حوالي (300) الف طالب لن يجلسوا لامتحانات الشهادة السودانية.. لماذا؟

عاين- 28 نوفمبر 2026

بدأ مئات الآلاف من الطلاب السودانيين، عدا تنازليا للجلوس لامتحان الشهادة السودانية 2026، وسط استعداد مكثفة من جانبهم، ومن وزارة التربية والتعليم في الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش، وسط مخاوف وتحديات وانتقادات لعدم اشتمالها كل ولايات السودان.

وتعد امتحانات هذه العام الثالثة من نوعها منذ اندلاع حرب الخامس من أبريل بين الجيش والدعم السريع، عقدت الأولى في ديسمبر 2024 وهي الامتحانات المؤجلة من العام الدراسي 2022-2023، أما الثانية فعقدت في يونيو 2025 كامتحانات مؤجلة لدفعه 2024، فيما يجلس طلاب دفعة 2025 في 13 أبريل المقبل، وقررت الوزارة تسميتها امتحانات 2026، لأن بعض الطلاب سيلتحقون بها لتشمل دفعتين.

وأعلن وزير التربية والتعليم، التهامي الزين، خلال تصريحات صحفية اكتمال كافة الاستعدادات الفنية واللوجستية لانعقاد الامتحانات في موعدها في الثالث عشر من أن أبريل المقبل والمؤجلة من ديسمبر الماضي، في كافة الولايات الآمنة والمراكز المعتمدة. وذكر الوزير، أن الدولة السودانية، بكافة أجهزتها، تضع في قمة أولوياتها، استحقاق امتحانات الشهادة كاستحقاق وطني، وأعلن التهامي عن تشكيل غرف طوارئ مهمتها التصدي لأي حملات تشويش أو بثّ أي شائعات تتعلق بالامتحانات، وهدد بالملاحقة القانونية ضد أي شخص يحاول المساس بصدقية وأمن الشهادة السودانية التي تمثل أمناً قومياً للبلاد، حسب قوله.

مفارقات

لم تعلن الوزارة حتى الآن أرقام الطلاب الجالسين هذا العام، ولا توزيعاتهم الجغرافية، ومراكزهم الخارجية خصوصا مع لجوء ملايين السودانيين لدول الجوار بسبب الحرب، إلا أن مفارقات هذا العام تبدو مختلفة أكثر، إذ إن العام الدراسي لم يكن متكافئا بين الطلاب، فهناك طلاب بدأوه في نوفمبر 2024 وأغلبهم في المدارس السودانية بالخارج وآخرون بدأوا في فبراير أو مارس 2025 مثل ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم حيث استعاد الجيش السيطرة عليها قبل أسابيع من بداية العام الدراسي، بينما بدأت دفعات أخرى دراستها في يوليو من ذات العام، وذلك بسبب تضارب بداية العام الدراسي بين الولايات من جهة والمدارس السودانية بالخارج من جهة أخرى.

وبحسب متابعات (عاين)، فإن غالب المدارس خارج السودان أكملت المقررات منذ العام الماضي، ويواصل الطلاب والطالبات مراجعاتهم ومخيماتهم المقفولة استعدادا للامتحانات فيما لم تكمل بعض الولايات المقررات، ويتوقع أن تفعل ذلك في الأسابيع القليلة المقبلة.

مدرسة في العاصمة الخرطوم- ارشيف

ومع تأكيدات وزارة التربية والتعليم عن اكتمال الاستعدادات ومضيها في تنظيم الامتحانات داخل مختلف ولايات السودان والمراكز الخارجية باستثناء ولايات دارفور وبعض المناطق في ولايات كردفان، بسبب الظروف الأمنية وسيطرة الدعم السريع على تلك المناطق وعدم وجود اتفاق وتنسيق بين أطراف الحرب لتوحيد الامتحانات، ازداد الأمر ضبابية وتعقيدا بإعلان حكومة تحالف السوداني التأسيسي “تأسيس” تنظيم امتحانات موازية للطلاب في الفترة المقبلة، وأعلنت الحكومة اكتمال استعداداتها لهذا الحدث، لكنها لم تحدد موعدا.

وأشارت الحكومة في بيان أول لها أن الامتحانات ستشمل الطلاب الذين حُرموا قسرًا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية خلال سنوات الحرب، وتعهدت بإتاحة فرص عادلة لهؤلاء الطلاب، وضمان حقهم في الالتحاق بالتعليم الجامعي في جميع الجامعات والمؤسسات التعليمية الواقعة تحت إدارتها.

لم يكن خبر عقد امتحانات عبر حكومة “تأسيس” سارا لطلاب وطالبات في إقليمي دارفور وكردفان ولا سارا لأولياء أمورهم لجهة عدم اعتراف الدول والحكومات بالشهادة التي سيحصلون عليها. يقول والد إحدى الطالبات من منطقة كتم في ولاية شمال دارفور لـ(عاين):” كان من المفترض أن تجلس ابنتي المتفوقة لامتحان الشهادة السودانية منذ العام 2023، لكننا نشعر بالإحباط الشديد لعقد امتحانات جديدة في مناطق دون أخرى”.

وأشار والد الطالبة الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن ابنته ستحرم مجددا مع آلاف الطلاب من الامتحانات دون ذنب جنوه، لأنهم فقط وقعوا في جغرافيا يسيطر عليها أحد طرفي الصراع، قبل أن يدعو الجميع إلى إبعاد الصراعات السياسية والعسكرية عن التعليم والتعامل بحرفية ومهنية، لافتا إلى أن ظروف ونزوح الطلاب خلق بالمقابل، عدم قدرة لدى البعض عن عدم إكمال مسيرتهم التعليمية، وكل ذلك سيخلق تفاوتاً بين الأجيال قريبا.

ويعتبر المعلم بالمرحلة الثانوية بمدينة الجنينة، غرب دارفور، حسين كبير، أن قضية الشهادة السودانية تتصل بمستقبل السودان وأبنائه وبناته، مبينا أن الحرب اللعينة حرمت طلاب دارفور من الجلوس للامتحان، لأن كثيراً من المناطق يصعب عليهم الوصول إلى أقرب منطقة تعقد فيها امتحانات سواء في الداخل أو دول الجوار، لوجود صعوبات تتعلق بفرص وصولهم والظروف الأمنية وعدم القدرة المالية للتحرك من منطقة لأخرى؛ لأن الحرب جففت الموارد ونشرت العطالة.

ويقول في مقابلة مع (عاين): أن “هناك مخاوف جدية أخرى تتصل بأمان الطلاب والطالبات”. ويشدد كبير، على أن الحل الأمثل هو وجوب توصل الأطراف المتحاربة إلى اتفاق لتعاون وطني سياسي يمنح فرصة لتنظيم امتحان موحد، بما يضمن وحدة الشهادة الثانوية السودانية، ويضمن كذلك عدم تعريض مستقبل الطلاب للخطر.

لجنة المعلمين تعارض خطوة الامتحانات

منذ الإعلان عن أول امتحانات بعد الحرب، عارضت لجنة المعلمين السودانيين الخطوة لاعتبارات تتعلق خطورتها على وحدة السودان، ودعت اللجنة يومئذ أن يكون التعليم واحد من ممسكات الوحدة وليس العكس.

“امتحانات الشهادة السودانية هذا العام 2026 يعتريها نفس ما اعترى امتحانات العاميين الماضيين، حيث تستخدم العملية التعليمية برمتها كإحدى أدوات الصراع سواء بعقد الامتحانات التي استخدمت كتثبيت لشرعية الأمر الواقع، أو بحرمان آخرين منها، حتى لا تعطي شرعية للطرف الثاني كما يحدث في ولايات دارفور وكردفان”. يقول عضو لجنة المعلمين السودانيين- جسم نقابي- سامي الباقر لـ(عاين).

 250 إلى 300 الف طالب وطالبة سيحرمون من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية لعام 2026

لجنة المعلمين السودانيين

ويشير إلى أن لجنة المعلمين نبهت لكل ذاك باكرا، وشددت على عدم إدخال التعليم في دائرة الصراع، لأنه يعمق مشكلة التعليم أولا، وتتعمق ثانيا مشكلة البلد ككل، ويضيف: “أكبر تحد يواجه امتحانات العام 2026 هو عدم الشمول، وستكون محصورة في المناطق تحت سيطرة الجيش بالتالي يحرم منها كليا طلاب دارفور وغالب كردفان، والأخيرة يتقاسم كل من الجيش والدعم السريع والحركة الشعبية جناح قيادة عبد العزيز الحلو السيطرة، فيما دخلت محليات بإقليم النيل الأزرق، دائرة الصراع وستكون خارج خارطة الامتحانات”.

وقدّر الباقر عدد الطلاب الذين سيتأثرون بالحرمان ما بين 250 إلى 300 الف طالب وطالبة، سيكون مصيرهم مجهولا.

فصل دراسي في إقليم دارفور

واستطرد الباقر أن إعلان حكومة الأمر الواقع في نيالا، عزمها إجراء امتحانات شهادة سودانية منفردة، أمر بالغ الخطورة، ويعد بداية تشكل بذرة تقسيم للسودان، كما تواجه الخطوة، والحديث للباقر، تحدي الاعتراف بها، وأبان أن لجنة المعلمين السودانيين أعدت مقترح، بتكوين لجنة وطنية محايدة مهمتها تنسيق العملية التعليمية بما في ذلك إجراء الامتحانات الثانوية، على أن تجرى الامتحانات في كل السودان، وأن يُتَّفَق على مكان إجرائها والجهة التي تساهم في إجرائها، لكن كل ذلك تحت مظلة لجنة امتحانات السودان بوزارة التربية والتعليم، مبينا أنه لو قبل المقترح “نكون حافظنا على وحدة السودان” وأضاف أن لجنة المعلمين حريصة على الحرص على توصيل صوتها ومقترحها للأطراف كلهم، “ولن نتوقف إلا بعد قبوله”.

مبادرة لإلحاق الطلاب خارج مناطق سيطرة الجيش بالامتحانات

ونقل (منتدى الإعلام السوداني) عن وزير التربية والتعليم السابق، بروفيسور محمد الأمين التوم، إن جلوس طلاب المدارس الثانوية في دارفور وجنوب كردفان لامتحانات الشهادة السودانية لهذا العام “أمر غير مضمون ومعقد للغاية”، نظرا لما تكتنفه من أحوال أمنية وإجراءات سياسية وبيروقراطية.

وطالب التوم بالشروع فورا في الضغط على السلطات في بورتسودان لتأجيل الامتحانات المزمع عقدها بشكل جزئي في أبريل المقبل في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، فضلا عن مناقشة الجوانب الأخرى للقضية مع قوات الدعم السريع التي تسيطر على إقليم دارفور.

واقترح التوم الذي يشارك مع آخرين في مبادرة لإلحاق طلاب المناطق خرج سيطرة الجيش بالامتحانات، تأجيل امتحانات الشهادة السودانية لشهرين بدلا عن موعدها المعلن “على أمل تلافي المشكلات وعقد الامتحان بشكل موحد في جميع أنحاء السودان”.

وتشارك في المبادرة عدة جهات غير حكومية، مثل (لجنة المعلمين السودانيين)، (المبادرة الشعبية للتعليم)، (التعليم أولا)، (منصة السودان لقضايا التعليم)، (تبرع من أجل التعليم)، (بنيان السودان).

وتتحرك المبادرة للدفع بطلب إلى الممثل المقيم لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة بالسودان للتدخل لضمان حق الطلاب للجلوس لامتحان الشهادة السودانية.

المبادرة تدعو للتدخل العاجل لتيسير حوار إنساني محايد بين جميع الأطراف المعنية، بهدف ضمان جلوس الطلاب للامتحانات.. ودراسة إمكانية الإشراف الدولي الفني واللوجستي على العملية الامتحانية، بقيادة منظمة اليونيسف

وتلتمس المذكرة “التدخل العاجل لتيسير حوار إنساني محايد بين جميع الأطراف المعنية، بهدف ضمان جلوس الطلاب للامتحانات.. ودراسة إمكانية الإشراف الدولي الفني واللوجستي على العملية الامتحانية، بقيادة منظمة اليونيسف، وبالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى والمنظمات الدولية والوطنية ذات الصلة، بما يضمن الحياد والشفافية وسلامة الطلاب، والعمل على تأمين ممرات إنسانية تعليمية أو ترتيبات خاصة تضمن وصول الطلاب إلى مراكز الامتحان بأمان، أو إيجاد بدائل مرنة في المناطق عالية الخطورة”.

وقررت المبادرة (تكوين لجنة طوارئ قومية) لضمان جلوس الطلاب والطالبات للامتحان لهذا العام أو تأجيل الامتحانات لشهر أو شهرين من أجل إتاحة زمن للمعالجة.

ويقول عضو المبادرة، شمس الدين ضو البيت، وهو مدير مشروع الفكر الديمقراطي لـ(منتدى الإعلام السوداني): إن “المبادرة المطروحة تهدف إلى إيجاد حلول سواء بترحيل الطلاب إلى مناطق الحكومة السودانية (ذهاب الطلاب للامتحانات)، لكن هذا المقترح يواجه بتحديات كبيرة بسبب كبر عدد الطلاب والمبالغ الطائلة التي يتطلبها الترحيل والإعاشة، فضلا عن التحديات الأمنية المتعلقة بالمعاملة والسلامة خاصة أن الأغلبية من الطالبات”.

وتناقش المبادرة أيضا إقامة الامتحانات بأماكن آمنة بالقرب من أماكن تواجد الطلاب وبإشراف منظمات دولية (ذهاب الامتحانات للطلاب). ولا زال هذا المقترح يواجه رفض الحكومة السودانية بحجة تأمين الامتحانات.

ويضيف ضو البيت: هناك مقترح يشير إلى ترحيل الطلاب إلى مناطق محايدة (شرق الجبل، طويلة، أبيي، جنوب السودان)، هذا المقترح مواجه بنفس تحديات المقترح الأول من زوايا التكلفة العالية.

صعوبات

لا تقتصر الصعوبات على مناطق الدعم السريع فقط، بل شملت المناطق الآمنة بحسب وصف الحكومة الخاضعة لسيطرة الجيش. ويؤكد مدير مدرسة بشرق النيل في ولاية الخرطوم، أن العام الدراسي نفسه واجه مشكلات لا شك عنده سيكون لها ظلال سالبة على امتحانات الشهادة الثانوية، ويقول لـ(عاين) مفضلا حجب اسمه: “معظم المدارس نهبت وخربت خلال الحرب في الخرطوم، ولم تجتهد الوزارة في أي عمليات صيانة، وبعض الصيانات تمت بجهد شعبي، كما لم تقدم الوزارة إجلاس للطلاب، ولم توفر حتى الكتب والطباشير، ولم تعالج مشاكل المياه بالمدارس، وانتقد المدير، الرسوم الباهظة التي فرضتها وزارة التربية والتعليم على الطلاب، ووصلت إلى تسعين ألف جنيه، لم يتمكن بعض الطلاب من دفعها حتى الآن نسبة لظروف الحرب المعلومة.

الطلاب أيضا لديهم مخاوفهم المتعلقة بعدم مراعاة واضعي الامتحانات للظروف التي واجهتهم خلال الثلاث سنوات الماضية، ويقول الطالب عبد الرحمن وهو من ولاية الجزيرة وسط السودان، أن “تخوفهم الأكبر من الأسئلة خارج المقرر، خصوصا أن الطلاب بعضهم لم يكمل المقرر أصلا، أو سيكمله في الأيام الأخيرة، ولن يتمكن من مراجعته بكثافة لضيق الوقت”. إضافة إلى مشاكل أخرى متمثلة في الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، والذي يصل إلى 12 ساعة في اليوم مما لا يساعدهم على المراجعة- وفقا لـ(عبد الرحمن الذي تحدث لـ(عاين).

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *