افتتاح محدود: المسرح القومي بأم درمان.. عودة الروح أم اختبار الدولة؟

عاين- 14 نوفمبر 2026

نشطت خلال الثلاث سنوات الأخيرة، وإن بشكل متقطع، حركة مسرحية تجوب مناطق النزوح واللجوء التي وجد المسرحيون السودانيون أنفسهم داخلها، وفي الأيام الماضية بدأت عملية إنعاش أولية للمسرح القومي في أم درمان، أكبر وأعرق صرح مسرحي وفني في البلاد.. فهل تكون هذه بداية للعودة: عودة المسرحيين وعودة الحياة إلى أم درمان؟

لم يركن المخرج والناقد المسرحي ربيع يوسف الحسن، إلى الخمول أو الانزواء بعد خروجه من العاصمة الخرطوم بعد اندلاع الحرب، وتابع له الجمهور في مدن وقرى النزوح بولاية الجزيرة وشرق السودان أعمالًا مسرحية متوالية عدها كثير من النقاد “مقاومة ثقافية” وفعلًا دراميًا اجتماعيًا في مواجهة مأساة النزوح.

 يقول ربيع يوسف في مقابلة مع (عاين) معلقًا: على تدشين المرحلة الأولى من صيانة المسرح القومي بأنها “جهد يحسب لزملاء وزميلات من المسرحيين ظلوا في أم درمان والخرطوم، وقدموا مجهودات جبارة في هذه المرحلة بجمع التبرعات وقطع الأشجار ونظافة المكان، وتنظيم أنفسهم في جمعية ثقافية لتنظيم عملهم والتواصل مع الجهات الرسمية والجهات المانحة، وهذا جهد كبير جدًا أعتز به وبالزملاء، وهذه الروح والحرص على المسرح”.

“من جهتي أنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، وهي أين الإرادة والموارد الرسمية الحكومية التي تضع في اعتبارها صرحاً تاريخي ورمزياً ومادياً مثل المسرح القومي. فما لم يتخلص الذهن الرسمي من أن الفنون والثقافة عبء عليه، وعلى موارده لن يكون هناك رد اعتبار حقيقي للمسرح القومي أو لكل المؤسسات الثقافية والإعلامية”. يقول الحسن.

بينما المسرحيون وهم في لجوئهم ونزوحهم يثبتون أن المسرح أداة للمقاومة والبناء، ظل الذهن الرسمي ينظر إلى المسرح والفنون والثقافة عموما كعبء

الناقد والمسرحي، ربيع يوسف

ويضيف الحسن: “أقول في هذا الكلام، وأنا أتابع مفارقة غاية في (الدرامية)، وتكمن في أنه بينما المسرحيون وهم في لجوئهم ونزوحهم إلى مدن السودان المختلفة ودول الجوار، وإثباتهم للوعي بأن المسرح أداة للمقاومة والبناء، بينما يعون كل هذا، ويوجدون في كل مساحة مسرحية ظل الذهن الرسمي ينظر إلى المسرح والفنون والثقافة عموما كعبء مثلما ذكرت على موارده واستراتيجياته، لذلك بقدر المراهنة على الجهد الأهلي والشعبي الذي أوصل المسرح القومي لهذه المرحلة الأولى من التدشين، بقدر ما ينظر المرء إلى أن هذا الجهد لن يكتمل ما لم تتكامل الجهود الرسمية مع الجهود الشعبية”.

مشهد من مسرحية جدران، الصورة من صفحة الكاتبة والمخرجة ماجدة نصر الدين على فيسبوك

وفي خاتمة إفادته يطرح المخرج والناقد ربيع يوسف سؤالا يرى أنه مهم جدا حول التركيز على المسرح القومي ويقول: “أعتقد من الأسئلة المهمة التي يفترض أن نقاربها أيضًا هو سؤال لماذا المسرح القومي؟ ولماذا الإصرار على المسرح القومي؟ هذا سؤال نواجهه، فواحدة من مزايدات معركتنا مع “المليشيا”- حسب وصفه- إنه هناك هامش ومركز. هذه الأسئلة تترحل على المستوى المهني في كل المجالات، لكل الفنانين. لماذا المسرح القومي؟ لماذا العاصمة؟ مثلا أنا نزحت كأحد المسرحيين السودانيين، إلى مدن كثيرة إلى أن وصلت بورتسودان، وفي كل مدينة كنت أحد مظالم كثيرة سببها الرئيسي إهمال دولتنا السودانية – للأسف – لبنياتهم التحتية ولميزانياتهم المستحقة. ما أود قوله نهاية إنني أتساءل هل (عقلنا السوداني) كدولة أو كبنية تحتية أو جهاز رسمي مستوعب المسرح والفنون والثقافة ليست عبئا على جهاز الدولة أم لا؟ هذا السؤال يجب أن يجد الإجابة، أنا بالنسبة إلي لم يجب عليه أحد حتى الآن، وإذا تمت الإجابة سنبدأ نفكر بشكل مختلف، وسنخطو خطوة في الاتجاه الصحيح جهة التفكير والنقاش”.

قبل الحرب: حال لا يسر

يكاد المسرح القومي في أم درمان يبلغ السبعين من عمره، إذ تأسس في العام 1959 على يد رئيس البلاد وقتها الفريق إبراهيم عبود، وفي عهده وإلى حد ما في حقبة المشير جعفر النميري شهد المسرح القومي نشاطا لافتا، سواء في الحفلات ذات الطابع الجماهيري، أو عبر انتظام المواسم المسرحية، وتقديم أعمال ملفتة مثل “نبتة حبيبتي” و”خطوبة سهير” و”المك نمر” وغيرها، بيد أن هذا بدأ في التقلص في فترة الرئيس المعزول عمر البشير، بل تراجعت الدولة تمامًا عن الدعم، ونال الإهمال المسرح كمبنى والمسرحيين ككيان ثقافي وفني مهم.

الناقدة المسرحية ميسون عبد الحميد أبدت ترحيبًا، بالمحاولة الأولية لإعادة الحياة إلى المسرح القومي في أم درمان، وقدمت في حديثها لـ (عاين) ملاحظات عدة حول حال المسرح قبل الحرب وما تتمناه أن يحدث في حال توقفها. تقول ميسون: “إعادة افتتاح المسرح القومي، كرمز وطني وتاريخي، وانسياب حركة الناس إليه وعودة الحياة إلى طبيعتها من الأخبار المفرحة التي تكتمل بوقف الحرب واستدامة السلام، حتى يعود الجمهور بشكل منتظم، ويكون المسرح من أوليات إعادة التعمير، لأن المسرح حتى قبل الحرب حالة لا يسر، وكلنا نعرف حجم الإهمال الذي عاناه المسرح القومي في أم درمان، كمباني وإدارة وتمويل، خلال السنوات الماضية، فهو كمكان تاريخ وقومي كان مهملًا تمامًا، ولولا إصرار المسرحيين على ارتياده في كل يوم وبث الحياة فيه لتداعى، وانتهى منذ وقت طويل، فما أتمناه أن تكون هذه المحاولة بمثابة عودة الروح إلى المسرح وإعطائه الاهتمام اللائق”.

وترى ميسون، أن من الضروري والمهم جدًا أن يتم إعادة اختيار إدارة جديدة واعية بدور المسرح بعيدًا عن الأدوار التقليدية، وأن يفتح المجال لشراكات مع مؤسسات مشابهة للتدريب التقني الحديث في الإضاءة والصوت وغيره؛ مما يشهده العالم في مجالات العرض المسرحي والجماهيري عمومًا.

وتقول ميسون أيضًا: أن “تقنين أوضاع المسرحيين والمسرحيات أمر مهم آخر يجب الالتفات إليه بفتح ضمان اجتماعي وصحي”. وتتابع: “أغلب الفنانين ماتوا من الفقر والمرض”. وتضيف: “والأهم بالطبع فتح باب الحريات للتعبير عن الرؤى والأفكار التي تدعم السلام واستدامته دون قيد أو حجر على أحد”.

افتتاح محدود

في ظرف السودان الحالي هل يعد المسرح ترفًا أم هو ضرورة؟ وإن كان من ضرورات الحياة كيف يمكن للناس الآن التعامل مع هذه الحقيقة في ظل العطب العام الذي أصاب الحياة في السودان؟

 المتخصص في الصحافة الثقافية، مغيرة حسين حربية، يقول: إن “المسرح القومي لا تزال علته قائمة رغمًا عما وصفها بـ(عملية الافتتاح المحدود)، والمشاكل لا تزال كما هي، سواء نظرنا إلى المسرح كمبنى أو عودة إلى موسم مسرحي أو حفلات أو نشاط آخر، أو حتى ذلك التلاقي العادي بين المسرحيين كما كان في السابق، فالمنطقة حول المسرح موحشة وصامتة ويعمها الهدوء، نعم الحالة الأمنية يمكن القول إنها مستتبة حول المكان، لكن برغم ذلك لا توجد حركة في هذه المنطقة التي تضم المسرح والإذاعة والتلفزيون كانت في السابق نشطة جدًا”.

محاولات التدشين وإعادة النشاط إلى المسرح القومي في أم درمان لم تخرج حتى الآن من إطار المبادرات الأهلية

المتخصص في الصحافة الثقافية، مغيرة حربية

ويتابع حربية قائلًا: “من الملاحظات الأخرى المهمة أن أغلب المسرحيين غير موجودين أصلا في العاصمة ما بعد الحرب، ولا أعتقد أنه بهذا الشكل أن يكون هناك نشاط مسرحي، لكن إذا حدث فسيكون ذلك في إطار ضيق، أما عودة حقيقية وتأسيس ثاني من أول جديد للمواسم المسرحية لا أعتقده ممكنا في هذا الوقت الحالي”.

ويعلل حربية لذلك بقوله: “لأسباب عدة منها غياب المسرحيين كما ذكرت، أو فنيين مختصين، إضافة إلى أن الجمهور نفسه غير موجود. فلو افترضنا الآن أن هناك عرضاً مسرحياً، فلكي تصل إلى المسرح القومي في أم درمان، هذه كلفة كبيرة جدًا إن كنت قادمًا من الجرافة أو أم بدة أو أحياء الخرطوم، وأيضا متى سيكون العرض ليلا أم نهارا، ففي الليل لا توجد حركة أصلًا في هذه المنطقة، وكما تعلم الحركة صعبة جدا الآن ما بين مدن الخرطوم، لا سيما بحري وأم درمان؛ بسبب تعطل بعض الجسور”.

عرض مسرحي في مركز إيواء نازحين بمدينة ود مدني- الصورة من صفحة المسرحي غدير ميرغني على فيس بوك

محاولات التدشين وإعادة النشاط إلى المسرح القومي في أم درمان لم تخرج حتى الآن من إطار المبادرات الأهلية، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إعادة تأهيل المسرح تتطلب ملايين الجنيهات السودانية حتى يتمكنوا من ترميم المبنى وتجهيزه بالصورة العصرية اللائقة، كما أنهم بحاجة ملحة إلى محفز مادي ومالي يعيدهم إلى العاصمة الخرطوم، وهي مركز الفنون والإبداع، فهل تنحاز الدولة إلى هذا الخيار؟

في رأي مغيرة حربية أن الظروف الاقتصادية الآنية في ظل الحرب المستمرة والغلاء الفاحش في كل شيء قد لا تساعد في إنعاش الحركة المسرحية في المسرح القومي حتى وإن نجحت إدارته في إعداد موسم مسرحي. وعن المسارح الأخرى في العاصمة يقول: “مسرح كرري في أم درمان تحول إلى سوق بعد أن أجرته المحلية لمحلات ومطاعم وبقالات، وفي الأصل كان يعاني من مشاكل والمسرحيين أنفسهم لم يعودوا يركزون عليه، أما مسرح خضر بشير في بحري فكانت هناك محاولة لافتتاحه، لكن أيضا لا يوجد نشاط”.

وفي رأي مغيرة أن من أسباب غياب المسرح حتى الآن داخل الخرطوم غياب الشعور لدى الناس بالذهاب إلى مكان ما من أجل الترفيه – إذا كان المسرح ترفيها – فالظرف الاقتصادي كما ذكرت ضاغط جدا ولا يساعد على الحركة والتنقل. ويختم المغيرة إفادته بتأكيد على أن “لا عودة قريبة للمسرح في ظل الراهن”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *