ولاية سنار.. شبح الحرب يجول مجددًا بعد معارك النيل الأزرق

عاين- 9 فبراير 2025  

تسود مخاوف واسعة في ولاية سنار أواسط السودان، من انتقال الصراع المسلح مجدداً إليها، وذلك في أعقاب انفتاح جبهة معارك بين الجيش وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، في إقليم النيل الأزرق المجاور، إذ جاءت هذه التطورات العسكرية في الوقت الذي كان فيه سكان سنار في ترميم ما دمرته الحرب التي شهدتها على مدى عامين ماضيين.

وما تزال ذكريات القتال الدامي تسيطر على أذهان سكان ولاية سنار، وما صاحب ذلك من نزوح شبه جماعي لا سيما من المدن الكبرى، مثل سنجة والدندر والسوكي وغيرها، وبعد نحو عام من استعادة الجيش السيطرة على ولايتي الجزيرة وسنار، من قوات الدعم السريع التي اجتاحتها في العام 2024م، بدأ النازحون في العودة إلى منازلهم والسعي إلى استئناف حياتهم، والعودة إلى الزراعة والرعي وكل مصادر الكسب المعيشي.

وتأثرت سنار سريعاً بعد سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023 ولم تصمد طويلاً فسقطت عاصمتها سنجة وغالبية المدن الرئيسية، وهو سيناريو يخشى سكان ولاية سنار تكراره وعودة الحرب إليهم مجدداً عبر جبهة القتال الجديدة في ولاية النيل الأزرق التي تفجرت مؤخراً بين الأطراف العسكرية المتصارعة.

وبعد استعادة الجيش السيطرة عليها، شهدت ولاية سنار محاولة واسعة وجهودا لعودة الحركة الاقتصادية من خلال إعادة افتتاح الأسواق المركزية والمراكز التجارية الرئيسية، كما جرى العمل على استعادة الإنتاج في المشاريع الزراعية مثل مشروع السوكي، والقطاع المطري في منطقة الدالي والمزموم وغيرها من البقاع الإنتاجية في هذه الولاية، وسط رغبة من السكان في المضي قدماً في رحلة التعافي من الحرب.

مخاوف متزايدة

ومع تلك المساعي السكانية في ولاية سنار، اندلعت معارك واسعة في إقليم النيل الأزرق الواقع في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان، بين الجيش، وقوات تحالف السودان التأسيسي الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال قيادة عبد العزيز الحلو، حيث شن الجيش الشعبي قطاع النيل الأزرق بقيادة جوزف توكا هجمات واسعة شملت عدة مناطق في محلية باو جنوبي مدينة الدمازين عاصمة الإقليم.

وتمضي المعارك العسكرية بشكل متسارع في إقليم النيل الأزرق، وسط تقارير حول حشود ضخمة لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، حول مدينة الكرمك أحد أكبر المدن في الإقليم في محاولة للسيطرة عليها، والتقدم نحو مدينة الدمازين المعقل الرئيسي للجيش في إقليم النيل الأزرق، وهي تطورات زادت المخاوف لدى سكان ولاية سنار المجاورة من وصول الصراع المسلح إلى ولايتهم مجدداُ.

سنار .. سلطنة تهزم البنادق وتحاصرها الأزمات
سوق بمدينة سنجة عاصمة ولاية سنار

وحتى قبل هجمات النيل الأزرق، لم يكن واقع الحرب قد تغير جوهرياً في المحليات القريبة من تخوم النيل الأزرق في ولاية سنار، إذ ظلت مناطق الدالي والمزموم وأبو حجار ترزح تحت وطأة الوجود العسكري لقوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، يروي المزارع صالح محمدين أن الموسم الزراعي لهذا العام يمكن وصفه بالفشل الذريع، حيث لم يجد المزارعون ما يحصدونه، مما دفع الشباب والقادرين على العمل لهجر مناطقهم والتوجه نحو عطبرة ودنقلا وأبو حمد للعمل في التعدين التقليدي عن الذهب بحثاً عن لقمة العيش، تاركين وراءهم الأطفال والنساء وكبار السن في مناطق تفتقر لأبسط الخدمات الأساسية.

ويضيف محمدين في مقابلة مع (عاين): أن “الأوضاع الصحية والخدمية بلغت سوءاً لا يمكن وصفه، خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي المستمر منذ دخول قوات الدعم السريع للمنطقة، مما أجبر السكان على الاعتماد على حلول بدائية ومحدودة كطاقة شمسية لا تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات”.

ما يزال السكان في سنار يواصلون دفع فاتورة الحرب من خلال النقص المستمر في الخدمات الأساسية، بينما يعاني القطاع التجاري كثيرا وسط أمواج الخوف، وتعكس قصة أحد التجار الذين كانوا يملكون محلات تجارية في مدينة سنجة حجم التذبذب والرعب الذي يسيطر على قطاع المال والأعمال. فبعد أن استطاع إخراج بضاعته إلى مدينة الدمازين قبيل سقوط سنجة، ظن أن مقامه قد طاب هناك وأن خسائره قد حُجّمت، لكنه اليوم يعيش حالة من الرعب المضاعف عقب الهجوم الأخير على غرب النيل الأزرق.

