رمضان في السودان.. الحرب تغير ملامح شهر الصيام

عاين- 18 فبراير 2026 

بدأ السودانيون صوم شهر رمضان وهي المرة الثالثة التي يصومون فيه هذا الشهر في ظل واقع حرب مستمرة بين الجيش والدعم السريع ألقت بظلالها على كل شيء، حتى التجهيزات والطقوس الاجتماعية الرمضانية المعتادة.

يشعر الحاج عبد القيوم المقيم مع عائلته في ولاية الجزيرة أواسط السودان بالأسف، لعدم تمكنه من توفير أموال لزوجته لشراء السلع الغذائية لصيام شهر رمضان، والتي أبرزها إعداد المشروب الأشهر (الحلو مر) والمعروف أيضا بالآبري، كما لم يشتر سلع رمضانية أخرى مثل السكر والتمور والعصائر أو كميات من الفاكهة واللحوم التي اعتاد في السابق شراءها قبل وقت كاف.

عبد القيوم يقول إنه سيكتفي بالشراء اليومي لرقائق عصير “الحلو مر” وغيرها من المستلزمات من السوق بحسب ما يتوفر له من مال. كما أشار في مقابلة مع (عاين) إلى أنه سيتخلى عن العادة الأشهر في السودان وهي تناول الفطار بشكل جماعي خارج المنزل والمشاركة مع الجيران؛ لأنه لا يستطيع تجهيز مائدتين رمضانتين يوميا كما جرت عادته. وهو الذي فقد وظيفته خلال الحرب.

“الحرب في السودان لم تدمر البنى التحتية، وتشرد المواطنيين فحسب، بل دمرت كثيرا من العادات والتقاليد السمحة في المجتمع السوداني”. يقول عبد القيوم.

واندلعت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 في الأيام العشرة الأواخر من شهر رمضان، ليصوم السودانيون بعد ذلك شهري صيام 2023، 2025 خلال الحرب التي تسببت في نزوح ولجوء أكثر من 12 مليون شخص طبقا لإحصاءات منظمات دولية، كما أثرت في الحياة المعيشية للسودانيين الذين فقد  الكثير منهم وظائفهم.

نازحون بلا شيء

يأتي شهر رمضان هذا العام والحرب لا تزال مستعرة في بعض المناطق، خصوصا في ولايات كردفان ودارفور، اللتين نزح منها مئات الآلاف إلى مناطق أكثر أمنا، من بينهم حواء مصطفى، معلمة وأم لثلاثة أطفال، نزحت إلى مدينة بورتسودان من مدينة الجنينة، غرب دارفور، بعد اندلاع المعارك بين الجيش والدعم السريع قبل أكثر من عامين، واسترجع حاليا أيامها الرمضانية في الجنينة، بطقوسها الدينية والاجتماعية.

إفطار أول أيام رمضان من مدينة الدمازين فبراير 2026

مصطفى، تسكن حاليا في مركز إيواء للنازحين بمدينة بورتسودان شرقي السودان في ظروف إنسانية بالغة التعقيد، وتستقبل شهر رمضان هذا العام كما استقبلته في العامين الماضيين بواقع سيئ، وتقول لـ(عاين): “هذه السنة الثالثة التي يمر عليهم شهر رمضان في بورتسودان حيث حياة التيه والنزوح وبعيدين جدا عن الجنينة ورمضانها، حيث تستحيل المقارنة بين هنا وهناك”، مشيرة إلى أن رمضان النزوح يفتقد إلى نكهة ألفتها وأحبتها، حيث تفتقد هنا في بورتسودان “اللمات الأسرية” والإفطارات في الشوارع.

وتوقعت مصطفى، كما حدث في السنتين السابقتين، أن تصلهم كنازحين تبرعات عينية غير كافية من السلع الرمضانية، مشيرة إلى أنه، وقبل دخول شهر رمضان، أي قبل أسابيع، توقفت كثير من الإعانات العادية لمراكز الإيواء، وما يأتيهم بات لا يسد رمقا، معربة عن أملها أن تكون إعانات شهر رمضان لهذا العام أحسن من غيرها.

دنقلا.. يفتقدون الكثير

في مدينة دنقلا، شمال السودان، يبدو الوضع أفضل بالنسبة للمواطنة، هدى محجوب، التي تشير في مقابلة مع (عاين) إلى أن الناس هنا بدأوا الكفاح منذ أسابيع لتجهيز ضروريات الشهر، وبدأوا بما هو أساسي، الحلو مر الذي يمثل ملمحا ثابتا في أي مائدة رمضانية سودانية، وأشارت إلى أنها شخصيا أعدته ومعه “الرقاق”الذي يتم تناوله كوجبة “سحور” مع بداية اليوم الرمضاني، كما جمعت كميات مقدرة من المواد التموينية من سكر، وتمر وعصائر ودقيق وزيت، على الرغم من ارتفاع أسعارها.

ويحل شهر رمضان في وقت تشهد فيه أسعار السلع الاستهلاكية ارتفاعا كبيرا، ووصل سعر جوال السكر سعة 50 كيلو إلى نحو 155 الف جنيه في مختلف الولايات المستقرة، وبلغ سعر كرتونة التمر 25 الف جنيه ورطل التوابل بمتوسط 10 الف جنيه، ورطل العرديب 13 الف جنيه، ووصل سعر دستة البرتقال ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف جنيه، والملوة من العدسية إلى 15 الف جنيه، وتتضاعف أسعار تلك السلع الرمضانية في المناطق التي لا تزال تشهد قتالا مباشرا.

لكن هدى محجوب، تضيف: “رغم اكتمال التجهيزات هناك العديد من الأشياء نفتقدها بشدة أبرزها تجمع العائلات التي تفرقت بين النزوح الداخلي واللجوء بسبب الحرب”.

سنجة.. تجهيزات ناقصة

في مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار، رمضان هذا العام أكثر استقراراً من بين أعوام الحرب، لجهة أن المدينة عاشت تفاصيل الحرب بعد سيطرة الدعم السريع عليها  قبل أن يستعيد الجيش السيطرة عليها في نوفمبر 2025، وتقول ابتسام عبد الشكور من مدينة سنجة لـ(عاين): إنها” عاشت الحرب وجربت معاناتها من نزوح وغيره، لكنها عادت مؤخرا للمدينة الآمنة وانخرطت في ترتيبات شهر رمضان بكل تفاصيله وعاداته المتوارثة، وجهزت كل المستلزمات استعدادا لشهر رمضان رغم أسعار السلع المرتفعة جدا خاصة مكونات عصير (الحلو مر) مثل، البهارات والتوابل، والذرة والحطب، بما لا يقل عن 300 الف جنيه.

وتشير عبد الشكور إلى أن بعض العائلات أعدت كمية لا تكفيها كل شهر رمضان. منوهة إلى أنه في الماضي يكثر التكافل بين الناس حيث يتقاسم الجيران مع المحتاجين السلع الرمضانية وبعضهم يرسل حاجيات رمضان إلى أقربائه خارج السودان، لكن الآن قليل من الأسر تفعل ذلك، نسبة لصعوبة الحياة وعدم الاستطاعة.

كسلا.. تجفيف السلع

في مدينة كسلا شرقي السودان تراجعت مظاهر الاستعدادات لاستقبال شهر رمضان- وفقا للناشط المجتمعي بالمدينة همرور حسين همرور، الذي يقول في مقابلة مع (عاين): “الاستعدادات ليست كالسابق، ارتفعت تكاليف تجهيز مشروب “الحلو مر” بواقع 60 الف جنيه سوداني للربع الواحد من الذرة، وهو مبلغ ليس في متناول الجميع مقارنة بالرواتب الشهرية أو ما تتحصله العمالة اليومية من مقابل مادي ضعيف، عدا ذلك هناك التزامات يومية أخرى على الأسر من صحة وتعليم وغيره”.

جانب من سوق الخضروات في مدينة الأبيض فبراير 2026

همرور يشير إلى أن استعدادات الموظفين ضعيفة جدا لتآكل الهيكل الراتبي في حين أن مصروف الأسرة أقله 50 الف جنيه يوميا، في حين يصرف موظف في الدرجة التاسعة 90 الف جنيه شهريا، بينما لا يتجاوز راتب موظف في الدرجة الأولى ما بين 180 إلى 200 الف جنيه، يضاف إلى المعاناة، والحديث لهمرور، سلوك التجار على حساب المستهلك.

“كل تجار وشركات شعوب العالم الإسلامي العربي، وحينما يقترب شهر رمضان، يبادرون إلى تخفيض الأسعار، وهذا ما لم يحدث في السودان، علما أن السلع الضرورية والاستراتيجية مختطفة من قبل تجار انتهازين يعتقدون أن شهر رمضان بالنسبة لهم فرصة لجمع أكبر قدر من الأموال، ويحاول بعضهم احتكار السلع الرمضانية ومنهم من يعمل على تجفيف الأسواق من قبل أسبوعين”. يقول همرور.  ويتابع: “هذا حدث في كسلا  وجُفِّفَت سلعة الزيت ما أدى زيادة سعره في الأيام الماضية.. كذلك الدولة نفسها تضيق على المستهلك في استعدادات رمضان بفرضها لرسوم وجبايات خيالية على السلع الرمضانية.

عائلات تفتقد بعضها

ملامح رمضان المعتادة في السودان تراجعت كليا بعد الحرب- وفقا للباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم- التي  تقول لـ(عاين): أن “شهر رمضان ككل اختلف تماما بعد الحرب بسبب الحركة السكانية بالنزوح أو اللجوء وكمثال العاصمة الخرطوم فالأحياء ليست عامرة بالناس وتتفاوت نسبة العودة السكانية من حي إلى آخر، لذا لن تكون ملامح رمضان كملامحه السابقة، وربما يكون هذا العام أفضل من العامين الماضيين من اندلاع الحرب”.

“افتقاد الأسر لبعضها البعض بعد التشتت والموت، ربما يكون له تأثير نفسي ومجتمعي يخلق حزنا خصوصا في الأيام الرمضانية الأولى من الشهر الذي تترافق فيه الواجبات والفروض الدينية مع الطقوس المجتمعية، وتنوه إلى أن الأخيرة قلت بعد الحرب بنسبة كبيرة، رغم حاجة كثيرين إليها نتيجة إصابتهم بصدمات نفسية وشروخ خلال الحرب لذا هم أحوج إلى من يصلهم ويسأل عنهم من أجل، ولو قليلاً من التعافي النفسي.

وقبل حلول شهر رمضان، نشطت جمعيات ومنظمات خيرية بغالب مدن السودان وقراه، وجهود خيرية عمادها العاملين السودانيين بالخارج، في تقديم سلات غذائية رمضانية تشمل سلعا مثل السكر والدقيق والزيت والعصائر والبن والتمر وبكميات تتفاوت من منطقة أخرى.

يقول أحمد قمبيري، وهو عضو في منظمة كفالة أرملة ويتيم، ومقرها ولاية الخرطوم: إن “منظمتهم شرعت فعليا في جمع تبرعات من أعضائها ومن الخيرين، لشراء سلات غذائية لعشرات الأرامل والأيتام وتوزيعها”. وأشار في مقابلة مع (عاين) إلى أنهم درجوا في كل سنة تجهيز تلك السلات مستهدفين بها الشرائح الضعيفة في المجتمع والأسر المتعففة والأرامل والأيتام.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *