جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام   

جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام

يتفق مراقبون كثر على ان تمكن الخرطوم من انتزاع ملف مفاوضات جنوب السودان يعد مكسبا دبلوماسيا و دوليا وداخليا بالنسبة للخرطوم التي تعاني من العزلة الدولية منذ سنوات طوال اضافة لضغوط دولية واقليمية على مستويات متعددة. ورغم المكاسب العديدة التي خرجت بها الخرطوم من خلال رعايتها لمفاوضات جنوب السودان غير أن أكبرها هو إحداث استقرار على الحدود بين البلدين ومحاصرة الحركات المتمردة ووقف الدعم عنها وتعبيد الطريق أمام اتفاقية سلام في السودان، تحسن الأوضاع الامنية الداخلية، وتقلل فاتورة الحرب، وترجح كفة الجانب الحكومي في ميزان القوى المستقبلي في البلاد. ويرى المراقبون أن ظروفا داخلية واقليمية حالية عديدة تضع حكومة الجنوب في موقف أقرب للخرطوم تبعا لارتباط المصالح الحالي بينهما، رغم ارتباطاتها التاريخية بقطاع الشمال منذ أكثر من ثلاثين عاما.

توازن الضعف

جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام
ذهب محللون إلى ان الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية شمال قد انتهت عمليا لا سيما بالنظر إلى التمديد المستمر لوقف إطلاق النار من جانبي الصراع لفترة تزيد عن العامين

ومنذ إسدال الستار على مراسم توقيع سلام جنوب السودان، الذي جمع الأطراف المتحاربة منذ خمسة سنوات على مائدة حكومة الخرطوم ؛  اتجهت الأنظار صوب مستقبل الحركات المسلحة السودانية التي تنشط على حدود البلدين، خاصة الحركة الشعبية شمال التي تتواجد في أكبر مساحة تمتد من النيل الازرق الى دارفور.

وبادرت حكومة الجنوب لرد تحية الخرطوم بمثلها، وأعلنت مبادرتها لتوحيد جناحي الحركة الشعبية- شمال التي انقسمت قبل أكثر من عام، وواصلت لإعلان مبادرة أخري للمفاوضات بين الحركة الشعبية والخرطوم، وتلتها بتوسيع المبادرة لتشمل كافة حركات دارفور، كما قال المتحدث باسم الرئاسة في جنوب السودان.

وذهب محللون إلى ان الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية شمال قد انتهت عمليا لا سيما بالنظر  إلى التمديد المستمر لوقف إطلاق النار من جانبي الصراع لفترة تزيد عن العامين الأمر الذي يشير لبلوغ الأطراف مرحلة من الإرهاق لا سيما في ظل جفاف منابع التمويل والإسناد من دول الجوار بالنسبة للحركات المسلحة إلى جانب الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها الخرطوم. ولكن الخرطوم  التي كسبت أراضي جديدة في موازين القوى بحكم موقعها كضامن رئيسي لاتفاق سلام جنوب السودان ترى انها كسبت كارت ضغط على الحركة الشعبية – شمال ووضعت يدها على مستقبل استقرار المنطقتين.

جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام

بدايات متعثرة

ورغم النشاط الملحوظ لجوبا في محاولة إعادة توحيد الحركة الشعبية قبل الدخول في مفاوضات مباشرة مع الحكومة السودانية، إلا أن تعثرا ما يزال باديا في العملية برمتها حتى الآن على الأقل.

وكانت جوبا اعلنت عن انطلاق جولة تفاوضية بين الحكومة السودانية وقوى المعارضة متمثلة في نداء السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وحركات دارفور متمثلة في حركات تحرير السودان مناوي وعبدالواحد، اضافة لحركة العدل والمساواة منذ مطلع الاسبوع الحالي. لكن لم تبدأ مفاوضات حتي الان، بل ان بعض اطراف المفاوضات نفسها نفت لـ(عاين) تلقيها دعوة رسمية لحضور الاجتماعات.

وقال الأمين العام للحركة الشعبية – شمال، عمار امون دلدوم، في تصريح خاص لـ(عاين) “نحن لم نتلقى دعوة من أي جهة لمفاوضات حتى الآن”. وذهب في ذات الإتجاه الناطق الرسمي باسم حركة وجيش تحرير السودان محمد عبد الرحمن الناير إلى جانب محمد حسن هارون (اوباما).

رد الدين

عشية توقيع إتفاق سلام جنوب السودان طالب حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان جوبا بما اسماه بـ(رد الدين) تسوية تمرد المنطقتين. تبع ذلك  نشاط حكومة جنوب السودان في ملف سلام السودان قبل دخول اتفاقها مع المعارضة حيز التنفيذ. وحث نائب رئيس حكومة جنوب السودان الجنرال تعبان دينق السودان بوضع حد لمشاكله في أول ظهور له عبر الدورة 63 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تزامنت مع توقيع اتفاق سلام جنوب السودان. وقال دينق “نحث الحكومة السودانية على الحل السريع لقضايا النزاع في ولايات جنوب النيل الازرق، جنوب كردفان ودارفور، لأن الاستقرار في هذه المناطق يعتبر امر بالغ الاهمية لأجل السلام بجمهورية جنوب السودان والمنطقة ككل “. وفي الوقت الذي التزمت فيه الحركة الشعبية برئاسة الحلو الصمت حول حديث تعبان دينق، رحبت الحركة الشعبية برئاسة مالك عقار بالمبادرة، وقالت: في بيان تلقت (عاين) نسخة منه “نرى في الحركة الشعبية بأن هذا الحديث يستحق الوقفة لأنه قد جاء في منصة أعلى منظمة دولية بالإضافة إلى أنه حديث عقلاني، والحل المتزامن والشامل لقضايا الحروب في البلدين هو أفضل الخيارات لاستدامة السلام العادل والدفع بعلاقات البلدين للأمام”.  أتى هذا الحراك قبل اعلان الحكومة السودانية والحركة الشعبية بقيادة الحلو عن جولة محادثات في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا لم يتوصلا فيها لأرضية مشتركة وفق الحركة الشعبية.   

ويتساءل المراقبون عن مدى فرص نجاح وساطة جوبا لتوحيد الحركة الشعبية – شمال قبل استئناف جولات التفاوض، وماهي اوراق ضغط الحكومة السودانية؟ ونقاط ضعف اتفاق سلام جنوب السودان وضمان استمراره؟  وتأثير ذلك على مستقبل عملية السلام في البلدين؟

قبول وتمسك

جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام

سارعت الخرطوم للترحيب بمقترح حكومة الجنوب لتوحيد الحركة الشعبية – شمال قبل استئناف المفاوضات. هذا وأفادت مصادر (عاين) بتوافد الحركة الشعبية برئاسة مالك عقار الى جوبا لفتح النقاش حول توحيد الحركة الشعبية – شمال. ولكن الحركة بقيادة عبد العزيز الحلو ظلت متمسكة بموقفها الرافض لقبول توحيد الحركة الشعبية – شمال. وقال الأمين العام للحركة الشعبية شمال قيادة عبد العزيز الحلو العميد عمار امون لـ(عاين) فيما يختص بعملية مصالحة الحركة الشعبية شمال “نحن حتى الآن لم نجد دعوة رسمية من أي طرف … وهي بالنسبة لنا دعوة مرفوضة”. وزاد “إذا كان الأمر كذلك لماذا كل هذه الجلبة، هناك اختلاف جوهري ادى الى هذا الوضع الذي نحن عليه”، نافياً استلامهم لأي دعوة رسمية من قبل حكومة الجنوب مختصة بتوحيد الحركة الشعبية او مفاوضات سلام حتى الان.

اختلال

بموجب اتفاق النفط الذي وقعته الخرطوم وجوبا على هامش التوقيع على اتفاق سلام جنوب السودان قامت الحكومة السودانية بإنزال جيشها بمناطق النفط في جنوب السودان، وهي المناطق التي تقع بين مواقع سيطرة الحركة الشعبية في جبال النوبة والنيل الازرق وولايات أعالي النيل والوحدة في جنوب السودان. ويعتقد خبير عسكري إن هذه الوضعية ربما تمثل نقطة تحول نوعية في ميزان القوى العسكري في المنطقة وتعطي الخرطوم ميزة استراتيجية نوعية في الحرب في المنطقتين. ويرى الخبير العسكري الذي فضل حجب اسمه لـ (عاين) ان هذا الوضع الميداني يعطي الحكومة السودانية الاسبقية في الهجوم على الحركة الشعبية – شمال من جهتين  مختلفتين من ناحيتي الجنوب والشمال في حال أي عودة محتملة لتبادل إطلاق النار بين الطرفين. ويضيف الخبير أن الجيش السوداني انزل حوالي 3500 مقاتل بمناطق النفط فضلاً عن 20 طائرة لمراقبة الحدود.

وفي السياق نفسه يصف  المحلل السياسي اتيم سايمون بند حماية آبار النفط في جنوب السودان من قبل قوات مشتركة بين البلدين على أنه أحد إشكاليات اتفاق سلام جنوب السودان. وقال سايمون لـ(عاين) هذه القوات جاءت لإضعاف العمل المسلح ضد الحكومة السودانية، خاصة على المجموعات المسلحة التي تنشط في الحدود. وأضاف أن هذا الامر سيخلق ضغط على الحركة الشعبية – الشمال في الانصياع لأي جولة خاصة وان الحكومة السودانية تعمل على إنزال قواتها خلف الحركة الشعبية – شمال، مبينا : “ان هذا الوضع سيخلق نوعا من الضغط ويشكل تهديد مباشر لأنه خلق واقع عسكري جديد لم يكن في الحسبان، ربما يقود إلى تسوية بالإكراه غير قائمة على أي أسس عادلة أو متكاملة”.

ضغوط بشروط الخرطوم

ويضيف سايمون هذا الاتفاق له تأثيرات كبيرة على المنطقتين والحركة الشعبية – شمال بعد التقارب الكبير بين جوبا والخرطوم، لاسيما ان الاتفاق يضمن إشراف تدريب الخرطوم للقوات المشتركة وتأمين حقول النفط. “هاهي الخرطوم تطالب جوبا برد الدين في مفاوضات مماثلة بالضغط على قطاع الشمال للدخول في تسوية سياسية في منبر تفاوضي من جوبا“. مؤكداً أن جوبا ستستضيف قريبا منبر تفاوضي بتفويض من الإيقاد لسلام السودان وبشروط أقرب إلى شروط الخرطوم. ويمضي بالقول “إذا رفض قطاع الشمال سيكون كرت الضغط عليه قطع كافة أشكال التعاون، وإذا كان لهما وجود في جنوب السودان عليهما المغادرة فوراً”.

ويذهب في ذات الاتجاه عضو الوفد المفاوض لتحالف المعارضة في جنوب السودان اولاو دينق قائلا لـ(عاين) بالتأكيد ستكون حكومة جوبا ممتنة جدا للحكومة السودانية لما قامت به من دور في تحقيق السلام، وستحاول أن تجازيها ردا لجميلها ومنعها من أن ترتد على عقبيها وتقوم بعرقلة السلام وزعزعة استقرار الجنوب إذا استمرت الحرب عندها بدعم من الجنوب، مبينا أن الدولتين حاليا لهما مصلحة مشتركة في وضع حد للحرب ووجود الحركات المسلحة لدى الطرفين.

ولكن عمار امون الامين العام لجناح الحلو يرى أن الحركة الشعبية – شمال التي استطاعت أن تكسر شوكة الجيش السوداني منذ العام 2011 قادرة على مواصلة صمودها الى اخر المطاف.

  

جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام
يصف الأستاذ الجامعي لوكا بيونغ الاتفاق الموقع بأنه يعكس حالة الفوضى والارتباك، ليس من قبل الوسيط السوداني فحسب، وإنما من أطراف جنوب السودان المتحاربة، وبخاصة أنها لم تعالج جذور الأزمة.

“إهدار سيادة الجنوب”

ورغم ذلك تعاني اتفاقية سلام جنوب السودان من مهددات فضلاً عن الصياغة النهائية، والتي قال عنها مراقبون انها فقط تتماشى مع مصالح ضامني الاتفاقية، دولتي السودان ويوغندا. ويصف الأستاذ الجامعي لوكا بيونغ الاتفاق الموقع بأنه يعكس حالة الفوضى والارتباك، ليس من قبل الوسيط السوداني فحسب، وإنما من أطراف جنوب السودان المتحاربة، وبخاصة أنها لم تعالج جذور الأزمة. وقال في تصريحات صحفية، إن “الاتفاق فيه تنازل عن سيادة البلاد وتسليمها للسودان عبر الدعوة التي قدمتها جوبا للخرطوم لحماية حقول النفط وإعادة إنتاجه”. مضيفاً بالقول “شعب جنوب السودان يستحق اتفاق أقيم، هذا الاتفاق الذي لم يكن الا استراحة في ظل عدم تهيئة الاجواء. فالشعب في جنوب السودان يحتاج الى سلام وليس استعادة الانتهاكات المتكررة بشكل ابشع كل مرة”.

من جانبه يصف اتيم سايمون الاتفاق بأنه ناتج عن ظروف توازن لعب فيها الإرهاق الذي أصاب أطراف الحرب “الحكومة والمعارضة” وانعكس ذلك على الوضع الاقتصادي بالداخل هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى تراجع الظرف السياسي لمواصلة الحرب وتغليب مصالح دول الجوار الخرطوم وكمبالا. كلها ظروف قادت الخرطوم بالضغط علي الأطراف لتوقيع اتفاق سلام. وزاد استطاعت الخرطوم أن تؤثر على المصالح الإقليمية مع دولة أوغندا. وذلك بإدخال يوغندا في العملية السياسية بجهود من السودان لتغليب المصالح. ورغم عن أنهما طرفي نقيض إلا انهم استطاعوا تغليب المصالح والتأسيس لمرحلة جديدة في العلاقات التجارية. واستدرك قائلاً “واضح انه هذا الاتفاق بشكله الراهن لن يقود الى حالة استقرار ولا تنمية في ظل ترهل الحكومة وأحجامها والبرلمان الموسع واحجام دول الترويكا عن دعم أي مشاركة لن تؤدي الى استدامة عملية اتفاق سلام بجنوب السودان”.

أزمة  ثقة

جنوب السودان وقطاع الشمال النيران الصديقة وضغوط السلام
المعارضة ما تزال مترددة في الذهاب إلى جوبا بسبب انعدام الثقة، والثقة تحتاج بناءها لعامل الزمن وتنفيذ إجراءات معينة ترفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح الاسرى والمعتقلين و هو ما لم يحدث حتى الآن.

ورغماً عن التعهدات التي بذلتها حكومة الجنوب خلال احتفالات السلام التي شهدتها عاصمة جنوب السودان والتي حضرها زعيم المعارضة الأبرز رياك مشار إلى أن الاخير ظل متمسكاً باشتراطات متمثلة في رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وحرية التنقل والتجمع والتعبير. ويقول اولاو دينق أن المعارضة ما تزال مترددة في الذهاب إلى جوبا بسبب انعدام الثقة، والثقة تحتاج بناءها لعامل الزمن وتنفيذ إجراءات معينة ترفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح الاسرى والمعتقلين وهو ما لم يحدث حتى الآن.

وفيما يختص بنزول قوات عسكرية مشتركة بين جوبا والخرطوم لحماية منشآت النفط يقول عضو اللجنة القومية للحركة الوطنية الديمقراطية اولاو اديانق ان الاتفاقية وقعت هذه المرة بلا تحفظات فـي موضوع نزول القوات السودانية الى مناطق البترول سيكون بموجب اتفاق ثنائي بين النظامين لحماية حقول النفط وضمان تدفقه وهذا بالطبع غير منصوص عليه في الاتفاقية. من جهته يرى اتيم سايمون أن نقاط الحذر في هذا الاتفاق عديدة أبرزها نزول قوات لحماية البترول داخل اراضي جنوب السودان قائلاً “هذه المناطق هي مناطق نزاع بين البلدين والآن السودان بسياسة الأمر الواقع وضع يديه على هذه المناطق دون ترسيم الحدود”. وزاد “نشر تلك القوات بهدف حماية الاتفاقية وبال عليها”، قاطعاً بأنه سيشكل خطورة على مستقبل علاقات البلدين في حال انهيار الاتفاقية خاصة وأنها تسيطر على النفط. واستدرك قائلا “هذا الاتفاق مرشح للصمود لأنه يصب في مصلحة الحكومة في جنوب السودان وخاصة وان الحكومة اصطدمت بالشرعية والاعتراف الإقليمي والدولي للوصول الى انتخابات، الأمر الذي يتطلب خطاب سياسي جديد بنزول المعارضة بغية الوصول الى انتخابات”.

فصائل رافضة

ورغم ظهور الاتفاق على أنه شامل إلا أن هناك بعض الفصائل رافضة للتوقيع، ويقول اولاو ان حركات مثل أجنحة من حركتي توماس سيريلو – جبهة الخلاص – وحكيم داريو حركة الشعب الديمقراطية ما تزال ترفض الاتفاقية، مبينا “أن هاتين الحركتين تشظت ووقعت فصائل منها على الاتفاقية”. ويضيف أولو ان العقبة الاخرى في الاتفاق تتمثل في  مفوضيات ولجان كمشكلة عدد وحدود الولايات وهي أمور قد تشكل عقبة في المستقبل إذا لم تتحلى أطراف الإتفاقية بالحكمة خاصة الطرف الحكومي.