمال دارفور، بما في ذلك القتل المنهجي والنزوح الجماعي والاستهداف العرقي، مع التأكيد على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

رفض التغييرات غير الدستورية

وفيما يتعلق بالعدالة والمساءلة، اعتبر بدوي: “أن استمرار التعليق يعكس تمسك الاتحاد برفض التغييرات غير الدستورية، لكنه في الوقت ذاته يضع السودان خارج دوائر التأثير المؤسسي، ما قد ينعكس سلبًا على فرص توظيف آليات الاتحاد في دعم مسارات العدالة أو حماية المدنيين، في ظل غياب تمثيل فاعل للدولة داخل هياكل صنع القرار القاري”.

وفي خضم الجدل السياسي داخل أروقة مجلس السلم والأمن، يبقى الحسم في مسألة تعليق العضوية مسألة قانونية في جوهرها، ترتبط بتفسير نصوص الاتحاد الأفريقي وحدود تطبيقها. فبعيدًا عن الحسابات الإقليمية وتوازنات التوافق، يستند القرار — من الناحية الشكلية — إلى منظومة قانونية واضحة تحدد متى تُعلَّق عضوية دولة عضو، ومتى يمكن إعادة النظر فيها.

المادة 30 من القانون التأسيسي

وأكدت مديرة برامج في اللجنة الدولية للمحامين في نيروبي، ستيلا ندرانغو: “أن الأساس القانوني لتعليق العضوية يستند إلى المادة 30 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، والتي تنص على أن الحكومات التي تصل إلى السلطة بوسائل غير دستورية يجب ألا يُعترف بها، ويُعلَّق عضويتها إلى حين استعادة النظام الدستوري”.

وأوضحت في حديثها لـ «عاين» أن وجود نزاع مسلح ليس من الاعتبارات القانونية المباشرة، بل السؤال الجوهري هو ما إذا كانت الحكومة اتخذت خطوات جدية لاستعادة النظام الدستوري، والذي قد يشمل إجراء انتخابات ديمقراطية مدنية، إنشاء حكومة انتقالية مدنية، أو اعتماد دستور جديد يمهد لانتخابات لاحقة.

ترتيبات انتقالية مدنية

وأشارت مديرة برامج في اللجنة الدولية للمحامين في نيروبي، ستيلا ندرانغو، إلى أن “رفع التعليق لا يشترط دائمًا إجراء انتخابات مباشرة، بل يمكن النظر في ترتيبات انتقالية مدنية تعمل نحو إصلاح دستوري مستقبلي وانتخابات لاحقة، كما حدث في السودان سابقًا خلال الفترة الانتقالية المدنية–العسكرية، مؤكدة أن الانتخابات الفعلية ليست شرطًا مطلقًا لرفع التعليق إذا كان هناك تقدم حقيقي نحو حكم مدني ديمقراطي.

غير أن النماذج الحديثة، مثل حالة غينيا، أثارت مخاوفها وفقاً لافاداتها، إذ استقال قائد الانقلاب من منصبه العسكري وقدم نفسه كمرشح مدني، وخاض الانتخابات وفاز بها، وتم الاعتراف به، ما قد يشكل سابقة تسمح لقادة عسكريين بالاستقالة شكليًا والسعي لاكتساب شرعية انتخابية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى معالجة التغيير غير الدستوري فعليًا.

عقوبات أخرى

وعن الفرق بين التعليق والعقوبات الأخرى في الاتحاد الأفريقي، قالت ستيلا ندرانغو: “إن تعليق العضوية يعد الجزاء الأساسي، بينما تشمل العقوبات الأخرى حظر السفر، قيود المشاركة في اجتماعات الاتحاد، أو فرض عقوبات على الدول غير المسددة لمساهماتها المالية. أما تجميد الأصول، فممكن نظريًا لكنه ليس شائع التطبيق، وتظل جميع هذه التدابير مرتبطة أساسًا بالتغيير غير الدستوري للحكم أكثر من ارتباطها باعتبارات سياسية أوسع”.

مراسل لـ(عاين) يعايش الحرب لعام كامل ويكتب من جنوب الخرطوم: (1 – 2)
مركبة عسكرية في الخرطوم

وفي ما يتعلق بـآليات المساءلة، ذكرت أن: “مجلس السلم والأمن الأفريقي أشار بوضوح إلى الانتهاكات في السودان، وأنه تم إنشاء بعثة تقصي حقائق مشتركة بموجب القرار 1281، بالتعاون بين اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ومفوضية الاتحاد الأفريقي، لتقديم توصيات تهدف إلى تعزيز المساءلة على المستويين الإقليمي والدولي، وتشجيع التعاون بين الاتحاد الأفريقي والآليات الإقليمية والمجتمع الدولي”.

نفوذين: سياسي ودبلوماسي

أما عن سلطة الاتحاد الأفريقي تجاه الأطراف الخارجية الداعمة للنزاع في السودان، فأكدت ستيلا أن: “الاتحاد يمتلك نفوذًا سياسيًا ودبلوماسيًا من خلال عدة أدوات، تشمل: تعبئة الدول الأعضاء للضغط على الأطراف الخارجية عبر اتصالات ثنائية، استخدام العلاقات المؤسسية وأطر التمويل كوسائل ضغط، والتنسيق بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن الأفريقي (A3) للتأثير على النقاشات الدولية”.

وأوضحت أن: “التجارب السابقة، مثل موقف الاتحاد من المحكمة الجنائية الدولية، بيّنت أن الضغط المنسق من الدول الأعضاء يمكن أن يحقق نتائج فعلية، مع إمكانية قيام الدول الأعضاء بالتحرك الفردي إذا رأت ضرورة المساءلة والعدالة”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *