طرق السودان.. صيانة متوقفة ومسارات تتبدل وكلفة نقل عالية

عاين- 16 مارس 2026

تحولت الطرق القومية في السودان خلال أعوام الحرب الماضية إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه اقتصاد البلاد وحركة السفر ونقل البضائع بجانب أنها تمثل خطرا على حياة مرتاديها من واقع تكرار حوادث السير المميتة، فمع توقف أعمال الصيانة وتضرر بعض البنى التحتية، باتت الرحلات البرية تستغرق وقتاً أطول، وتتحمل تكاليف أعلى، بحسب شهادات مسافرين وسائقي شاحنات ووكلاء سفريات لـ(عاين).

وتشير  هذه الشهادات إلى أن رداءة الطرق وتزايد الحفر والانقطاعات في بعض المقاطع، إضافة إلى كثرة نقاط التفتيش والإجراءات الأمنية، أدت إلى بطء حركة النقل بين الولايات. كما انعكس ذلك على تكاليف التشغيل لشركات النقل وسائقي الشاحنات، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من حركة السلع في السودان على النقل البري.

يروي حسن فضل الله، وهو مواطن من ولاية الجزيرة، تجربته مع السفر والطرق في السودان بوصفها تجربة شاقة ومكلفة في ظل الظروف الحالية. ويقول: “حالة الطرق تمثل خطراً حقيقياً على المسافرين، إذ تنتشر الحفر والمطبات غير المتوقعة. ويضيف في مقابلة مع (عاين): “تدهور الطرق لا يقتصر على منطقة بعينها، بل يطال طرق السفر بين الولايات، التي أصبحت في نظره أكثر سوءاً من السابق، خصوصاً بعد الحرب التي أدت إلى انقطاعات وتشققات في بعض المناطق”.

يذكر حسن أنه سافر من ولاية الجزيرة متجهاً إلى البحر الأحمر مروراً بالخرطوم وعطبرة، في آخر رحلة قام بها، ويقول إن تكلفة التنقل ارتفعت بشكل ملحوظ، موضحاً أن الرحلة من الجزيرة إلى الخرطوم كلفته نحو 30 ألف جنيه، لمسافة لا تتعدى 18 كيلومتر، ومن الخرطوم إلى عطبرة حوالي 80 ألف جنيه، ثم 90 ألف جنيه من عطبرة إلى بورتسودان.

مسافرون سودانيون من مدينة الأبيض على “درب الأربعين”- أرشيف

كما يشير فضل الله، إلى أن رداءة الطرق تؤدي إلى أعطال متكررة للمركبات، ما يضاعف المعاناة، موضحاً أن البصات قد تتعطل لساعات، أو يقضي الركاب ليلتهم في الطريق بسبب الأعطال أو انفجار الإطارات.

يرى حسن أن أسعار السلع ظلت في ارتفاع مستمر، وأن التجار وسائقي المواصلات يبررون هذه الزيادات برداءة الطرق، الأمر الذي يشدد عليه علي العوض، وهو سائق شاحنة يعمل في نقل البضائع وينحدر من مدينة مروي في الولاية الشمالية، ويقول لـ(عاين): “واقع النقل البري في السودان تغيّر بصورة كبيرة بعد الحرب، سواء من حيث زمن الرحلات أو تكلفتها أو حتى الطرق المستخدمة للوصول إلى المدن”.

مسارات أطول

“كثير من الطرق التي كانت تُستخدم سابقاً أصبحت صعبة أو غير متاحة، ما اضطر السائقون إلى سلوك مسارات أطول للوصول إلى وجهاتهم”. يقول علي العوض. ويشير إلى أن الرحلة إلى مدينة الأبيض مثال واضح على ذلك، إذ كانت في السابق تتم عبر طريق جبل أولياء، مرورًا بطريق بارا خلال يوم واحد، لكن الوضع تغير الآن. ويوضح قائلاً: “قبل الحرب كنا نذهب لمدينة الأبيض خلال يوم واحد عبر جبل أولياء وشارع بارا، لكن الآن الرحلة تستغرق أربعة أيام؛ لأن المسار تغير ونسافر عبر مدينة كوستي”.

إلى جانب رداءة الطرق أسباب أخرى تعيق حركة النقل متمثلة في كثرة الارتكازات ونقاط التفتيش والتوقفات الإدارية، إلى جانب رسوم إضافية ظهرت في الفترة الأخيرة

سائق مركبة سفرية

يضيف علي العوض إلى جانب رداءة الطرق أسباب أخرى تعيق حركة النقل متمثلة في كثرة الارتكازات ونقاط التفتيش والتوقفات الإدارية، إلى جانب رسوم إضافية ظهرت في الفترة الأخيرة. ويقول: “السائقون أصبحوا يواجهون جبايات متعددة لم تكن موجودة سابقاً، مثل رسوم محليات ورسوم نفايات ورسوم أخرى مرتبطة بالأوراق والتصاريح”. ويتابع:” المشكلة الأساسية ليست في الشاحنات نفسها، بل في الظروف المحيطة بالطريق، إذ إن التأخير الطويل والتوقفات المتكررة؛ بسبب سوء الطرق ورداءتها، تزيد الضغط على السائقين وتكلفة الرحلات”.

كما يؤكد السائق على العوض، أن ارتفاع تكلفة الوقود يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السائقين حالياً. ويقارن بين الوضع قبل الحرب وبعدها، ويشير علي أيضاً إلى أن بعض خطوط النقل أصبحت غير مجدية اقتصادياً بسبب ارتفاع المصروفات مقارنة بالعائد، مضيفاً أن رسوم الأوراق والتصاريح والجبايات المختلفة قد تصل إلى مبالغ كبيرة قبل أن تبدأ الشاحنة رحلتها أصلاً. كما يوضح أن تكلفة نقل البضائع بين بعض المدن ارتفعت عدة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

مخاطر على الطريق

يصف عمر شكاك، وهو وكيل سفريات يعمل في الميناء البري بمدينة عطبرة، التغيرات التي طرأت على حركة السفر بين الولايات منذ اندلاع الحرب، ويشير إلى أن زمن الرحلات ومساراتها شهدت تحولات كبيرة خلال الفترة الماضية.

ويقول شكاك في مقابلة مع (عاين): إن “الرحلات إلى بعض المدن كانت تستغرق وقتاً أطول بكثير في الأشهر الأولى بعد اندلاع الحرب بسبب إغلاق بعض الطرق واضطرار المركبات لسلوك مسارات بديلة”. ورغم تحسن بعض المسارات، يؤكد أن حالة الطرق ما تزال متفاوتة بين ولاية وأخرى. ويذكر أن بعض الطرق مثل طريق كسلا تعاني الحفر ورداءة السطح، بينما يشهد طريق بورتسودان عدداً أكبر من الحوادث المرورية؛ بسبب المنحنيات وارتفاع طبقة الأسفلت في بعض المقاطع. ويضيف: أن “هذه العوامل قد تزيد احتمالات انقلاب المركبات والحوادث، خاصة في المناطق التي تمر فيها مجاري السيول أو الخيران”.

بعض المناطق على الطرق ما تزال تشهد مخاطر مرتبطة بالحرب، مثل وجود خنادق أو مناطق لا تتوقف فيها الحافلات لأسباب أمنية، إضافة إلى وجود مناطق يُشتبه أن بها ألغام

وكيل سفريات

كما يشير إلى أن بعض المناطق على الطرق ما تزال تشهد مخاطر مرتبطة بالحرب، مثل وجود خنادق محفورة في بعض المقاطع أو مناطق لا تتوقف فيها الحافلات لأسباب أمنية، إضافة إلى وجود مناطق يُشتبه بوجود ألغام فيها، ما يزيد من تعقيد حركة السفر بين الولايات.

ويوضح عمر شكاك، أن الزيادة لا ترتبط بكل الخطوط بنفس الدرجة، من ناحية تكلفة التشغيل، إذ تختلف بحسب الطريق المستخدم. ويشير إلى أن بعض الطرق، مثل طريق القضارف، تستهلك الإطارات والوقود بصورة أكبر بسبب حالتها الفنية، ما يزيد تكلفة التشغيل على شركات السفر.

وفيما يتعلق بخطوط السفر، يوضح شكاك، أن معظم الطرق التي توقفت في بداية الحرب أعيد فتحها لاحقاً، لكن بعض الخطوط المتجهة نحو مناطق غرب السودان ما تزال متوقفة بسبب استمرار القتال هناك.

كما يلاحظ أن حركة الركاب تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، رغم أنها تحسنت نسبياً مقارنة بالعام الماضي- بحسب شكاك- الذي يقول:”الميناء البري في عطبرة كان يشهد ازدحاماً أكبر في السابق، بينما تبدو الحركة الآن أقل نسبياً”. ويشير عمر إلى أن أكثر ما يشتكي منه الركاب ليس السعر بقدر ما هو زمن الرحلة والإجراءات الأمنية المرتبطة بالسفر. ويشرح أن البصات في عطبرة لا تتحرك منفردة، بل تنتظر ما يعرف بـ”الطوف”، وهو إجراء أمني تنطلق فيه مجموعة من الحافلات معاً تحت مرافقة الشرطة.

توقف عمليات صيانة الطرق

“الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 أثرت بصورة مباشرة على منظومة صيانة الطرق، إذ أدت إلى توقف كثير من المؤسسات الفنية المسؤولة عن الإشراف على الشبكة القومية”. يقول المهندس المختص في الطرق والجسور، علي أحمد لـ(عاين). ويوضح أن عدداً من المكاتب الفنية خرجت عن الخدمة، كما تعذر وصول الكوادر الهندسية إلى مواقع العمل في بعض المناطق، ما أدى إلى توقف عمليات الصيانة الدورية والوقائية.

الحرب أدت عملياً إلى شلل شبه كامل في منظومة صيانة الطرق، لأن الصيانة الدورية توقفت في معظم الشبكة القومية

مهندس مختص في الطرق والجسور

ويشير  علي أحمد، إلى أن الأزمة لم تقتصر على الجانب الإداري فقط، بل امتدت أيضاً إلى سلاسل الإمداد المرتبطة بأعمال الصيانة، مثل مواد الأسفلت والبيتومين وقطع غيار الآليات. كما تعرضت بعض الطرق لأضرار مباشرة نتيجة العمليات العسكرية، مثل حفر الخنادق أو تدمير بعض الجسور واستخدام الطرق كمواقع عسكرية. ويقول موضحاً: “الحرب أدت عملياً إلى شلل شبه كامل في منظومة صيانة الطرق، لأن الصيانة الدورية توقفت في معظم الشبكة القومية”.

 يوضح المهندس علي بشأن كيفية تحديد أولويات الصيانة في ظل الموارد المحدودة، أن الجهات الفنية عادة ما تركز في أوقات الأزمات على الحد الأدنى الذي يضمن استمرار الحركة بدلاً من تنفيذ برامج صيانة شاملة. ويشير إلى أن الأولوية تُعطى للطرق ذات الأهمية الاقتصادية التي تربط الموانئ بمناطق الإنتاج، إضافة إلى الطرق المستخدمة لنقل المساعدات الإنسانية أو التي تربط مناطق النزوح بالمراكز الحضرية، فضلاً عن الطرق التي تشهد حركة شاحنات كثيفة، وتشكل مخاطر على السلامة المرورية.

ويشير إلى أن أكبر التحديات التي تواجه إعادة تأهيل البنية التحتية للطرق في الوقت الراهن ليست مؤسسية ومالية، موضحاً أن تراجع الإيرادات الحكومية، واستمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، إضافة إلى هجرة عدد من الكفاءات الفنية وتوقف بعض شركات المقاولات عن العمل، كلها عوامل تعرقل تنفيذ مشاريع واسعة لإعادة تأهيل الطرق.

ويرى المهندس علي أحمد، أن بعض الحلول الهندسية المؤقتة يمكن أن تساعد في الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الحركة في الظروف الحالية، مثل استخدام الخلطات الإسفلتية الباردة لإصلاح الحفر بسرعة، أو تركيب جسور معدنية مؤقتة في حال تدمير الجسور الخرسانية، إضافة إلى تقنيات إعادة تدوير طبقات الطريق في الموقع لتقليل كلفة المواد. ويضيف أن هذه الإجراءات لا تمثل بديلاً كاملاً لإعادة البناء، لكنها قد تساعد على إبقاء الطرق الحيوية مفتوحة لحركة البضائع والمساعدات الإنسانية إلى حين توفر ظروف إعادة الإعمار الشامل، قائلاً: “هذه الحلول لا تعوض إعادة التأهيل الكامل، لكنها تحافظ على استمرارية الحركة الاقتصادية والإنسانية في المرحلة الحالية”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *