توسع تعدين الذهب يضع شمال السودان على أعتاب كارثة بيئية
عاين- 5 يناير 2025
على ضفاف النيل شمالي السودان، تقع بلدات صغيرة محاصرة بمناجم الذهب ومربعات التعدين التي يعمل فيها آلاف العمال الأهليين، وفي وقت ترتفع الإيرادات المالية الحكومية لعمليات التعدين تواجه اللجان الأهلية صعوبات بالغة في التعامل مع الحكومات المحلية لوقف توسع هذه الأنشطة التي باتت على مقربة من المنازل في أربعة محليات بالولاية الشمالية.
يقول أحد سكان قرية “أبو صارا” التابعة لمحلية دلقو بالولاية الشمالية لـ (عاين): “إن آلاف المعدنين التقليديين ينتشرون حول المنطقة، ونسمع بين الحين والآخر أصوات تفجيرات لتفتيت الصخور سعيًا وراء المعدن النفيس”. ويضيف: “نشاهد آليات جديدة تصل المنطقة بشكل شبه يومي؛ بعضها مملوك لشركات، وأخرى تعمل لصالح أفراد”.
في خضم هذا التوسع بأنشطة التعدين بالولاية الشمالية يشكو السكان المحليون من تأثير المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات تخليص الذهب. ويبلغ مواطنون من قرية أبو صارا (عاين): “لاحظنا تغيرًا في لون الأشجار والتربة بمواقع قريبة من مربعات امتياز شركة دلقو للتعدين والأدهى أن المنطقة باتت قبلة لآلاف المعدنين الجدد”.
حقائق مختبرات تحذر
وسعيا وراء إثبات خطورة التعدين علميًا لجأ متطوعون وأعضاء اللجان الشعبية شمال السودان إلى خبراء في جامعة وادي النيل بولاية نهر النيل، لإجراء دراسة ميدانية حول آثار التعدين بأخذ منطقة “أبو صارا” نموذجًا.

وأوصت دراسة نفذها باحثون من جامعة وادي النيل بإغلاق بعض المواقع في منطقة “أبو صارا”، محذرة من تشبعها بالمواد الكيميائية. وأوضحت الدراسة أن شركة دلقو للتعدين، التي تمتلك ستة مواقع، تستخدم مادة “سيانيد الصوديوم” في عمليات الاستخلاص، في وقت يفتقر فيه التفتيش الحكومي للإجراءات الصارمة المطلوبة لحماية البيئة.
وفي السياق قال عضو لجان مقاومة بمحلية دلقو: “يجب على المجلس الأعلى للبيئة إخضاع الشاحنات القادمة من الموانئ لتفتيش دقيق”. وكشف المصدر –الذي فضل حجب اسمه– عن رصد نحو 25 شاحنة وصلت الولاية، وهي تحمل مواد كيميائية خطرة مشيرًا إلى أن الجهات الموردة ترتبط بصلات مع مسؤولين أمنيين وعسكريين.
اقتصاد الذهب مقابل تدمير البيئة
يلاحظ الناس هناك تغيرات في لون التربة، ويسمعون أصوات الانفجار جراء عمليات تفتيت الصخور كما تبرز مخاوف بين الحين والآخر من وصول مجموعات مسلحة قرب القرى المأهولة بالسكان مع تراجع دور الشرطة في تقديم الحماية. ويقول الناشط المناهض للتعدين أحمد عُبادة لـ(عاين): أن “إنتاج الذهب في السودان وصل إلى 70 طنًا هذا العام، وأن مساهمة الشمالية بقرابة 20 طنًا تأتي على حساب صحة الإنسان. وأشار إلى أنه رغم تحقيق إيرادات تقدر بنحو 400 مليون دولار، إلا أن المنطقة تفتقر للخدمات الأساسية، حيث يقتصر مستشفى دنقلا الحكومي على تقديم رعاية صحية وعلاجية متدنية جدا.
سوق الكرامة.. أبعاد أمنية وصراعات نفوذ
وتعتزم الحكومة المحلية إنشاء “سوق الكرامة للتعدين” بضواحي مدينة عبري التابعة إداريًا إلى محلية وادي حلفا الواقعة على الحدود مع مصر وهو ما جوبه بمعارضة شعبية أدت إلى ملاحقات أمنية للمناهضين. وحذر عضو اللجان الشعبية، شيخ الدين كرم، من تحول السوق إلى “مرتع لتجارة السلاح والمخدرات ومنصة للصراعات بين الجماعات العسكرية”. وأوضح كرم أن الحكومة تسعى عبر هذا السوق لإنهاء نشاط “سوق الخناق” المتاخم لمناطق سيطرة قوات الدعم السريع في منطقة “كرب التوم”.
تمويل الحرب وقانون الطوارئ
يعزو محمد عبد العزيز تونج المتتبع لحركة التعدين، هذه “الحمى” إلى رغبة الحكومة المدعومة من الجيش في تمويل العمليات الحربية التي تقترب من عامها الثالث. وأشار تونج إلى أن البحث عن الذهب يقوم على مسارين: منح صلاحيات واسعة للمجموعات المسلحة المتحالفة مع الجيش واستخدام العائدات لتمويل النفقات الحربية، دون اعتبار لحماية البيئة.
ووفقا للشركة السودانية للموارد المعدنية أنتج السودان خلال العام 2025، (70.15 طناً)، متجاوزاً الخطة المستهدفة (62 طناً) بنسبة إنجاز وصلت إلى 113%. وساهم التعدين التقليدي بإنتاج النسبة الأكبر بلغت 58.37 طناً (بنسبة إنجاز 116%). فيما أنتجت شركات معالجة المخلفات 5.67 طناً. و 5.96 طناً أنتجتها شركات الامتياز. فيما بلغ إنتاج التعدين الصغير 0.14 طناً.

ويقول تونج في مقابلة مع (عاين): “تلتهم الحرب شهريًا قرابة 10 مليون دولار وهي أموال تأتي من إيرادات الذهب في الشمالية ونهر النيل والشرق”. ولفت تونج، إلى أن السلطات في الولاية الشمالية تستغل “قانون الطوارئ” لملاحقة مناهضي التعدين وترهيب اللجان الشعبية التي تعترض على هذه الأنشطة، كما حدث في وادي حلفا ودلقو وعبري.
وبينما تتحول مناطق شمال السودان إلى مربعات مشبعة بالسيانيد تجد اللجان الشعبية نفسها في مواجهة مزدوجة بين فوهة بندقية المجموعات المسلحة ومطرقة قانون الطوارئ وهو ما يضع المنطقة على سطح “صفيح ساخن” خلال المرحلة القادمة.
تدفق “خلاطات الذهب“
خلال الفترة ما بين عامي 2024 و2025، وصلت “خلاطات” الذهب إلى شمال السودان وهي عبارة عن خزانات ضخمة مزودة بمحركات تعمل على معالجة الصخور لاستخلاص المعدن عن طريق مواد كيميائية.
وكانت حكومة الولاية الشمالية منعت استخدام هذه “الخلاطات” في مناطق التعدين في مارس 2025 كما منعت عمل “الطواحين” خلال الفترة المسائية إثر تصاعد شكاوى المواطنين من الأضرار البيئية ومع ذلك لا تزال هناك شركات تتحايل على القرار وفقًا لإفادات ناشطين مناهضين للتعدين.
ويقول بشرى حسن، وهو عامل في قطاع الذهب، لـ (عاين): “إن عشرات الشركات تعمل في تعدين الذهب، وتزعم حصولها على تراخيص من المحليات أو المسؤولين في ظل غياب الرقابة الحكومية الفعالة”. وحذر حسن، من أن عدد الشركات العاملة في الشمالية وصل إلى نحو 130 شركة، أغلبها يحظى بحماية مباشرة من مسؤولين حكوميين.
ويعتقد بشرى حسن، أن الأولوية بالنسبة للحكومة، المتحالفة مع عشرات الشركات الأجنبية والمحلية، هي الحصول على الذهب فحسب، دون أدنى اهتمام بحماية البيئة. وأردف قائلاً: “علينا أن نتساءل: لماذا يتزايد عدد الشركات غير الملتزمة بالوسائل المشروعة لإنتاج الذهب؟ لقد تفاقمت هذه الظاهرة خلال الحرب، مما يعزز فرضية وجود حماية رسمية لهذه الاستثمارات”.





















