“محاكمات بقانون البندقية”.. أصوات المدنيين السودانيين تعلو رغم التهديد بالسجون
عاين- 18 نوفمبر 2026
بعد ساعات قليلة من إحضار الناشط منيب عبد العزيز إلى قاعة محكمة جنايات دنقلا وهو مقيد بالسلاسل ومحاط بعناصر أمنية مدججة بالسلاح، بسبب إحيائه ذكرى ثورة ديسمبر، هتف الناشط محمد أزهري في وجه قائد لواء البراء المصباح أبوزيد طلحة خلال مخاطبة جماهيرية في إحدى بلدات ولاية الجزيرة بعدما قاطعه قائلاً: “الشعب السوداني يقف ضد الجنجويد والكيزان معاً، يا كوز”، وهو غير مكترث للمسحلين حول المصباح، ونفوذه.
تأتي واقعة محمد أزهري وسط مشهد سوداني مضطرب تتصاعد فيه عملية الاستهداف للناشطين والفاعلين في الفضاء المدني، مع حملة اعتقالات ومحاكمات تطال كل من يتحدث عن ثورة ديسمبر التي أنهت حكم الرئيس عمر البشير، وعن السلام واستحقاقاته، ضمن مخطط يهدف- وفق حقوقيين- إلى إسكات الصوت المدني في البلاد.
لكن، في الوقت الذي تمتلئ فيه المعتقلات وقاعات المحاكم بالفاعلين المدنيين في السودان والحكم على بعضهم بالإعدام والسجن المؤبد، ما تزال أصوات السلام والثورة ودعوات وقف الحرب مستمرة، وهو ما أثار التساؤل بشأن قدرة الإجراءات القضائية والعدلية التي وصفت بالمتعسفة، على إسكات تلك الأصوات.
ومع تقدم الجيش عسكريا في العاصمة الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار أواسط السودان، تزايدت وتيرة الاعتقالات وسط الناشطين، إذ جرى تقديم بعضهم إلى محاكمات بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، بينما تم اتهام بعضهم بالإساءة إلى القوات النظامية والإخلال بالسلامة العامة والطمأنينة، وذلك بسبب مطالبتهم بوقف الحرب.
وفي معظم الحالات، تتولى عملية الاعتقال والحبس الخلية الأمنية وقوات العمل الخاص وكتائب البراء بن مالك وفق ما وثقه حقوقيون، وهي جهات ليست معنية بالعدالة، وتتكون من منسوبي الحركة الإسلامية.
تقييد بالسلاسل
وفي 19 ديسمبر الماضي، اعتقل الناشط منيب عبد العزيز من منطقة مقاصر في دنقلا بالولاية الشمالية، بعد أن أحيي ذكرى ثورة ديسمبر أمام أحد المساجد وخاطب المصلين، مذكرا بقيم الحرية والسلام والعدالة ونبذ الحرب والعنف، وقيدت في مواجهته بلاغات تحت المواد 62 و66 و69 من القانون الجنائي السوداني، والتي تتعلق بالإخلال بالسلامة العامة والطمأنينة ونشر الأخبار الكاذبة، بالإضافة إلى المادتين 24 و26 من قانون جرائم المعلوماتية، المتعلقة بالنظام العام ونشر أخبار غير صحيحة.
وأحضر منيب في أحدى جلسات المحاكمة مقيداً بالسلاسل ومحاط بالمسلحين، في واقعة وجدت استنكاراً من جهات حقوقية في البلاد، وقد أسقطت عنه التهم المتعلقة بمواد القانون الجنائي، وتبقت في مواجهته التهم تحت المواد من قانون جرائم المعلوماتية، ومع تزايد الضغط المجتمعي والحقوقي، تم الإفراج عن منيب عبد العزيز بالضمان العادي أمس الثلاثاء، على أن تستمر جلسات محاكمته، وفق هيئة الدفاع.
عناصر من كتيبة البراء بن مالك حضروا إحدى جلسات محاكمة أحمد شفا داخل القاعة وهم مدججون بالسلاح
وفي واقعة مشابهة، تجري محاكمة الطبيب الصيدلاني أحمد شفا في دنقلا، بسبب نقاش دار بينه وشخص آخر أمام صيدليته في شهر يوليو الماضي، فقد كان شفا يتحدث عن ضرورة وقف الحرب وعدم جدواها لكونها أزهقت أرواح الشباب، وفي الأثناء تدخل أحد المسلحين، بينما قامت كتيبة البراء بفتح بلاغ قضائي في مواجهته، وما تزال محاكمته مستمرة.
وفي آخر جلسات محاكمة أحمد شفا، كانت عناصر كتائب البراء داخل القاعة وهم مدججون بالسلاح، في مشهد اعتبره حقوقيون بأنه محاولة للتأثير في العدالة.
تشفٍ وانتقام
وقال رئيس هيئة الدفاع عن أحمد شفا، المحامي عماد ميرغني، لـ(عاين) إن كتيبة البراء حسب ادعائهم أن الصيدلاني أحمد شفا قد أساء إلى أحد منسوبيهم وقائدهم، وبعدها سلكوا طريق التشفي والانتقام ومحاولة اغتيال الشخصية منذ بداية الإجراءات، فقد تم نشر أمر القبض مع لوحة سيارة أحمد في الوسائط، كما تم نشر فيديو أثناء القبض عليه وإيداعه الحراسة، وكتب عليه عبارات مهينة.
وشدد أن البلاغ منظور تحت المواد 62 و69 من القانون الجنائي السوداني، وهي تتعلق بالإخلال بالسلامة العامة والطمأنينة، وحتى الآن سُمِعَت قضية الاتهام، إذ تقدموا بعدد 3 شهود يتصدرهم الشاهد الذي كان قد تدخل في النقاش في الصيدلية. وأضاف: “بعد توجيه المحكمة للتهمة مع إعلاننا أن شفا غير مذنب، ولم يرتكب أي مخالفة لمواد الاتهام، شرعنا في سماع شهود الدفاع وتقدمنا حتى الآن بعدد 5 شهود وأمامنا جلسة قادمة لسماع بقية الشهود، وبحسب بينتي الدفاع والاتهام، فإننا نرى أن البينة الراجحة هي بينة الدفاع”.

وفي سياق متصل، تجري محاكمة المحامي منتصر عبد الله منذ أبريل الماضي في مدينة بورتسودان شرقي البلاد، وذلك بسبب توليه مهمة الدفاع عن رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك الذي تجري محاكمته غيابياً هناك. وكان تحالف صمود الذي يقوده حمدوك ندد باعتقال ومحاكمة المحامي منتصر، واعتبرها تجيير سافر لمؤسسات الدولة العدلية وصفعة مدوية في وجه العدالة، وقال في بيان وقتها، إن “التهم الملفقة والمحاكمات السياسية، استهتار خطير بالعدالة، وأجهزة إنفاذ القانون، وتحويل المؤسسات القانونية لأدوات قمع وتصفية حسابات سياسية”.
وفي يناير الماضي، قضت محكمة جنايات ود مدني بالسجن المؤبد على خالد بحيري البالغ من العمر 70 عاماً، بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، وهو كاتب ومؤرخ وأحد أبرز الفاعلين في ثورة ديسمبر، وقاد حركة الاحتجاجات من ود مدني في ولاية الجزيرة، وأُحِيل إلى سجن الهدى في أمدرمان تحت ظروف إنسانية وصحية سيئة، وفق أسرته.
لا سند قانوني
وقال نجله محمد خالد بحيري لـ(عاين) إن الاعتقال والحكم على والده كان سياسيا وكيديا لا يستند إلى أي بينة قانونية، فقط أراد بقايا حزب المؤتمر الوطني في ولاية الجزيرة الانتقام منه، بسبب مواقفه الثورية ومعارضته الشديدة لهم خلال السنوات الماضية، ويريدون إسكات صوته والثوار من خلفه.
وشدد أن الحكم بحق والده صدر تحت تأثير شديد من الأجهزة الأمنية في ولاية الجزيرة والتي كانت حاضرة بكثافة وبأسلحتها داخل قاعة المحكمة في اليوم الذي نطق فيه بالحكم، لافتاً إلى أن هيئة الدفاع استأنفت الحكم، وسيسقط عن والده طال الزمن أم قصر متى ما توفرت بيئة العدالة، وذكر أن والده غير مذنب، بل كان يجب أن يُكَرَّم على ثباته في منزله طوال الفترة التي أعقبت دخول الدعم السريع إلى مدني، وظل يساعد السكان العالقين بالدواء ومياه الشرب.
جميع المحاكمات تجري للمدنيين والناشطين في السودان في مستوى عدم تحقيق العدالة؛ بسبب انهيار مؤسسات العدالة وسيطرة المؤتمر الوطني عليها، فالقضاة ووكلاء النيابة يتحدثون بلسان البندقية
قانونية
تقول عضو المكتب التنفيذي لمجموعة محامو الطوارئ الطوعية في السودان، رحاب مبارك إن محاكمات كثيرة تجري للمدنيين في البلاد، وجميعها في مستوى عدم تحقيق العدالة، ويتجلى ذلك في عدة جوانب أبرزها عدم وجود مؤسسات دولة في الوقت الحالي، فقط انتهت المؤسسات العدلية منذ اندلاع الحرب الحالية، بعدما وضع حزب المؤتمر الوطني يده عليها وأعاد عناصره للعمل بها لتنفيذ أجندته.
وتؤكد مبارك خلال مقابلة مع (عاين) بأنه لا يوجد وكيل نيابة أو قاض قادر على العمل وفقاً للقانون في الوقت الحالي، فهم يتحدثون بلسان البندقية، والدليل على ذلك عندما برأت إحدى المحاكم مواطنين من تهمة التعاون مع قوات الدعم السريع وأفرجت عنهم، تدخلت الخلية الأمنية، وأعادت القبض عليهم، ما يشير إلى أن ما تقوم به أجهزة العدالة مجرد “حبر على ورق” أي بلا قيمة.
تجريم الثورة
وترى رحاب مبارك أن جميع المحاكمات في مواجهة الناشطين تأتي في سياق واحد وهو محاولة لإسكات الصوت الرافض للحرب والصوت المدني، ومعاقبة أي شخص قبل اليوم هتف لثورة ديسمبر المجيدة، وتسويق الثورة على أساس أنها جريمة يعاقب عليها القانون.
وتضيف “الممارسات التي نشاهدها داخل قاعات المحاكم الحالية، سواء كانت تواجد المسلحين أو غيرها، هي وضع طبيعي للقوة الباطشة التي تحدث، فالمجرمون الحقيقيون يفلتون من العقاب، بل يُشْرَكُون في السلطة”.

من جهته، اعتبر الخبير القانوني والحقوقي معز حضرة، جميع هذه المحاكمات كان موجهة بشكل أساسي على المدنيين والناشطين الطوعيين الذين يقومون على أمر المطابخ المجانية “التكايا” وهي مبادرات لتقديم الطعام للمتأثرين في مناطق الحرب بالسودان، بينما يفلت من العقاب الذين يرتكبون جرائم فعلية كقتل الأنفس، من كتائب البراء وغيرهم من المجموعات المسلحة التي ترتكب انتهاكات واسعة بحق المواطنين في البلاد.
المحاكمات الحالية انتقائية تفتقد إلى أبسط مبادئ المحاكمة العادلة، بينما تتم الاعتقالات بواسطة جهات غير شرعية مثل الخلية الأمنية والعمل الخاص وكتائب البراء، وتحتجز المعتقلين لفترات طويلة دون سند قانوني
حقوقي
ويرى حضرة خلال مقابلة مع (عاين) أن ما يجري حالياً في السودان محاكمات انتقائية، تفتقد إلى أبسط مبادئ المحاكمة العدالة، كما أن الجهات التي تقوم بالتحري والقبض هي جهات غير شرعية، مثل ما يسمى بالخلية الأمنية وقوات العمل الخاص، فهذه كيانات ليس لها أي صفة قانونية، وتتكون من الأمن الطلابي وضباط من الجيش والشرطة ينتمون إلى حزب المؤتمر الوطني، حيث تقوم باعتقالات وسط المدنيين والناشطين لفترات طويلة دون رقابة من النيابة والقضاء، أو تحت سمع وبصر النيابة والسلطة القضائية.
وشدد أن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 ووفق للمادتين 35 و36، ينظم الحبس وفقاً للقانون بحيث أعطى الحبس في بعض الجرائم للشرطة لمدة 24 ساعة، وللنيابة لمدة 3 أيام فقط، وما زاد عن ذلك فهو حق مكفول للسلطة القضائية فقط، لكن واقع الحال الآن فإن الخلية الأمنية وهي جهة غير شرعية تحبس المدنيين في سجون خاصة بها لمدة تتجاوز السنة دون أي رقابة.
وقال “جميع المظاهر التي نراها، من ظهور مسلحي كتائب البراء داخل قاعات المحاكمات مدججين بالسلاح فيه تأثير واضح على العدالة، ويؤكد أن المحاكم السودانية أصبحت غير عادلة أو غير راغبة أو غير قادرة على تحقيق العدالة، وأن جميع الأحكام التي صدرت لن تصمد أمام أي إجراءات تقاضي حقيقية”.
هل تسكت الأصوات؟
ولم تفلح هذه المحاكمات والمضايقات في إسكات الصوت المدني ونبض الثورة في السودان بحسب ما يراه المحلل السياسي صلاح حسن، والذي يشدد أن أي تضييق سيسهم في زيادة إصرار السودانيين في التمسك بقضاياهم العادلة وتطلعاتهم نحو المستقبل.
وقال جمعة خلال مقابلة مع (عاين) إن سلطة الرئيس السابق عمر البشير، وعبد الفتاح البرهان عقب الانقلاب على الحكومة الانتقالية، لجأ إلى استخدام العنف المفرط كوسيلة لوقف الاحتجاجات الشعبية، لكن النتائج في جميع الحالات كان سلبية عليهم، حيث كل ما يقتل ثائراً تزداد المظاهرات حدة، وهو بالضبط ما يحدث الآن.
وتابع “سلطت السلطات في بورتسودان سيف المحاكمات والاعتقالات لقتل الأصوات التي تنادي بوقف الحرب والسلام والحرية، ومع ذلك ما زال شباب ثورة ديسمبر قادرون على رفع أصواتهم مثلما هتف مؤخراً الشاب محمد أزهري في وجه قائد لواء البراء وهو شخص شديد الخطورة، ويحظى بقوة عسكرية ونفوذ واسع”.






















