سودانيون في مصر يواجهون حملات الاحتجاز والترحيل

عاين- 30 يناير 2026

شكى سودانيون من تضييق غير مسبوق على حركتهم اليومية في المدن المصرية، جراء الحملات التي تشنها السلطات الأمنية بحق الأجانب، بما في ذلك أولئك الذين يحملون “بطاقات اللجوء” الرسمية.

ولجأ إلى مصر قرابة 1.5 مليون سوداني، وفقاً لإحصائيات مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023.

مركبات أمنية تثير الرعب

وذكرت سيدة سودانية لاجئة في مصر، في مقابلة مع (عاين) أنها شاهدت من شرفة شقتها السكنية في حي شعبي بمنطقة فيصل التي يقطنها آلاف اللاجئين السودانيين، وصول مركبات تابعة للأمن المصري داهمت العشرات وتوقيفهم، قبل أن يفر الآخرون للاحتماء داخل المباني السكنية.

وأوضحت هذه السيدة أن هذه الحملات أجبرت اللاجئين السودانيين على ملازمة منازلهم خشية التعرض للترحيل إلى بلادهم، إلى جانب المخاوف من البقاء رهن الاحتجاز في أقسام الشرطة لفترات تتراوح بين أسبوعين إلى شهر كامل موضحة أن فئة واسعة من حاملي الإقامة السارية يشعرون بالقلق؛ لأن وضعهم يخضع لتقدير أمني من الضباط الذين يقودون الحملات، وفي بعض الأحيان يتعاملون على نحو لائق.

“منصة اللاجئين في مصر” (منظمة حقوقية مستقلة) قد أكدت أن السلطات المصرية رحلت مجموعات من اللاجئين السودانيين قسراً، ورمت بهم في أتون الحرب المشتعلة في بلدهم

وكانت “منصة اللاجئين في مصر” (منظمة حقوقية مستقلة) قد أكدت أن السلطات المصرية رحلت مجموعات من اللاجئين السودانيين قسراً، ورمت بهم في أتون الحرب المشتعلة في بلدهم، وذلك في تقرير أصدرته خلال ديسمبر 2025؛ حيث شددت المنظمة على أن السلطات المصرية تخالف قوانين اللجوء الدولية، وتتخلى عن حماية اللاجئين الفارين من جحيم المعارك العسكرية بحثاً عن الأمان.

وثائق رسمية لا تحمي حامليها

وفي السياق ذاته، قال (ع. ع)، وهو لاجئ سوداني في مصر لـ(عاين)، إنه “رغم حمله لبطاقة الإقامة الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية المصرية بعد حصوله على (الكرت الأصفر) من مقر مفوضية اللاجئين في منطقة السادس من أكتوبر، فإنه يتجنب الخروج تماماً؛ لأن هذه الإجراءات الأمنية باتت تخضع لتقدير الضابط الذي يقود الحملة”. ويشير إلى حالات وجد فيها العشرات أنفسهم داخل أقسام الشرطة، رغم احتفاظهم بالأوراق الثبوتية القانونية.

من جانبها، أصدرت السفارة السودانية في القاهرة بياناً يوم الخميس 29 يناير الجاري، شددت فيه على عدم إدلاء منسوبيها بأي تصريحات تتعلق بأوضاع السودانيين في مصر.

دوافع أمنية وسياسية

المهتم بقضايا الهجرة، أحمد يعقوب يقول لـ(عاين): إن “السلطات المصرية تشن حملات ضد الأجانب المخالفين لشروط الإقامة، لكنها تطال أيضاً حاملي بطاقات اللجوء؛ بسبب ما وصفه (بـالاضطراب) داخل أجهزة الحكومة المصرية حول كيفية التعامل مع الملف السوداني”.

وتابع قائلاً: “منذ اندلاع الحرب، لم تحسم الحكومة المصرية ملف اللاجئين السودانيين، حيث يخضع الملف للتقييم الأمني بين الحين والآخر، تارة عبر تشديد الحملات وتارة أخرى عبر انحسارها، لكنها تحولت مؤخراً إلى أنماط أمنية تهدد مباشرة شعور اللاجئين بالأمان”.

سودانيون عائدون من دولة مصر

وأضاف يعقوب: أن “السلطات المصرية، بالتنسيق مع الحكومة السودانية، وضعت خطة للعودة الطوعية ساعدت قرابة 50 ألف لاجئ سوداني على العودة خلال الفترة من يوليو حتى نهاية ديسمبر الماضي، ولكن مقارنة بالعدد الكلي البالغ 1.5 مليون شخص، فإن الفرق لا يزال شاسعا حسب اعتقادهم”.

ظروف احتجاز صعبة

من جانبه، أوضح ناشط سوداني بالقاهرة (طلب عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية)، إن مجموعة من المتطوعين السودانيين تمكنوا من المساعدة على الإفراج عن عشرات الأطفال والنساء والشباب من أقسام شرطة “الطالبية” و”العباسية” خلال اليومين الماضيين.

وأكمل موضحاً: “المشكلة الكبرى هي أن مفوضية اللاجئين تمنح ‘الكرت الأصفر’ كإجراء مبدئي، وبعد انتظار يدوم تسعة أشهر، وعند التوجه لوزارة الداخلية في العباسية، يطلبون من اللاجئ البقاء في قائمة الانتظار لمدة عام ونصف أخرى، وخلال هذه الفترة يظل اللاجئ عرضة لخطر الترحيل إذا صادف حملة أمنية في الشوارع”.

وكشف عن معلومات حول وضع الموقوفين في أقسام الشرطة، حيث يبقون قرابة أسبوعين أو شهر في ظروف إنسانية سيئة داخل الحراسات، لافتاً إلى أن السلطات باتت مؤخراً تتخلى عن تحمل تكاليف الترحيل إلى السودان بسبب التبعات المالية.

صمت حكومي

وفيما لم تعلق الحكومة السودانية الخاضعة لسيطرة الجيش رسمياً على هذه الحملات، واجهت انتقادات عنيفة على منصات التواصل الاجتماعي لعدم تدخلها لحماية رعاياها أو العمل على وقف الحرب لتشجيعهم على العودة.

وقالت رحاب عبد المنعم، وهي سيدة سودانية مقيمة بالقاهرة لـ(عاين): إن “العديد من العائلات منعت أبناءها وبناتها من الذهاب إلى الجامعات، رغم امتلاكهم البطاقات الجامعية التي تكفل لهم الإقامة القانونية حتى نهاية العام الدراسي”. وأضافت: “شعرت العائلات بالرعب عقب إلقاء القبض على طلاب يدرسون في جامعات بالقاهرة، مما أدخل القلق والتوجس في نفوس الجميع”.

نشاط التهريب وإلغاء اتفاق الحريات

ويسلك آلاف السودانيين بشكل اضطراري الطرق البرية الوعرة يطلقون عليه “التهريب” بالاتفاق مع سائقي الشاحنات مقابل مبالغ مالية باهظة للوصول إلى مدينة أسوان جنوبي مصر وذلك بسبب القيود الصارمة التي تفرضها القاهرة على تأشيرات الدخول وإلغاء “اتفاق الحريات الأربع” الموقع مع الخرطوم عام 2004، والذي كان يضمن حرية الحركة والتنقل والإقامة والتملك للسودانيين.

مسافرون سودانيون من مدينة الأبيض على “درب الأربعين”- أرشيف

وكانت مصر قد ألغت هذا الاتفاق بشكل غير معلن في يونيو 2023 بعد تدفق مئات الآلاف من الفارين من الحرب، رغم تأكيدات الحكومة المصرية بأنها تراعي الوضع الإنساني للسودانيين.

ويرجح المهتم بقضايا الهجرة، أحمد يعقوب، زيادة وتيرة هذه الحملات الأمنية في الفترة القادمة، معللاً ذلك بتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الحكومة المصرية، وتراجع دور الأمم المتحدة ووكالات الحماية الدولية على مستوى العالم، ويختتم إفادته قائلا: “يشعر النظام المصري أن عدد اللاجئين في تزايد مع انسداد الأفق في السودان واستمرار الحرب ويظهر الموقف وكأن القاهرة لا تدري كيف تتعامل مع هذا الأمر حاليا ومستقبلا”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *