في الخرطوم.. زراعة منزلية و(بازارات) تُكافِحُ الجوع

عاين- 25 فبراير 2025

دفعت الحرب الدائرة في السودان والظروف التي فرضتها، المواطنون إلى اللجوء للإنتاج رجالاً ونساءً، فبرزت فكرة الزراعة المنزلية وإقامة الأسواق الخيرية (البازارات) لزيادة الدخول الشخصية.

وخلال فترة الحرب في مناطق كثيرة بولاية الخرطوم كان تأمين الغذاء أحد الهموم نتيجة عدم وصول الإنتاج من الخضروات لكثير من مناطق الاستهلاك بسبب إغلاق الطرق، بالإضافة إلى المخاطر التي تواجه المدنيين وهم في طريق وصولهم للأسواق والاعتداءات التي يتعرضون لها في مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع في ولاية الخرطوم حينها.

وشرع مواطنون في زراعة مساحات داخل المنازل أو أمامها، وفي مساحات خالية داخل الأحياء واستخدام المنتجات المتنوعة من الخضروات في الاكتفاء الذاتي للمنتجين والتوزيع لبعض الجيران، كما دفع بعض المنتجين بمنتجاتهم للأسواق، وكان الإنتاج المنزلي كان سبباً في توفير الخضروات في أحايين كثيرة عند إغلاق الطرق وتعذر وصول المنتجات للأسواق، ومنها جنوب الخرطوم.

دعم أممي

بعد توقف الحرب في ولاية الخرطوم برز برنامج لدعم المنتجين وصغار المزارعين. وقالت رئيسة فريق محلية جبل أولياء بالخرطوم، لبرنامج توزيع بذور الخضروات للموسم الشتوي ٢٠٢٥- ٢٠٢٦م ربيعة عبد الله محمد الفكي لـ(عاين): أن “البرنامج تتبناه وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري بولاية الخرطوم في المحليات السبع (قطاع نقل التقانة والإرشاد)، بدعم من منظمة الأغذية والزراعة التابع للأمم المتحدة (فاو)، وأن التنفيذ يتم بتنسيق من الإدارة العامة للزراعة والثروة الحيوانية بمحلية جبل أولياء.

الفكي، أشارت إلى أن البذور التي يتم توزيعها هي بذور محسنة لمحاصيل ورقية مثل (الجرجبر، الملوخية)، وثمرية مثل (البامية)، قرعية مثل (العجور) والأبصال مثل (البصل).

وأشارت ربيعة، إلى أنهم نفذوا حصراً بمناطق المحلية وأقاموا برامج للتوعية والإرشاد للمستفيدين حول كيفية الزراعة وطرق المكافحة الطبيعية للآفات والأمراض؛ لأن المساحات المراد زراعتها محدودة، ولا تتطلب تدخلاً كيميائياً (زراعة نظيفة، عضوية وآمنة تتم فيها عمليات التسميد بالسماد العضوي الطبيعي).

مستهدفون بالآلاف

وحول العدد المستهدف أبانت رئيسة فريق محلية جبل أولياء أن عدد المستهدفين بالمحلية يبلغ (٨) آلاف لدعم الأسر المنتجة منزلياً وصغار المزارعين الذين يزرعون في الجروف مساحات تبلغ فدانين وفدان ونصف الفدان. وتابعت أنهم بدأوا التحضير لتنفيذ البرنامج منذ شهر نوفمبر الماضي، وكانت الانطلاقة الفعلية باستلام البذور في ديسمبر المنصرم، ونبهت إلى أنهم لا يكتفون بتوزيع البذور، بل يتابعون المنتجين عبر جولات وإرشاد بواسطة مجموعات عبر تطبيق واتساب) التي تجمعهم مع المنتجين.

“من فوائد البرنامج أنه يساعد الأسر المستهدفة في الاكتفاء ذاتياً من الخضروات التي تتم زراعتها ويوفر لها الأموال التي كانت تصرف لشراء تلك الخضروات وتحويلها من أسر فقيرة ومستهلكة إلى أسر منتجة، بالإضافة إلى تسويق الفائض من الإنتاج، وتبادل المنفعة مع الغير (الخضروات مقابل اللحم على سبيل المثال)، والتعاضد الاجتماعي مثلما وفر بعض المنتجين الخضروات لمقابلة احتياجات العزاءات”. وفقا لربيعة. التي أوضحت ربيعة، أن زراعة الخضروات المستهدفة لا تتطلب وقتاً طويلاً، ومثلت لذلك بأن الخضروات الورقية تحصد في فترة ما بين (٢١ يوماً إلى شهر حسب نوع التربة، كالجرجير الذي ينبت خلال ٧ أيام).

دعوة للاستمرار

ووصفت رئيسة فريق محلية جبل أولياء، البرنامج بالناجح لجذبه أعداداً كبيرة من المنتجين، ودعت الوزارة للاستمرار فيه، ونوهت في الوقت ذاته لجهود الفريق وصبره في عمليات التوزيع التي تتطلب ملء استمارات وطواف على المناطق. وأكدت رئيسة فريق محلية جبل أولياء ربيعة عبد الله، أن البرنامج يستهدف تنمية المرأة الريفية، وأن من بين من شملهم توزيع البذور المحسنة أعداداً مقدرة من النساء تمكنّ فعلياً من الإنتاج.

وطبقاً لمتابعات (عاين) فإن البرنامج يهدف إلى تشجيع الأسر على الزراعة المنزلية، تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، تقليل العبء المعيشي، نشر ثقافة الزراعة داخل المجتمع، والاستفادة من المساحات المنزلية في إنتاج غذاء صحي.

ومن بين المناطق المستهدفة بمحلية جبل أولياء (الدويحية، الديم، الفيلاب، ودبلول، ود مختار، طيبة، العسال، نعيم، الفتياب، الشقيلاب، الدخينات، الوحدة، صنقعت، أحياء بالقرب من المستشفى التركي، القبة، القلعة، الأزهري، السلمة، مايو)، بالإضافة إلى بعض المؤسسات التعليمية.

تجربة على الأرض

(م ع) وهو أحد المستفيدين من البرنامج، يقول لـ(عاين): إن “توزيع التقاوي المحسنة على المنتجين في الأحياء يمثل خطوة مفيدة باعتبار أن الزراعة المنزلية توفر للمنتجين فرصاً للإنتاج والتسويق”.

وعن تجربته الشخصية يشير إلى أنه خلال فترة وجود الدعم السريع لم تكن هناك أعمال تدر أموالاً، بجانب صعوبة الحركة، وأنه لجأ إلى الزراعة مع تربية الدجاج، وأوضح أنه زرع في مساحة أمام المنزل، وفي منزل مجاور، (بامية، خضرة، رجلة، أسود، جرجير، كركدي، قرع، عجور، وشطة) وغيرها، وهي منتجات سريعة الإنبات.

سيدة في زرعها المنزلي بالخرطوم

ويضيف في مقابلة مع (عاين): “أنتجت هذه الزراعة وحققت الكفاية للمنزل ولعدد من الجيران، وساعدت عدد من الأصدقاء في الزراعة أمام منازلهم. كما تمت زراعة مساحة في أحد المساجد”، ولفت للمردود النفسي الإيجابي خاصة عند مرحلة الإثمار (عندما يحصل المزارع على ثمرة منتوجه ويأكل مما زرعت أيديه)، وذكر (م ع) أن تلك التجربة الناجحة شجعته للالتحاق بالبرنامج الحالي الخاص بتوزيع البذور المحسنة.

ومع التجاوب وسط المواطنين مع برامج الزراعة المنزلية وإقبالهم على الحصول على البذور المحسنة، برزت مطالب بضرورة السعي لتوسيع مجالات الدعم لتشمل الإنتاج الحيواني والدواجن.

(البازارات) وجهود الإنتاج

وفي سياق ذي صلة بالإنتاج لمواجهة آثار الحرب نفذ مبادرون ومبادرات (بازارات) أحدهما في شهر يناير الماضي، والآخر في فبراير الحالي بجنوب الخرطوم، من ضمن أهدافها تسويق المنتجات المنزلية. وقالت مناهل صلاح، وهي ناشطة في مجال تنظيم الـ(بازارات، ل(عاين) إن فكرة (البازار) تقوم على التعريف بالمنتجين وتسويق منتجاتهم التي يصنعونها، وأن يكون بيع السلع المعروضة بأسعار مخفضة، بالإضافة إلى البرامج المصاحبة التي تجذب جمهوراً خاصاً مثل ورش العمل والدورات التدريبية والأعمال الثقافية كالشعر والمسرحيات التي تساهم في التوعية.

وأوضحت مناهل، أن أول (بازار) نظمته كان في ولاية القضارف إبان فترة نزوحها عقب اندلاع الحرب، وكان ذلك في فبراير ٢٠٢٤م، ووصفته بالناجح لكون أن أغلب السيدات في تلك الولاية يشترين مطلوباتهن من (البازارات) ومن المحلات الخاصة ببيع السلع النسائية.

وذكرت مناهل، إن ذلك (البازار) حقق لها دخلاً جيداً، ومكنها من الاستقلال الاقتصادي، بجانب الفائدة التي تعلمتها في الطريقة المثلى لإقامة (البازارات) والبرامج المصاحبة، مما شجعها على الاستمرار في ذلك المجال.

وأضافت مناهل، أن من بين المنتجات التي تعرضها النساء المنتجات، أعمال الكونكريت، الإكسسوارات، البخور والعطور السودانية، منتجات سودانية مع تحسين طرق التسويق لتناسب العصر كالبهارات ومنتجات للشعر والجسم، المخبوزات، الكروشيه، والريزون الذي تصنع منه الأواني والمباخر، بجانب صناعات جلدية مثل الشنط.

بازارات لتسويق المنتجات المنزلية

وأبانت مناهل صلاح، أن هناك عدة فوائد تجنيها المشاركات في (البازارات) بالتسويق لأنفسهن حيث يصنعن أسماءً تجارية في الأسواق، وأن من بين المشاركات ربات منازل يحققن دخولاً تمكنهن من الاعتماد على أنفسهن والقيام بمسؤولياتهن تجاه أسرهن ومواجهة احتياجات الدراسة لأبنائهن.

ولفتت مناهل، إلى أنها نظمت (بازارين) منذ عودتها للخرطوم في ديسمبر الماضي، تعرفت خلالهما على النساء المنتجات، وأن (البازار) الذي أقامته مؤخراً شاركت فيه (٢٥) امرأة منتجة من أصل (١٠٠) منتجة لديها تواصل معهن، وأنها تسعى لإقامة عرض بمشاركة ال(١٠٠) منتجة حال توفر المكان المناسب.

(أم مصعب) التي تعمل في مجال المخبوزات وهي إحدى النساء اللائي شاركن في (بازار) فبراير الحالي، تقول إنها اعتادت على المشاركة في (البازارات) وأن تلك المشاركة هي العاشرة لها منذ عودتها في مايو الماضي للخرطوم مجدداً بعد الحرب، وأضافت في مقابلة مع (عاين)، أن المنتجات يتم تسويقها لأن الأسعار مخفضة، وفي متناول اليد.

وتابعت أنها تلبي احتياجات المنزل من عائدات المشاركة في (البازارات) والتسويق للبقالات وتلبية الطلبات من المنزل في الأعياد والمناسبات المختلفة، وقالت: “ماسكه البيت ولدي ابنه على أعتاب امتحانات الشهادة السودانية، وأرسل لبقية أبنائي في بورتسودان مصروفاتهم”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *