حرب السودان على حدود أربع دول مجاورة

عاين- 1 فبراير 2026

يتسم تاريخ المناطق الحدودية بين السودان ودول الجوار بانعدام الأمن. وترتبط حدود البلاد، لا سيما إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى بالطرق البرية المتهالكة، وتشهد في أحايين كثيرة حركة ذهاب وإياب للرعاة بحثاً عن المراعي، بجانب نشاط التجارة التقليدية بما في ذلك تهريب الصمغ العربي والذهب والحبوب الغذائية، لا سيما نحو تشاد وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى.

وتنبئ التطورات على الحدود بين السودان وتشاد بانتقال الحرب إلى مرحلة أخرى أكثر اتساعاً نحو بلد إفريقي. وكانت قوة من الدعم السريع هاجمت قاعدة للجيش التشادي في 15 يناير الفائت. وأفادت الحكومة التشادية بأن عناصر مسلحة من قوات الدعم السريع “عبرت بشكل غير قانوني الحدود” ونفذت عملية مسلحة على الأراضي التشادية استهدفت قوات الدفاع والأمن ومدنيين في شرق البلاد.

وأوضحت الحكومة أن عملية “الدعم السريع أسفرت عن مقتل 7 جنود تشاديين، إضافة إلى وقوع عدة جرحى وتدمير ممتلكات مادية”. وكشفت عن أن هذه “ليست المرة الأولى التي يحدث فيها اختراق للحدود التشادية من قبل الأطراف المتحاربة في السودان”.

ويقول عامل سابق في بعثة اليوناميد التي غادرت إقليم دارفور في العام 2020 إن الاشتباكات المسلحة بين الدعم السريع وقوات حكومية تشادية “عمل مدبر” ورسالة من “حميدتي” إلى إنجمينا” مشيراً في حديث لـ(عاين) مع اشتراط عدم الكشف عن اسمه- إلى أن الأمور لم تحدث بالصدفة أو الخطأ.

وفي مسعى لتطمين أنجمينا سارعت قوات الدعم السريع إلى الاعتذار رسمياً للحكومة التشادية مشيرة في بيان أصدرته منتصف يناير 2026 إلى أن تشابه التضاريس قرب الحدود دفع الجنود إلى ملاحقة جماعة متحالفة مع الجيش السوداني إلى داخل.

ويؤكد عضو غرفة طوارئ بمخيم أدري للاجئين السودانيين شرق تشاد عبد السلام درمتة في حديث لـ(عاين) أن المخيمات تقع قرب الحدود مع إقليم دارفور داخل تشاد، وليست بمنأى عن المخاطر الناجمة عن حرب السودان.

إفريقيا الوسطى ونشاط فاغنر

أما في إفريقيا الوسطى، يبدو أن التفكك السياسي والأمني الذي يطل برأسه يؤثر في حدودها مع السودان فمثلاً تقوم قوات تابعة لـ”فاغنر” الروسية بإنفاذ دوريات على مناطق حدودية، وفي ديسمبر 2025 أطلقت النار على مجموعة من رجال البدو قدموا من السودان إلى سوق أسبوعي داخل إفريقيا الوسطى- وفقاً لحيدر التومي المهتم بالنزاع في غرب أفريقيا.

وإبان التومي، أن اشتداد العنف في دارفور أجبر قرابة 40 ألف لاجئ سوداني إلى إفريقيا الوسطى، أغلبهم يعيشون في مخيمات تفتقر للخدمات الأساسية. وقال حيدر التومي، وهو مهتم بالصراع في غرب أفريقيا: إن “الأمم المتحدة أكدت تنفيذ الجيش السوداني غارات على الحدود مع أفريقيا الوسطى منتصف العام 2025 ضد قوات الدعم السريع”.

 وأردف: “تعتقد القوات المسلحة أن الدعم السريع تجلب المقاتلين من المجموعات المتمردة في إفريقيا الوسطى لدفعهم إلى جبهات القتال في كردفان ودارفور”.

وتعكس العمليات التي جرت في حقول هجليج النفطية بولاية غرب كردفان مطلع ديسمبر 2025 تحرك “الخرطوم” في اللحظات الأخيرة لتسليم الموقع إلى قوات دفاع جنوب السودان رسميا، والتي توسطت لدى الدعم السريع، وأخلت الحقول من قوات الدعم السريع.

هذه التحولات في حرب السودان الأشهر القليلة الماضية يصفها عمر أبشر المهتم بالشأن الاقتصادي والسياسي بـ الجوهرية قد تسمح بتدخل عسكري بين دول الجوار مع السودان.

تدفق المقاتلين

لم تثمر مفاوضات قادتها الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني مع دولة جنوب السودان في الوصول إلى “تفاهمات متينة” في أكتوبر 2025، كما بدت العلاقة فاترة بين البلدين بالمقابل تمكن البلدان من الحفاظ على “المصالح الحيوية” وهي إيكال تأمين حقول النفط غربي السودان إلى قوات دفاع جنوب السودان بطلب رسمي من حكومة الجنرال عبد الفتاح البرهان.

ويشير مصعب عبد الله، المهتم بالعلاقات الدولية، إلى أن دولاً مثل جنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد تجاور حرب السودان وهي ليست بمعزل عن تأثيرها، خاصة وأن هذه الدول لا تملك “سلطة ملموسة” خارج العواصم في بانغي وجوبا وإنجمينا.

وتابع في مقابلة مع (عاين): “سلطة الدولة تبخرت خارج بانغي وجوبا وإنجمينا؛ لأن الصراعات العرقية والطائفية عصفت بالدولة نفسها، لذلك هي بلدان قد تتأثر بالحرب في السودان بشكل مباشر خلال المرحلة القادمة”.

يقول المحلل في الاقتصاد السياسي عمر أبشر، إن الحرب في السودان على صلة بصراع حول الموارد أيضاً مثل الذهب والصمغ العربي والأقاليم التي تذخر بالمساحات الشاسعة لا سيما غربي البلاد. ويعتقد أبشر في مقابلة مع (عاين): أن “قوات الدعم السريع تضطر لإبرام تحالفات مع مراكز نفوذ في دول تشاد وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى لتمرير شحنة الذهب والصمغ العربي عبر هذه البلدان، لذلك الحرب لها تأثير مباشر، ولا أتوقع أن يقف الجيش السوداني مكتوف الأيدي، سيعمل على شن غارات جوية، ويلاحق هذه الأنشطة”.

شكوك لدى الخرطوم

في بلد مثل أفريقيا الوسطى يعيش في دوامة من العنف منذ سنوات، ويجاور إقليم دارفور غرباً، هناك شكوك قوية تنتاب الحكومة المرتبطة بالجيش السوداني في أن بانغي ضالعة في تقديم المساعدات للدعم السريع باستخدام أراضيها لجلب المقاتلين الأجانب.

ويوضح أحمد عصمت، المهتم بالشؤون الدبلوماسية، أن اتفاق السلام الذي أبرمه الزعماء الذين يقودون جماعات مسلحة في إفريقيا الوسطى في 2019 جلب 14 مجموعة عسكرية إلى واجهة السلطة السياسية والعسكرية.

وتابع لـ(عاين): “في مثل هذه الظروف، فإن تأثير هذه البلدان قد يكون مباشراً بوجود آثارها في الحرب داخل السودان، وليس شرطاً أن يمتد الصراع إلى داخل هذه الدول الهشة”. وفي الوقت ذاته يرجح عصمت أن يكون انعكاس حرب السودان على هذه الدول على المدى القصير والبعيد متمثلاً بالأزمة الإنسانية التي تضغط على الخدمات الشحيحة المتاحة لديها، إلى جانب تقليص نفوذ الدولة المركزية في الأطراف.

التحفظ الإثيوبي لا يحمي الحدود

أما على الحدود مع جنوب السودان وإثيوبيا، أعادت حشود الدعم السريع خلال المواجهة المسلحة غربي النيل الأزرق المنطقة إلى حالة من التوترات، وأعلن الجيش السوداني الأسبوع الماضي السيطرة على منطقة “السيلك” عقب هجوم نفذته قوات الدعم السريع في 25 يناير الجاري.

وفي هذا الصدد ترى الباحثة في مركز دراسات السلام بجامعة النيل الأزرق هنادي المك، أن التطورات الأخيرة في النيل الأزرق لها تأثيرات فعلية على دول الجوار مثل إثيوبيا وجنوب السودان، من ناحية أمنية وإنسانية، بالرغم من تحفظ إثيوبيا على فتح أراضيها أمام أي نشاط عسكري نحو السودان.

وتقول المك لـ(عاين): “إقليم النيل الأزرق في وضع حساس؛ لأنه حدودي مع إثيوبيا وجنوب السودان، ما يجعله مسرحاً لا يمكن أن يعزل نفسه عن تأثيرات خارجية فالهجمات والتحركات المسلحة في مناطق جنوب شرق (السيلك، وملكن) السودان تخلق نزوحاً، وانعدام أمان حدودي، وتهديدات مباشرة للمجتمعات المتاخمة للحدود”.

وتشير هنادي المك، إلى “وجود تحفظ لدى إثيوبيا” لفتح أراضيها أمام أي عملية عسكرية نحو السودان، مشيرة إلى أن التحفظ قد لا يجنبها احتمال توسع حالات العنف عبر الحدود. وتضيف المك: “الجماعات المسلحة (الدعم السريع) تستخدم الخطوط الحدودية للتنقل أو الإمداد، ما يضع الضغط على قوات إثيوبية وجنوب سودانية لضبط حدودها”، مضيفة أن هذه الاحتمالات ترجح بحدوث تصادم محلي أو تدفق عناصر مسلحة عبر الحدود، خاصة في مناطق ريفية ضعيفة السيطرة.

أما جنوب السودان، في نظر هنادي المك، فهي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وضعف اقتصادي، وقد تواجه زيادة نزوح وطلب موارد إنسانية، بالإضافة إلى انخفاض إيرادات النفط وارتباطها اقتصادياً ببلد مضطرب مثل السودان.

كما تضع المك، في الاعتبار توترات جماعة “التيغراي” ضد الحكومة المركزية في أديس أبابا، مما يؤدي إلى احتمالية العنف تدريجياً بشكل شامل بين الدول الثلاث وهي السودان وجنوب السودان وإثيوبيا.

وتجمل المك هذه التبعات في عدم حدوث حرب مباشرة بين هذه البلدان بل في نشوء ضغط على الخدمات الأساسية لسكان المناطق الحدودية وتفاقم النزوح أو حدوث مواجهات مسلحة في المناطق الحدودية؛ فأي توتر يرفع من هشاشة الحدود الشاسعة بين السودان وإثيوبيا، والعنف في منطقة جانبية قد ينتشر تدريجياً، أو تستغل الفصائل حالة الفراغ الأمني.وتؤكد المك أنه لا حاجة إلى حدوث “حرب رسمية بين الدول” لكي يكون هناك تأثير فعلي، فهذا ليس سيناريو ضخماً بين دول، بل تسرب نزوح، ضغط خدمات، واشتباكات حدودية صغيرة تكون لها تبعات. وتضيف: “بدون حل سياسي داخل السودان، الجغرافيا وحدها تقرّب الأزمة من دول الجوار، وتحوّل صراعاً داخلياً إلى عبء إقليمي”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *