مراسل لـ(عاين) يروي من الفاشر اللحظات الأخيرة لسقوط المدينة
مراسل لشبكة (عاين) من مدينة الفاشر يروي تفاصيل عايشها لأشهر من عمليات عسكرية وحصار قبل سقوطها في أكتوبر 2025. كيف ماتت جدته على يديه في طريق النجاة؟ وكيف تعرّف عليه عنصر استخبارات يتبع للدعم السريع كان قد أجرى معه مقابلة صحفية في مركز إيواء داخل الفاشر قبل سقوطها؟
عاين- 4 يناير 2025
لم تكن مهمة التغطية الصحافية يسيرة في مدينة الفاشر، فعلى الرغم من المخاطر الجسيمة، آثرتُ البقاء داخل المدينة مع قلة من الزملاء، بعد مغادرة أكثر من 95% من الإعلاميين للمدينة التي استحال العيش فيها. فقد توغلت قوات الدعم السريع داخل الأحياء السكنية وسط حالة من السيولة الأمنية، وتدهور مريع في الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة، فضلاً عن توقف النظام المصرفي وخروج المستشفيات والأسواق عن الخدمة، مما جعل نقل التحديثات الميدانية والحياتية واجباً يومياً ملحاً.
في خضم هذا الواقع المهني الملح، تضييق السلطات العسكرية والأمنية التابعة للجيش السوداني على حرية العمل الصحفي، وتمنع الصحافيين من القيام بواجباتهم المهنية. وبين مطرقة تهديدات قيادات الدعم السريع، وسندان التضييق من شعبة الاستخبارات العسكرية بالفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني داخل مدينة الفاشر، ظل كشف الحقائق وإماطة اللثام عن المعلومات الدقيقة فرض عين على من تبقى منا لتوثيق الأحداث في ذاكرة التاريخ.
فقدتُ منزلي بالكامل، وتحولت ممتلكاتي إلى ركام، ونزحتُ بين الأحياء أقتات على (الأمباز) ومشاركًا في حفر الخنادق للاحتماء
أذكر في يوليو 2024م، حين أردت إجراء مقابلات مع أسر نازحة فقدت ذويها إثر قصف مدفعي للدعم السريع على حي “الإنقاذ”. اضطرت تلك الأسر للنزوح إلى منطقة “شالا” حيث نصبوا خياماً من أقمشة مهترئة. وما إن شرعت في التصوير حتى صوب أحد جنود قوات الاحتياطي المركزي -قوة تتبع للجيش- سلاحه نحوي واقتادني إلى رئاسة القوات. هناك، ذكر القائد أنه لا يسمح بتصوير مواقع النازحين المجاورة للمناطق العسكرية بدعوى أنها “تخدم العدو”، وطلب مسح المادة المصورة. رفضتُ ذلك لأهمية التوثيق، وبعد جدال طويل أذن لي بالمغادرة. رووا تفاصيل المأساة قبل إرسال المادة لإحدى القنوات الأجنبية.

وفي مشهد آخر، عقب تصدي القوات المسلحة لهجوم كبير لقوات الدعم السريع، خرج المواطنون ابتهاجاً، وأثناء تصويري لهذا المشهد العفوي، اعتدى نظامي من الاستخبارات العسكرية على الكاميرا، وحاول اقتيادي للفرقة السادسة رغم إبرازي لهويتي الصحفية، ولم أستعد الكاميرا إلا بتدخل معارف، مشفوعة بتهديدات بالملاحقة في حال نشر الصور.
دفعنا هذا التضييق لمخاطبة رئيس المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية لضرورة التنسيق مع الأجهزة العسكرية، لتمليك الحقائق للعالم، لكن الأجهزة الحكومية بدت وكأنها تتعمد تغييب الإعلام. ومع ذلك، لا طريق للاستسلام، جمعتُ بين العمل الصحفي والإنساني عبر إعداد وجبات غذائية وتوزيعها على مراكز الإيواء، في وقت انعدم فيه الغذاء تماماً بسبب الحصار، حتى أصبح “علف الحيوانات” الغذاء الوحيد المتاح للسكان.
أطلقنا حملة “أغيثوا الفاشر” لتسليط الضوء على معاناة الأطفال المصابين بسوء التغذية وكبار السن والجرحى، ووجهنا مئات الرسائل للمجتمع الدولي لكسر الحصار. وثقنا انتهاكات جسيمة من قبل الدعم السريع، كما رصدنا مشاركة أفراد من الجيش والقوات المشتركة في نهب منازل المواطنين وبيع أسقفها الخشبية كوقود للطهي.
على المستوى الشخصي، فقدتُ منزلي بالكامل، وتحولت ممتلكاتي إلى ركام، ونزحتُ بين الأحياء أقتات على “الأمباز” (علف الحيوان) ومشاركًا في حفر الخنادق للاحتماء.
نقطة تحول.. سيطرة الذعر
في يومي 26 و27 أكتوبر 2025 وصل القصف ذروته حيث تساقطت القذائف كالمطر بمشاركة مكثفة للمسيرات، في ظل عجز مدفعية الجيش عن الرد بعد تحييد منصاتها وتشديد الخناق عليها من ثلاث جهات.
عندما غاب صوت الأذان الذي يرفع يومياً في مساجد الفاشر انتابني شعوراً بأن هنالك أمراً جلل وخطير قد حدث في المدينة
كان يوم الأحد 27 أكتوبر الماضي هو الأصعب؛ غاب صوت الأذان الذي يرفع يومياً في المساجد، فانتابني شعور بأن هنالك أمراً جلل وخطير قد حدث في المدينة، خرجت من الغرفة التي كنت قابعاً فيها بعدما انحسر دوي الانفجارات الكبيرة، تلصصت من فتحة باب المنزل، فرأيت سيارات قتالية جديدة تقف أمام باب المنزل الذي لا تبعد مسافته من قيادة القوة المشتركة سوى 500 متر شمالاً، ومن قيادة مدفعية الجيش سوى كيلو متر واحد جنوباً.
عدت مسرعاً إلى الغرفة، وتحدثت بصوت منخفض مع ابن عمي وأخبرته بالأمر، وما أن عم صمتنا حتى سمعنا أصواتاً وأحاديث بلهجات مغايرة لم نسمعها من قبل، ما قطع الشك داخلنا، بأن الدعم السريع قد سيطرت على المدينة.
لم يمضِ وقت طويل حتى تسورت عناصر قوات الدعم السريع المنزل بحي الدرجة الأولى مطالبين بتسليمهم أجهزة الهواتف النقالة، تحت تهديد السلاح، كما أقبلوا على كسر أقفال الأبواب المغلقة، ونهبوا من الممتلكات ما نهبوا، وهم يتهموننا بأننا منسوبو الجيش والقوة المشتركة التي تقاتلهم في المدينة.
في منتصف ليل ذلك اليوم، قررنا الفرار. ومعي جدتي المسنة لأبي واثنين من عماتي وابن عمي. في طريق الفرار أطلق علينا جنود الدعم السريع وابلاً من الرصاص، لكن بحمد الله لم يصب منا أحد، قبل أن يوقفونا وينهبوا ما تبقى من أموال وملابس.
فاضت روح جدتي على “درداقة“
عند البوابة الغربية، رأيت انسحاب الجيش والقوة المشتركة بكامل عتادهم، وأدركت حينها أن الفاشر سقطت تماماً. ضللنا الطريق، ونفد الماء، وتفاقم ألم قديم في ركبتي، وفاضت روح جدتي وهي محمولة على “عربة يد” كنا ندفعها بالتناوب.
وصلنا أخيراً إلى قرية “قرني” (40 كم غرب الفاشر)، وهي معسكر محاط بخندق كبير عمقه أكثر من ثلاثة أمتار وعرضه نحو ثلاثة أمتار أيضاً. أما طوله لا ندري أين مبتدأه وأين منتهاه! هنا يزج بالنازحين والفارين من ويلات الحرب في الفاشر.

على طول الطريق، رأينا جثامين الشباب ملقاة على الأرض، وعلى الخندق الكبير وعند مدخل القرية أيضاً جثامين، مع وجود سيارات قتالية فوقها عناصر للدعم السريع يطلقون ألفاظاً نابية ومستفزة تجاه الفارين من المدينة، ملامح ولهجات بعض تلك العناصر غير سودانية.
عند وصولنا لمدرسة قرية قرني التي تحولت لمركز كبير لاستقبال الفارين، شاهدنا ضباطاً للدعم السريع قد أصدروا تعليمات للشباب والرجال غير المصابين بالتوجه نحو الشاحنة لتوصيلهم لمقصدهم وهي مدينة “طويلة” ولكن علمت من بعد أن الشاحنة توجهت صوب الفاشر ومن ثم إلى مدينة نيالا تحت حراسة عسكرية مشددة، ويتم تصفية كل من يحاول القفز منها.
الفصول الدراسية في المدرسة تحولت إلى عنابر لمئات الجرحى والمصابين بعضهم فارق الحياة، والبعض الآخر يخضعون للعلاج من قبل فرق طبية جلبتها قوات الدعم السريع.
أثناء وجودي في منطقة قرني، تعرف عليّ أحد عناصر الدعم السريع الملثمين (بالكدمول)، وسألني بحدة: “أليس أنت الإعلامي الذي أجرى معي مقابلة في مركز دار الأرقم؟”. قررت المغادرة فوراً خوفاً من الاعتقال، مدركاً أن استخبارات الدعم السريع كانت متغلغلة في مراكز الإيواء
أثناء وجودي في منطقة قرني، اقترب مني فرد من قوات الدعم السريع، وهو يرتدي غطاء الرأس المعروف بـ”الكدمول”، مظهراً حرارة في استقبالي، وسألني بصوت يحمل بعض الغموض: “ألم تتعرف علي؟”. أجبت بلا، لكنه سرعان ما أزال غطاء رأسه، وقال: “أليس أنت الشخص الذي أجرى معي المقابلة في مركز دار الأرقم للإيواء بالفاشر؟ أليس أنت الإعلامي؟”. أكدت له ذلك، فتأملني لبرهة قبل أن ينصرف.
بعد هذه اللحظة، قررنا مغادرة المنطقة بأقصى سرعة، خشية أن أكون رهينة لدى هذه القوات التي تفتقر للرحمة والإنسانية. لم يخطر ببالي قط أن أجهزة استخبارات قوات الدعم السريع قادرة على زرع أعين لها في مراكز الإيواء، في حين أن أجهزة استخبارات الجيش كانت تطارد الصحافيين بلا هوادة.
في هذه المأساة، فقدنا زملاء منهم (تاج السر أحمد سليمان، أحمد محمد صالح، النور أحمد سليمان، مبارك موسى، ومحمد الفاتح)، كما تم اعتقال آخرون (مجدي يوسف، عصام جراد، ومعمر إبراهيم)، ولا يزال مصير المصور محمد حسين شلبي مجهولاً.
غادرنا “قرني” حاملين جراح الفاشر “المنسية” التي قُدمت كبش فداء، وسط خذلان من الدولة التي أخفقت في حماية مدنييها، كما قبرت كارثة مدينة الفاشر كل الأعراف والقوانين الدولية، وأخفق المجتمع الدولي في إيقاف كارثة إنسانية حدثت في المدينة المنكوبة.





















