بحث علمي زراعي ينهار.. كيف تغتال حرب السودان أمنه الغذائي؟

عاين- 7 ديسمبر 2025

على مدى أربعة عقود، مثّل البحث العلمي الزراعي في السودان أحد الأعمدة التي اعتمد عليها الأمن الغذائي، ولو بقدر محدود. ورغم ضعف التمويل وانهيار البنية التحتية، ظل الباحثون السودانيون قادرين على تطوير أصناف محلية، وجمع موارد وراثية نادرة، وحفظها في بنوك جينية اعتُبرت من بين الأهم في العالم. لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكتفِ بإضعاف منظومة كانت تتآكل أصلاً؛ بل ضربتها في أساسها: الإنسان، المؤسسة، المعمل، والذاكرة العلمية نفسها.

اليوم، وبعد أكثر من عامين على الحرب، تتكشف الصورة بوضوح أكبر، ولم يعد التراجع في السودان مسألة مؤشرات أو أرقام، بل مسألة بقاء من حيث المبدأ. هذا ما تظهره إفادات الباحثين لـ(عاين)، وواقع الجامعات، وحجم الدمار الذي أصاب مركز الموارد الوراثية الزراعية في مدينة ود مدني أواسط السودان والتي اجتاحتها قوات الدعم السريع في ديسمبر 2023.

قطاع هش قبل السقوط

قبل الدخول في تأثير الحرب، يصرّ الأكاديمي والباحث بجامعة الخرطوم، د. عمر حميدة، على نقطة أساسية: “المنظومة كانت منهارة قبل إطلاق الرصاصة الأولى”. يقول في حديثه لـ(عاين): ويتابع: “البحث العلمي يحتاج إلى أدواته؛ الأستاذ، المعمل، المكتبة، الطالب، والبيئة”… ويسأل هل كانت هذه العناصر متوفرة في الجامعات السودانية حتى قبل الحرب؟ ويجيب “لا لم تكن متوفرة”.

ويشرح حميدة، أن التفاوت بين الجامعات كان كبيراً، وأن المناهج البحثية ظلت تعتمد على الاجتهادات الفردية، بدل فرق بحث متكاملة كما هو معمول به عالمياً. ويرى أن السودان تراجع مقارنة بدول كانت في مصافه الأكاديمي سابقاً، نتيجة ما يسميه “ثقافة العمل الفردي وانعدام منظومة البحث التعاوني”.

وهنا تبرز الخلفية التي تؤكدها البيانات الدولية. فوفقاً لـ”معهد اليونسكو للإحصاء” (UIS)، لم يتجاوز إنفاق السودان على البحث العلمي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي طوال العقدين الماضيين، مقابل متوسط عالمي يبلغ 2.2%. كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن التمويل الزراعي البحثي ظل في حدود 25–30 مليون دولار سنوياً فقط. أي أن الأزمة لم تكن صدمة حرب، بل انهياراً تراكمياً ممتداً.

الأزمة الأعمق – من وجهة نظر د. عمر – هي غياب القطاع الخاص:”الشركات والمؤسسات الخاصة بعيدة جداً عن البحث العلمي. لا تساهم فيه، ولا تستفيد من نتائجه. يريدون الجاهز.”

وتدعم هذه النقطة بيانات «البنك الأفريقي للتنمية» (AfDB) التي تشير إلى أن أقل من 10% من البحوث الجامعية في السودان تصل إلى مرحلة التطبيق بسبب غياب الحاضنات التقنية وضعف آليات نقل المعرفة وغياب الطلب من القطاع الخاص.

هذا الانفصال بين السوق والبحث جعل آلاف الأطروحات الجامعية والأبحاث التطبيقية رصيداً خاملاً لا يُستخدم، بل يتحول – كما يقول حميدة – إلى “وسيلة للحصول على درجات علمية أو ترقيات أكاديمية، لا أكثر”.

في مشروع الجزيرة، الحديث عن البحوث والدورات الزراعية لم يعد مطروحاً، لأن القضية الجوهرية اليوم هي الري، لأنه حياة الناس والماشية والزراعة

قيادي بتحالف مزارعي الجزيرة والمناقل

في القطاع الزراعي تحديداً، مثّلت هيئة البحوث الزراعية – رغم ضعفها – العمود الفقري للإنتاج، خاصة في مشروع الجزيرة والمناقل. لكن خلال السنوات التي سبقت الحرب، كانت المؤشرات الدولية تشير إلى تآكل تدريجي في الأداء البحثي.

فبحسب «منظمة الأغذية والزراعة» (FAO) و«المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية» (CGIAR)، عانت البحوث الزراعية في السودان قبل الحرب من خمس مشكلات بنيوية رئيسية: نقص التمويل طويل الأجل، تقادم المعامل، غياب التربية النباتية الحديثة، ضعف الإرشاد الزراعي، وغياب سياسات نقل التكنولوجيا.

وتظهر بيانات CGIAR لعام 2021 أن 70% من التجارب الحقلية في مشروع الجزيرة كانت تعتمد على تمويل خارجي مؤقت، ما جعلها غير مستقرة.

في هذا السياق، يقدم مقرر تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل عبدالرؤوف عمر ، صورة أوسع. ويقول لـ(عاين): “من موسم 22–23، ومع تقدم الحرب نحو الجزيرة، كانت الإنتاجية في تراجع واضح. البحوث الميدانية توقفت تقريباً، والإرشاد الزراعي شبه غائب.” ثم يضيف:” التخريب الذي حدث – وفق قانون 2005 – جعل المشروع عاجزاً تماماً عن أداء دوره، وأن المساحات المُحضّرة لم تتجاوز 2% حتى بداية موسم 23–24. ثم يأتي دمار الحرب ليقضي على ما تبقى من شبكات الري والتقاوي”.

وأشار عبدالرؤوف، إلى أنه، بالرغم ذلك طرح التحالف شعار «الزراعة الصيفية»، أي الزراعة ببذور من الشوال “غير محسنة” ومن دون أسمدة. وبرغم ضعف الظروف، وجد هذا الاتجاه استجابة واسعة من المزارعين، واعتُبر تمهيداً للعروة الشتوية.

وفي منتصف العروة، كما يقول عبدالرؤوف، دخل بنك التنمية الأفريقي، ووفّر بذوراً للمزارعين، لكن ذلك لم يصمد طويلاً: «في ديسمبر وصلت الحرب إلى كل أقسام مشروع الجزيرة العشرة، وأربعة من أقسام المناقل». ومع انتشار المعارك حدث النزوح الواسع وتعرضت البنية الزراعية الأساسية للتدمير. ويضيف: «شمل التخريب قناة الري، وسُرقت كل التقاوي ومخازن خلط الإنتاج… وحتى البحوث الزراعية طالها التخريب، وفقدت أكثر من 17 ألف جين».

وصنفت تقارير البنك الدولي (2022) شبكة الري في مشروع الجزيرة كـ«واحدة من الأكثر هشاشة في المنطقة»، وتحتاج إلى 850 مليون دولار لإعادة التأهيل، بينما أشار «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» (UNEP) إلى انخفاض موثوقية الري بأكثر من 40% خلال العقد الماضي.

زراعة من بذور (الشوال)

وبعد هذا الدمار، انهارت الأسواق ولم تعد التقاوي متوفرة. يقول عبدالرؤوف: «عاد الناس للزراعة من الشوال»، موضحاً أن معظم الأراضي المزروعة في موسم 25–26 اعتمدت على بذور مأخوذة من الشوال، بينما لا يغطي السودان أكثر من «14% فقط من احتياجاته الفعلية من التقاوي المُحسّنة». أما الـ86% المتبقية فهي زراعة ببذور شعبية أقل جودة.

لكن عبدالرؤوف يرى أن أزمة التقاوي المُحسّنة نفسها أكثر تعقيداً، ويذهب إلى حد التأكيد بأن أراضي الجزيرة تحولت إلى «مزرعة تجريبية للبذور المعدلة جينياً»، معتبراً أن انتشار الأمراض الفتاكة — خصوصاً الفشل الكلوي والسرطان — مرتبط باستخدام هذه الأصناف.

ويمنح عبدالرؤوف مثالاً على ضعف العروة الشتوية: في مكتب المسلمية (مكتب السليني)، الذي تبلغ مساحته 13,752 فداناً ويضم 817 مزارعاً، كانت المساحة المقررة لزراعة القمح 2,738 فداناً، لكن ما وُزِّع فعلياً من التقاوي لم يتجاوز «158 جوالاً فقط»، أي ما يساوي 158 فداناً. ويضيف: «وحتى هذه الجوالات لم تصل كلها إلى الأرض، بل بيع جزء كبير منها».

ويشرح عبدالرؤوف، واقع المزارع اليوم قائلاً: «مزارع يملك خمسة أفدنة… هل يستطيع أن يزرع فداناً واحداً؟». فتكلفة الفدان تصل إلى «مليار ومئتي ألف جنيه»، بينما سعر شوال القمح في السوق «160 ألف فقط»، ما يعني أن تكلفة إنتاج الفدان تعادل قيمة سبعة أو ثمانية شوالات قبل احتساب الضرائب.

وتتحول مدخلات الإنتاج نفسها إلى عبء خانق: “سعر شوال الداب 250 ألف، واليوريا 138 ألف، والفدان يحتاج إلى شوالين يوريا وشوال داب، إضافة إلى شوال التقاوي بسعر 240 ألف”. ويضيف أن تكلفة التحضير والري تتجاوز 400 ألف، مما يجعل الزراعة «مهمة شبه مستحيلة» في ظل الحرب والفقر.

وعن علاقة المزارعين مع البحوث الزراعية، أوضح عبدالرؤوف أن التواصل كان يتم عبر الإرشاد الزراعي وإدارة المشروع، لكن «بعد قانون 2005 تحولت معظم الإدارات إلى القطاع الخاص، وأصبحت التقاوي بيد الشركات، ودورها ربحي بحت». ويصف دخول البذور المعدلة جينياً بأنه كارثي: «هي تقتل كل أنواع الحشائش، لكنها تضر الأرض والإنسان… وهي من البذور الميتة التي تُزرع لموسم واحد وتربط المزارع بالشركات».

يذكر عبدالرؤوف أن إدارة المشروع “غائبة تماماً”، وأن ما تبقى من مكاتب المشروع “لا يتجاوز 5–10% من أصل 114 مكتباً”، بينما تحول بعضها إلى سكن للنازحين أو ثكنات عسكرية. ويضيف: أن “الحديث عن البحوث والدورات الزراعية “لم يعد مطروحاً”، لأن “القضية الجوهرية اليوم هي الري، لأنه حياة الناس والماشية والزراعة”.

ما يُفقد من تنوع وراثي اليوم قد يكون سبباً لمجاعة غداً

باحث زراعي

وتشير (عاين) إلى حجم الدمار الذي لحق بمركز الموارد الوراثية الزراعية بمدينة ود مدني، أحد أهم بنوك الجينات في أفريقيا. المركز، الذي تأسس عام 1982، وكان يحتفظ بأكثر من 17 ألف سلالة من المحاصيل، جُمعت على مدار أربعين عاماً.

وللتذكير بمعايير الحفظ العالمية، تؤكد مؤسسة «Crop Trust» أن تخزين البذور يتطلب حرارة ثابتة عند –18 درجة مئوية ومولدات كهرباء غير منقطعة. أي انقطاع للكهرباء يعني بداية فقدان الخصائص الوراثية. لكن وعلى العكس تماما، حلت الكارثة بمركز الموارد الوراثية الزراعية بمدينة ود مدني لجهة التخريب الذي لحق بالمعامل، ونهب الحواسيب التي تحمل قواعد البيانات، وانقطاع الكهرباء منذ منتصف 2024. ووفق مصادر فنية داخل المركز، فإن ذلك “يهدد بفقدان موارد وراثية لا يمكن استعادتها”.

ويؤكد  مفتش هيئة البحوث الزراعية، عزالدين محمد عباس حسين، في مقابلة مع (عاين): أن المركز كان ضمن 15 مركزاً فقط في العالم مختارة لحفظ سلالات ذات قيمة عالمية.

وتشير المعاهدة الدولية للموارد الوراثية النباتية (IPGRI) إلى أن فقدان الموارد الوراثية يقلل قدرة الدول على تطوير أصناف مقاومة للجفاف والآفات بنسبة تصل إلى 60%. أي أن تدمير المركز هو ضربة مباشرة لعدم قدرة السودان على مواجهة التغير المناخي.

مزارع يستعد لزراعة الذرة في شرق دارفور – يوليو 2024

ويشير عزالدين إلى أن أصنافاً محلية نادرة من الذرة والسمسم والبقوليات، إضافة إلى نباتات طبية وعطرية متأقلمة مع المناخ السوداني، قد اختفت أو تضررت، إلى جانب ضياع بياناتها الأصلية. أما الباحثون والعاملون، فقد اضطر معظمهم للنزوح مع توسع المعارك، ما أدى إلى تعطّل كل عمليات المراقبة والإنقاذ داخل المركز.

تدخلت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحاولت نقل العينات إلى مواقع آمنة خارج ود مدني. غير أن هذه الجهود تعثرت، كما يوضح عزالدين، لأن “العملية تطلبت موافقة طرفي النزاع، ورغم موافقة الجيش، رفضت قوات الدعم السريع السماح بنقل العينات”.

وقد أثارت كارثة المركز قلقاً واسعاً لدى منظمات دولية مثل Crop Trust والمعاهدة الدولية للموارد الوراثية النباتية، فيما أطلق باحثون سودانيون حملات على وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بالتدخل العاجل.

يحذر عزالدين، من أن فقدان هذه السلالات “لا يهدد الأبحاث الزراعية فحسب، بل الأمن الغذائي نفسه”، لأن كثيراً من الأصناف المحلية تمتلك مقاومة طبيعية للجفاف والأمراض، وهي بذلك تمثّل خط دفاع أساسي في مواجهة التغير المناخي.

ورغم حجم الخسائر، يؤكد عزالدين أن جهود الإنقاذ بدأت بالفعل. ويوضح قائلاً:”تم جمع جزء من السلالات التي طالها التخريب، وأُجريت عليها اختبارات للتأكد من حيويتها. والحمد لله وجدنا أن لديها نسبة إنبات عالية”. ويضيف: أن “الترتيبات جارية حالياً لإعادة حفظ هذه السلالات وفق البروتوكولات العالمية المعمول بها في بنوك الجينات”.

شلل منظومة البحوث بالجامعات

يرى د. عمر حميدة أن الحرب أصابت الإنسان قبل المؤسسة. الجامعات فقدت أساتذتها وطلابها، قسم كبير منهم هاجر أو نزح. ويقول متساءلا: “كم جامعة الآن تعمل؟”

وفقاً لـ”اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لأفريقيا” (UNECA)، فقد السودان 35% من أعضاء هيئة التدريس بين 2010 و2020، وتضاعفت النسبة بعد اندلاع الحرب.

كما يشير “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” (UNDP) في تقرير 2024 إلى أن 80% من الأنشطة البحثية التطبيقية في السودان توقفت بسبب الحرب، وأن جميع مشروعات التعاون الدولي تقريباً أُلغيت أو سُحبت منها المنح، بما فيها الشراكات الفرنسية–السودانية التي أشار إليها د. عمر. “أي جهة مانحة لديها تمويل لمدة سنتين بين 2023 و2025—لم يُنجز شيء. بالتالي تُسحب المنحة، وتذهب لدولة أخرى.”

تُظهر الشهادات والبيانات الدولية أن تدهور البحث العلمي في السودان بأنه لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل مساراً من الانهيار الهيكلي، انتهى بضربة الحرب التي طالت الإنسان والمركز والمعمل والذاكرة الوراثية، بحسب ما أفاد مهتمون (عاين)، ويشيرون إلى أن “السؤال اليوم لم يعد حول كيف نطوّر البحث العلمي؟.. بل، كيف نمنع انهياره الكامل، ونضمن ألا يتحول فقدانه إلى مجاعة مستقبلية”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *