مشروع الجزيرة.. الحكومة تتخلى عن المزارعين وإنتاج يتناقص 

عاين- 17 يناير 2026

فَضَّلَ المزارع بقسم التُرابي في مشروع الجزيرة أواسط السودان، “عبد الرحمن” استئجار أرضه المكونة من ثمانية أفدنة مقابل حصوله على ثلث الإنتاج بدلا عن زراعتها بنفسه؛ بسبب ضعف إمكانياته المالية لجهة أن تكلفة زراعة فدان واحد تبلغ حوالي مليون جنيه سوداني- نحو 400 دولار، ويحتاج إجمالا لحوالي 3200 دولار لزراعة 8 أفدنة وهو لا يمتلك منها دولارا واحدا.

“عبد الرحمن” الذي كان ينوع في زراعة أرضه التي ورثها عن والده بمختلف المحاصيل مثل القطن والقمح والذرة والبقوليات والخضروات، لم يتمكن لأكثر من عام من زراعة شيء بسبب الظروف الأمنية، وعدم توفر التمويل، وغياب إدارة المشروع خلال الحرب. وفي فبراير من العام الماضي ومع بداية أول دورة زراعية صيفية، ترك الأرض في بوارها لضعف إمكانياته المالية، ومع بداية الموسم الشتوي الحالي، حاول زراعة القمح، لكنه اصطدم بارتفاع تكاليف التحضير. ويقول عبد الرحمن لـ(عاين):” كان بإمكاني استدانة المبالغ من الأقارب والأصدقاء، لكن درجة المخاطر عالية جدا، خصوصا في ظل تذبذب عمليات الري في المشروع وعدم وجود أسعار مجزية لما بعد الحصاد”.

ومشروع الجزيرة والمناقل الذي تأسس في العام 1925 من أكبر المشاريع الزراعية المروية في القارة الأفريقية بمساحة 2.2 مليون فدان. ويمتد المشروع عبر ولايات وسط السودان الجزيرة والنيل الأبيض وسنار بطول 300 كيلو متر. ويروى رياً انسيابياً من خزان سنار. ويضم المشروع أكثر من 130 الف مزارع موزعين على حوالي 3 الف قرية، وحوالي 2200 كمبو، ويعيش في المشروع حوالي أربعة مليون من المزارعين والعمال الموسميين، والدائميين الذين يحضرون إلى الجزيرة أثناء حصاد محاصيل القطن والقمح والذرة. “

ازمات الغاز والوقود والخبز تطحن سكان الجزيرة
استئناف المزارعين لنشاطهم الزراعي استند إلى مجهودات ذاتية- بحسب المزارع في القسم الشمالي محمد أحمد أبو علامة

رغم ما تعرض له المشروع الزراعي من إهمال في العقود الأخيرة، غير أن الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 والتي وصل رحاها لولاية الجزيرة في ديسمبر 2023 تسببت في تعطيل الإنتاج لأربعة مواسم زراعية، بصورة شبه كلية، قبل أن يستأنف المزارعون نشاطاتهم في شهر مارس الماضي، وذلك بعد إعادة الجيش سيطرته على الولاية التي استولى عليها الدعم السريع في ديسمبر 2023.

استئناف المزارعين لنشاطهم الزراعي استند إلى مجهودات ذاتية- بحسب المزارع في القسم الشمالي محمد أحمد أبو علامة الذي يقول لـ(عاين): إنه “تمكن خلال الموسم الصيفي الذي أعقب سيطرة الجيش على الولاية اعتمادا على جهده الذاتي من زراعة القطن دون دعم من الدولة ولا تمويل من البنوك”.

يشير أبو علامة، إلى بدأ مع مزارعين آخرين التحضير للدورة الزراعية الشتوية قبل أسابيع، لكن الموسم يواجه مشكلات عديدة منها الري، منبها إلى أنه يتحدث إلى (عاين) وأمامه ثلاث من الترع الرئيسية بلا مياه ومئات الافندة لمزارعي القسم الشمالي جرداء. ويقول: “المعوق الرئيس أمام انسياب المياه هي امتلاء الترع بالحشائش التي تحتاج إلى نظافة، وهذا من صميم عمل إدارة المشروع”.

يوسف عبد الباقي، أحد مزارعي المناقل، يقول: “رغم التحديات العديدة التي واجهتنا كمزارعين، قمنا بتحضير الأرض وزراعة المحاصيل وحصدها بدون دعم من الحكومة أو أي جهة أخرى. حتى التقاوي التي قدمها برنامج الغذاء العالمي لم تشمل جميع المزارعين، فقد حصل كل مزارع على حوالي ستة كيلو فقط. كما أن هناك مشاكل في الري في قسم المناقل تهدد موسم الشتاء في بعض المناطق. استعدادات المزارعين كانت ضعيفة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة في البذور والسماد. وارتفاع سعر الجازولين أصبح مشكلة كبيرة أيضًا. البنوك قللت من تقديم التمويل، لأن المزارعين لديهم ديون سابقة، ولا يمكنهم الحصول على تمويل جديد إلا بعد سداد ما عليهم، والتمويل من البنك لا يتجاوز تسعة أفدنة.”

تجاهل حكومي

يبدي عضو المكتب الرئاسي للجنة تسيير اتحاد المزارعين، جاد كريم حمد الرضي أسفه الشديد لتجاهل الدولة لمشروع الجزيرة، ويقول في مقابلة مع (عاين): “الدولة مشغولة بدعم الحرب أكثر من انشغالها بدعم الزراعة وقوت الناس”. ويشير جاد كريم إلى أن المصارف طالبت المزارع برسوم قدرها 200 الف جنيه كرسوم أولية تدفع أولا قبل الحصول على تمويل مدخلات الإنتاج، هذا غير ما تتحصل عليه من أرباح لاحقة وأي مزارع يتعثر في استرداد المديونية سيكون مصيره السجن، مؤكدا أن كل ذلك تسبب في تقليص المساحة المزروعة؛ لأن هناك أقساماً لم تصلها مياه الري خصوصا الأقسام الطرفية.

وينوه الرضي للأضرار البالغة التي لحقت بالمشروع إبان سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، ويشير إلى حرص القوات حينها على تكسير قنوات الري الرئيسة بما فيها من كميات مهولة من المياه، وذلك بحجة إعاقة تحركات الجيش الذي كان يسعى لإعادة الولاية، مشيرا إلى أن ذلك التكسير، تسبب في كوارث حقيقية، وذلك بنمو مجموعات متنوعة من الحشائش من مثل “المسكيت والنجيل واللنكوج” كما نهبت قوات الدعم السريع مدخلات المدنيين بمن فيهم المزارعون، ولما رجع المزارعون ورغم قلة حيلتهم وإرهاقهم وظروف الحياة الصعبة، شرعوا على الأقل في تنظيف حواشاتهم، لكن واجهتهم معضلة الترع والقنوات الرئيسية حيث امتلأت هي الأخرى بالحشائش حيث تعوق انسياب عمليات الري، وفي مرحلة الزراعة ووجهوا بغلاء أسعار البذور والأسمدة في الموسم الصيفي.

جزيرة توتي.. انتاجها الزراعي انحسر و"غابات الأسمنت" تحاصر أرضها
يستنكر الكاتب الصحفي المهتم بشؤون مشروع الجزيرة كأحد مزارعيه، عبد اللطيف البوني، عدم صرف الضرائب المفروضة على المزارعين في تحسين عمليات الري بالمشرع

في هذا السياق، يستنكر الكاتب الصحفي المهتم بشؤون مشروع الجزيرة كأحد مزارعيه، عبد اللطيف البوني، عدم صرف الضرائب المفروضة على المزارعين في تحسين عمليات الري بالمشرع مبديا اندهاشه كذلك من رفض وزارة المالية الصرف على صيانة القنوات في المشروع بحجة أنه لا يتبع لوزارة المالية، مبينا أنه لا يمكن أن يخوض المزارعون في الوحل والطين لتنظيف القنوات من الحشائش لإنقاذ العروة الشتوية، فذلك يدل على خيبة الأمل في الإدارة والزهد في التقانات الحديثة التي حرموا منها بسبب سوء الإدارة.

يشدد البوني في مقابلة مع (عاين) ضرورة إجراء إصلاحات شاملة برفع الظلم عن المزارعين المتراكم لعقود، ولا بد من خطة إصلاحية عاجلة الآن تتمثل في إصلاح وتطوير شبكة الري، لأن الشبكة القديمة تعمل بصورة وصفها بالمتخلفة، حيث يجب إصلاح القنوات وإزالة الحشائش وإعادة النظر في قياساتها، حتى لا يتحول المشروع إلى صحراء، كما شدد على أهمية إعادة النظر في الدورة الزراعية، وتشكيل جمعيات الإنتاج الزراعي والحيواني لتعبر عن المزارع وعدم الرجوع إلى فكرة اتحاد المزارعين، وإبعاد تلك الجمعيات كليا عن العمل السياسي.

تقول إدارة مشروع الجزيرة، إنها تمكنت من تأهيل وإعادة أكثر من مليون فدان لدائرة الإنتاج

تقول إدارة مشروع الجزيرة، إنها تمكنت من تأهيل وإعادة أكثر من مليون فدان لدائرة الإنتاج بعد خروجها في الفترة السابقة، وتوفيرها 118 من آليات نظافة الحشائش ومعالجة نحو 1500 كسر بقنوات الري قبل أن تقر خلال مؤتمر صحفي عقد مؤخرا بارتفاع تكلفة الزراعة وأسعار التقاوي على وجه التحديد ما تسبب في تقليص مساحة زراعة القمح حيث بلغت جملة المساحة المزروعة 300 الف فدان، بينما كانت المساحة المستهدفة 400 ألف فدان.

لكن الخبير الزراعي والنائب الأسبق لمحافظ مشروع الجزيرة للتقانة والإرشاد، بابكر حمد، يرى أن مشروع الجزيرة يحتاج إلى جهد أكبر وأعمق؛ لأنه ظل لمدة مائة عام عمودا للاقتصاد السوداني ومن موارده شيدت غالب البنى التحتية والمباني الحكومية من وزارات وجامعات حيث كان يعتمد على القطن كمحصول استراتيجي، وفيه ينتج 70 بالمائة من أقطان السودان كانت تدر للخزينة العامة حتى 2004 ما لا يقل عن 500 مليون دولار، ونوه بأن المشروع تعرضت لنكبات أبرزها نكبة العام 2009 بفصل كل القوى العاملة والبالغ عددها 3577 من عامل ومهني، كما تم فيها تسريح الإدارة والإبقاء على عدد محدود من الإداريين لا يتجاوز 70 موظفا، ومنذئذ بدأ انهيار البنى التحتية من ري ومحالج وغياب الدورة الزراعية، وغياب إدارات مهمة كإدارة الوقاية وإكثار البذور، وشؤون المزارعين، كما غاب الانضباط وروح الالتزام بالقانون.

يقول الخبير الزراعي بابكر حمد في مقابلة مع (عاين): إنه “من الضروري لتطوير مشروع الجزيرة وتحسين زراعته أن يكون هناك إدارة جيدة ومختصة، خاصة في الأقسام الزراعية. ويجب إنشاء إدارة جديدة تهتم بزيادة الإنتاج وتطوير الأساليب الزراعية باستخدام الأبحاث العلمية المحلية والعالمية”. ويشير إلى أن المشروع يعاني انخفاض الإنتاج في جميع المحاصيل، حيث لا تصل الكميات إلى المعايير العالمية، فعلى سبيل المثال، إذا كان الفدان من القمح ينتج 15 جوالا، يجب أن تكون تكاليف زراعته أقل من قيمة أربعة أو خمسة جوالات. وإذا لم يحدث ذلك فإن النتيجة تكون غير اقتصادية وغير مربحة لا للمنتج ولا للدولة، ولا للمزارع، لذا يشدد الدكتور حمد على توفير التقانات الحديثة، وتوفير التمويل من الدولة لكل المحاصيل الاستراتيجية لتحقيق اكتفاء ذاتي بدلا من استيراد سنوي مثلا من القمح بملياري دولار، ٥٠٠ مليون دولار، وشدد على أهمية العودة إلى المحاصيل النقدية المربحة، واتباع دورة زراعية مناسبة، والتركيز على التصنيع الزراعي وتشجيع المنتجين بأسعار مربحة، وتوفير منافذ التسويق العالمي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *