(أسلحة البيوت).. كيف غيّرت الحرب ثقافة الأمان داخل منازل السودانيين؟
عاين- 25 مارس 2026
في أعقاب الحرب التي اندلعت بالسودان في أبريل 2023، تمدد انتشار السلاح من مناطق الاشتباكات والمعارك إلى الفضاءات الخاصة داخل المنازل، ويتزايد حضور السلاح كخيار يلجأ إليه بعض المدنيين في ظل واقع أمني متقلب لا سيما في عدد من المدن والمناطق الآمنة نسبياً.
تعكس روايات مواطنين من مناطق مختلفة، من شرق النيل في العاصمة الخرطوم ومدينة الدامر عاصمة ولاية نهر النيل لـ(عاين)، مسارات متعددة للحصول على السلاح، تتراوح بين صفقات مباشرة في لحظات الفوضى وشبكات بيع قائمة على العلاقات الشخصية. وبين دوافع الحماية ومخاوف الاستخدام، تبرز هذه الظاهرة كأحد التحولات الاجتماعية المرتبطة بالحرب، في وقت يشير فيه مختصون إلى آثارها المحتملة على الأفراد والمجتمع على المدى البعيد.
صفقات سهلة
من أحد أحياء شرق النيل بالعاصمة الخرطوم، يروي آدم — اسم مستعار لمدني يحتفظ بسلاح داخل منزله — لـ(عاين) كيف دخل السلاح حياته كصفقة عابرة في لحظة فوضى. ويقول: إن “الأمر بدأ خلال ذروة الاشتباكات، حين صادف مجموعة مسلحة من الدعم السريع في حالة انسحابهم من مناطق شرق النيل…كانوا يتخلصون من أسلحتهم، وبعضها يُلقى بها في ترع المياه”، ويضيف، موضحاً أنه حصل على بندقية كلاشينكوف مقابل “عتود”- صغير الماعز، في تبادل لم يستغرق وقتاً طويلاً، ولم يحتج إلى وسطاء أو ترتيبات معقدة. ويختصر التجربة بقوله: “كانت أسهل مما تتخيل، وافقت بدون تردد، وأمنت السلاح في البيت”.
لم يكن الدافع، بحسب روايته، تجربة شخصية مباشرة مع العنف. لم يتعرض هو لاعتداء، لكنه شاهد ما حدث للآخرين، وهو ما كان كافياً لدفعه نحو خيار التسلح. يبرر ذلك بمنطق بسيط: الزمن غير مضمون، ومن الأفضل أن يكون الإنسان مستعداً لحماية نفسه وأسرته.
داخل المنزل، تحول السلاح إلى عنصر خفي في تفاصيل الحياة اليومية. يشير إلى أنه قام لاحقاً بدفنه داخل المنزل كإجراء احترازي، رغم أن الأطفال على علم بوجوده. ورغم أنه لم يستخدمه حتى الآن، إلا أنه لا يستبعد ذلك مستقبلاً، قائلاً إن “لكل شيء وقته” في إشارة إلى احتمال اللجوء إليه عند الضرورة.
هذا التناقض بين الطمأنينة والقلق يظهر بوضوح في حديثه. فمن جهة، يرى أن وجود السلاح يمنحه شعوراً بالقدرة على الدفاع وتقليل “قلة الحيلة”، ومن جهة أخرى، لا يُخفي أن هذا الإحساس مرتبط بواقع غير مستقر. ومع ذلك، فإن هذا الشعور بالأمان النسبي يبدو كافياً لتبرير الاحتفاظ به في نظره.
أما داخل الأسرة، فلا يبدو أن هناك نقاشاً فعلياً حول الأمر. يصف آدم، موقف زوجته وبقية أفراد الأسرة بأنه “صامت”، دون اعتراض أو تأييد واضح، وكأن السلاح أصبح جزءاً طبيعياً من البيئة المحيطة، لا يستدعي نقاشاً.
ولا يربط آدم قرار التخلي عن السلاح فقط بانتهاء الحرب، بل بشيء أعمق: استعادة الثقة. يقول إنه “لن يفكر في ذلك إلا إذا استقرت البلد واطمأن الناس”، ما يعكس أن القضية، في جوهرها، ليست امتلاك سلاح بقدر ما هي غياب شعور جماعي بالأمان.
تحول اجتماعي
في مدينة الدامر عاصمة ولاية نهر النيل شمالي السودان، حيث تبدو الحياة أكثر هدوءًا مقارنة بمناطق شهدت حرباً مباشرة، يتحدث محمد علي، وهو سمسار سيارات وعقارات، عن تجربة لم يكن يتخيل أن يخوضها يوماً: شراء سلاح والاحتفاظ به داخل منزله.
يقول محمد في مقابلة مع (عاين): إنه “تعرّف على بائع السلاح عبر صديق مشترك، وأن عمليات البيع لا تتم في سوق مفتوح، بل عبر شبكة من المعارف”. وبحسب وصفه، فإن هذا النمط أصبح شائعاً في المدينة، إذ يعتمد الناس على العلاقات الشخصية للوصول إلى البائعين. ويضيف: “الاتفاق تم عبر وسيط، وهو صديق، تولّى الربط بينه وبين التاجر، قبل أن تُستكمل الصفقة بشكل مباشر”.

اشترى محمد مسدس “طبنجة” ولفت إلى أن الأسعار قابلة للتفاوض وليست ثابتة. ويرى أن الإقبال على شراء السلاح لا يقتصر عليه وحده، بل يشمل فئات عمرية ومهنية مختلفة، يجمعها دافع واحد: البحث عن الأمان في ظل واقع غير مستقر.
ويقول محمد علي: إن “قرار شراء السلاح لم يكن مطروحاً بالنسبة له قبل الحرب لكن مع اندلاع الحرب وتزايد الانتهاكات، تغيّر هذا الموقف جذرياً”. يوضح علي بأن ما شاهده من أحداث، إلى جانب ما سمعه من قصص عن مقتل مدنيين داخل مدينة الدامر التي لا تعرف عن الحرب إلا قصصها لعب دوراً حاسماً في اتخاذ قراره.
ورغم إقراره بأن عملية شراء السلاح لا تتم في إطار قانوني واضح، إلا أنه يصفها بأنها أصبحت “عادية” في السياق الحالي، في إشارة إلى تحوّل اجتماعي أوسع فرضته ظروف الحرب، حيث باتت الحماية الذاتية خياراً مطروحاً أمام كثير من الأسر.
بين روايات المدنيين وتحليل الخبراء الاجتماعيين تتشكل صورة أكثر تعقيداً لظاهرة حيازة السلاح داخل المنازل. فحديث محمد علي، الذي يرى أن امتلاك السلاح أصبح “أمراً عادياً” رغم إدراكه لعدم قانونيته، يعكس تحوّلاً في مفهوم الأمان من مسؤولية الدولة إلى مسؤولية فردية. هذا التحول، كما يفسره مختصون اجتماعيون، ليس نابعاً من قناعة راسخة بجدوى السلاح بقدر ما هو استجابة مباشرة لبيئة يسودها الخوف وانعدام اليقين. وبينما يمنح السلاح شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، فإنه في الوقت نفسه يعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمع، حيث يتراجع الاعتماد على المؤسسات لصالح حلول فردية قد تحمل في طياتها مخاطر أكبر على المدى البعيد.
سوق خرج عن السيطرة
من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، يتحدث سامي — وهو اسم مستعار لعضو في لجان المقاومة — لـ(عاين) بلغة أقرب إلى تشخيص سوق خرج عن السيطرة منه إلى مجرد رأي شخصي. بالنسبة له، انتشار السلاح بين المدنيين ليس مفاجأة، بل نتيجة مباشرة لخلل في معادلة الأمن.
يقول سامي: إن “ما يحدث ظاهرة متوقعة في مجتمعات خرجت من النزاعات”، موضحاً أن الحرب تترك خلفها فراغاً أمنياً وتآكلاً في ثقة الناس بمؤسسات الدولة، ما يدفع الأفراد للبحث عن بدائل فورية للحماية. لكنه يضع خطاً فاصلاً بين الفهم والتبرير، مشيراً إلى أن هذا السلوك “رد فعل احترازي قائم على الخوف، وليس خياراً عقلانياً طويل الأمد”.
في هذا السياق، يفسر سامي شعور بعض الأسر بالأمان عند امتلاك سلاح داخل المنزل باعتباره إحساساً سريعاً بالقدرة على الردع والسيطرة، خاصة في بيئة فقدت فيها المؤسسات الرسمية دورها. لكن هذا الإحساس، بحسب وصفه، يحمل تناقضاً داخلياً؛ فهو يمنح طمأنينة سطحية، بينما يزرع في الوقت نفسه قلقاً خفياً مرتبطاً بإمكانية الحوادث أو التصعيد غير المقصود للخلافات اليومية.
ويمضي في تحليل المسار المحتمل لهذه الظاهرة، محذراً من أنها قد تتحول إلى نمط اجتماعي إذا استمرت هشاشة الوضع الأمني. ويقول: “إذا لم تُبنَ مؤسسات أمنية عادلة وموثوقة، فإن السلاح سيتحول من أداة استثنائية إلى جزء من الثقافة اليومية”. لكنه في المقابل يترك مساحة لإمكانية التراجع، عبر سياسات نزع السلاح وبناء الثقة المجتمعية.
انتشار السلاح يفتح الباب أمام تصاعد العنف المحلي، ويقوّض شرعية الدولة، ويضعف الثقة بين الأفراد
عضو لجنة مقاومة بمدينة عطبرة
ولا يتوقف القلق عند حدود الحاضر، بل يمتد إلى الأجيال القادمة. يلفت سامي إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات تحتوي على سلاح يواجهون مخاطر متعددة، من تطبيع مع العنف إلى التأثيرات النفسية طويلة المدى، بما في ذلك القلق المستمر والحساسية المفرطة تجاه النزاعات. كما يشير إلى أن هذه البيئة قد تعيد تشكيل مفاهيم جديدة بعيداً عن القانون والمؤسسات.
وعلى المستوى المجتمعي الأوسع، يرى أن انتشار السلاح يفتح الباب أمام تصاعد العنف المحلي، ويقوّض شرعية الدولة، ويضعف الثقة بين الأفراد، ما قد يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وعرقلة جهود إعادة الإعمار. ويختصر المشهد بقوله: “نحن أمام اقتصاد خوف، إذا لم يتم احتواؤه، سيتحول إلى بنية دائمة يصعب تفكيكها”.
في ضوء ذلك، يدعو سامي إلى تدخلات عملية تقودها لجان الأحياء والفاعلون المدنيون، تبدأ بحملات توعية حول مخاطر السلاح، وتشجيع أساليب التخزين الآمن، وصولاً إلى الدفع نحو برامج نزع السلاح وبناء الثقة مع المؤسسات الأمنية. بالنسبة له، المعركة الحقيقية ليست فقط في جمع السلاح، بل في تفكيك الفكرة التي جعلت الناس يرونه ضرورة يومية.
مكاتب ترخيص حكومية معطلة
في قراءة قانونية للمشهد، يضع المحامي عبدالرحيم محمد يده على الفجوة بين “القانون كما ينبغي أن يكون” و”القانون كما يُمارس فعلياً” في السودان بعد الحرب.
يبدأ حديثه من الإطار الرسمي، ويوضح في مقابلة مع (عاين)، أن قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات لا يزال، نظرياً، المرجعية الأساسية لتنظيم حيازة السلاح، حيث يشترط الحصول على ترخيص من وزارة الداخلية وفق معايير محددة، تشمل السن، والسجل الجنائي، والفحوصات الطبية والنفسية. لكن هذه المنظومة، بحسب وصفه، لم تصمد أمام ضغط الحرب، إذ تحولت من “آلية ضبط” إلى نص معطل.
ويشير إلى أن الواقع الميداني أعاد تشكيل المشهد بالكامل؛ فتعطّل مكاتب الترخيص في عدد من الولايات، خاصة مناطق النزاع، جعل الحصول على رخصة أو حتى تجديدها أمراً شبه مستحيل. في المقابل، ظهرت ترتيبات استثنائية على مستوى بعض الولايات، مثل نهر النيل والشمالية، حيث سمحت قرارات محلية بتنظيم ما يُعرف بـ”المقاومة الشعبية”، ما خلق وضعاً قانونياً ملتبساً. ويقول في هذا السياق: “نحن أمام حالة قانونية رمادية، تُمنح فيها شرعية حمل السلاح خارج الإطار الإجرائي التقليدي، تحت مبرر الدفاع الذاتي”.
تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود أكثر من 8 ملايين قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة وتشمل أسلحة أوتوماتيكية لم تكن ضمن نطاق الترخيص المدني
قانوني
وعند الانتقال إلى حجم الظاهرة، يوضح عبدالرحيم أن تقديرات ما قبل الحرب كانت تشير إلى وجود ما بين 3 إلى 5 ملايين قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، إلا أن هذه الأرقام لم تعد واقعية اليوم. فمع نهب مخازن عسكرية ومراكز شرطة، وفتح مسارات تسليح جديدة عبر الحدود، قفزت التقديرات غير الرسمية إلى أكثر من 8 ملايين قطعة، تشمل أسلحة أوتوماتيكية لم تكن ضمن نطاق الترخيص المدني في السابق.
هذا التوسع الكمي، برأيه، انعكس مباشرة على البنية الاجتماعية. إذ لم يعد السلاح مجرد أداة دفاع، بل تحول إلى عنصر فاعل في النزاعات اليومية. ويشرح أن غياب الرقابة القانونية والتدريب المنظم أدى إلى “عسكرة” الخلافات، بحيث يمكن أن تتحول مشاجرة عادية أو نزاع على موارد إلى مواجهة مسلحة. كما يحذر من ارتفاع الحوادث المنزلية، خاصة تلك التي يكون ضحاياها من الأطفال، نتيجة سوء التخزين أو الاستخدام.
ويمضي المحامي عبد الرحيم إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الخطر الأكبر ليس في السلاح ذاته، بل في ما ينتجه من تحولات ذهنية وسلوكية داخل المجتمع. ويقول: “عندما يفقد المواطن الثقة بقدرة الدولة على حمايته، ويتحول السلاح إلى بديل وظيفي للأمن، فنحن أمام حلقة مفرغة يصعب كسرها لاحقاً”.
ويشير عبدالرحيم، إلى أن السودان يمتلك إطاراً نظرياً لما يُعرف ببرامج DDR (نزع السلاح، التسريح، وإعادة الدمج)، إلا أن هذه الخطط لا تزال معلقة بانتظار استقرار سياسي وأمني. ويضيف: أن “التحدي القادم لن يكون فقط في التعامل مع المقاتلين النظاميين، بل مع المدني المسلح الذي دخل دائرة التسلح خارج أي هيكل رسمي”.
سيناريوهات
ويطرح عبد الرحيم، جملة من السيناريوهات المحتملة، تبدأ ببرامج جمع طوعي للسلاح مقابل حوافز اقتصادية أو تنموية، وقد تنتهي بإجراءات أكثر صرامة تشمل الجمع القسري والعقوبات القانونية. لكنه يشدد على أن نجاح أي من هذه المقاربات يعتمد على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويلفت المحامي إلى نماذج مثل رواندا التي اعتمدت على قوانين صارمة مدعومة بشرطة مجتمعية فعالة، وكذلك سيراليون وليبيريا اللتين طبقتا برامج “السلاح مقابل التنمية”، حيث ارتبط تسليم السلاح بالحصول على خدمات أساسية. كما يشير إلى تجربة موزمبيق التي اعتمدت على وساطة المجتمع المدني والمؤسسات الدينية لتقليل حساسية العملية.
في المحصلة، يقدّم عبدالرحيم قراءة قانونية لا تنفصل عن الاقتصاد السياسي للحرب: القانون موجود، لكن السوق سبق الدولة بخطوات. والتحدي الحقيقي، كما يراه عبدالرحيم، ليس فقط في إعادة تفعيل النصوص، بل في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والأمن، بحيث يعود السلاح إلى موقعه الطبيعي كاستثناء، لا كقاعدة.






