ويقول هذا التاجر الذي طلب عدم ذكر اسمه لـ(عاين): إن “التفكير في العودة إلى سنجة يظل محفوفاً بالمخاطر، وأن الأوضاع في النيل الأزرق وسنار باتت غير قابلة للتنبؤ، مما دفعه لإدارة نشاطه التجاري بحذر شديد، مفضلاً إبقاء معظم أمواله في تطبيقات البنوك الرقمية بدلاً من المجازفة بشراء بضائع جديدة قد تضيع في لمحة بصر”. ويؤكد أن هذا الوضع يتطابق مع حال شقيقه الذي أعاد فتح محله التجاري في سنجة، لكن حظر التجوال المسائي وقطوعات الكهرباء عرقلا نشاطه.

تمسك بالأمل

ومع حالة الخوف العامة في سنار فإن ثمة من يتمسكون بالأمل ومواصلة انشطتهم بشكل عادي، وهي كحالة المزارع محمد أحمد عثمان الذي قال لـ(عاين): إن “القلق بشأن عودة الحرب إلى سنار لم تثنه عن مواصلة الزراعة خلال الموسم الزراعي الشتوي الحالي، فهي أمل الوحيد لمواصلة الحياة والكسب المعيشي”.

ويتذكر عثمان بمرارة كيف أن قوات الدعم السلم لم تكتفِ بنهب الحصاد والآليات، بل وصلت بهم الجرأة لنهب “أسلاك الكيبل” من داخل مزرعته، ومع ذلك، يصر على أن الأرض هي حياته، ولن يوقفه شيء عن زراعتها بالبذور من جديد، رغم كل ما حدث.

وفي زاوية أخرى من المشهد المضطرب، تنقل عضوة في غرفة طوارئ مدينة سنجة صورة مغايرة لأثر التصعيد الأخير؛ إذ تصف الوضع بـ “الهدوء الحذر” في المنطقة. وتعزي ذلك لسببين أساسيين: أولهما العزلة المعلوماتية الناتجة عن الانقطاع الطويل للكهرباء الذي جعل السكان بمعزل عما يدور في محيطهم الجغرافي، والثاني هو “التطبع مع الكارثة”، إذ وصل المجتمع لمرحلة من البرود النفسي تجاه أخبار الهجمات العسكرية.

نازحون من الحرب في ولاية الجزيرة قرب مدينة سنار- ديسمبر 2024

 وتضيف في حديثها لـ(عاين): أن “غياب النقاش العام يعود أيضاً للقبضة الأمنية المتزايدة من قبل الخلية الأمنية، التي فرضت رقابة ذاتية صارمة على الناس خوفاً من الملاحقة، خصوصاً بعد هجمات المسيرات التي استهدفت قيادة الجيش سابقاً، مما جعل حظر التجوال إجراءً روتينياً معتاداً لا يثير الاستغراب بقدر ما يثير الضيق والترقب الصامت”.

من جهته، يرسم عضو لجان مقاومة أبو حجار مصعب أدروب، مشهداً معقداً لتداعيات الصراع في إقليم النيل الأزرق، حيث يسيطر القلق على السكان والنازحين على حد سواء بعد الهجمات التي استهدفت مناطق باو والسيليك.

 ويشير أدروب في مقابلة مع (عاين) إلى أن الإقليم بات يحتضن أعداداً هائلة من الفارين الذين لم يتمكنوا من العودة لديارهم، مما شكل ضغطاً سكانياً هائلاً أدى إلى شلل في الأسواق وارتفاع جنوني في الأسعار نتيجة تخوف التجار من استيراد السلع في ظل وضع أمني مضطرب.

وبدوره، يؤكد الناشط الاجتماعي أحمد عثمان خلال حديث مع (عاين) أن ولاية سنار لا تزال تئن تحت وطأة ما خلفته الحرب في العام 2024، خاصة في المناطق الحدودية التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

ويرى عثمان، أن الولاية التي كانت تحاول نفض غبار الحرب، تجد نفسها اليوم مجبرة على العودة لمربع الاستعداد الدائم، حيث تظل قوانين حظر التجوال سيفاً مسلطاً على رقاب الباعة الجائلين وبائعات الشاي اللائي يعتشن من الكسب اليومي.

وشدد أن المأساة الحقيقية تكمن في أن العودة للحرب بالنسبة لهؤلاء المواطنين الذين بدؤوا حياتهم من الصفر تعد أمراً كارثياً لا يمكن التنبؤ بنهاياته، لتبقى سنار اليوم ولاية تقاوم الموت السريري، وتنتظر لحظة صدق تنهي هذا المسلسل الدامي قبل أن تتحول سلة غلال السودان إلى أرض قاحلة منسية في ذاكرة النزوح، حسب وصفه.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *