مصنع سُكَّر حلفا الجديدة.. صرَّح اقتصادي يتهاوى في حرب السودان 

عاين- 29 نوفمبر 2025

من ولاية كسلا شرقي السودان، كان مصنع سكر حلفا الجديدة بمثابة شريان حياة يمتد إلى مختلف أنحاء البلاد من خلال إنتاجه، واحتضانه آلاف العمال، لكنه لم يستطع الصمود أمام آثار الحرب المدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، فتوقف عن العمل بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تاركاً العمال والمهندسين لمصير غامض، ومصاعب معيشية.

ويواجه مصنع سكر حلفا الجديدة مشكلات إدارة واسعة تسبب في تراجع مستمر في إنتاجه السنوي للسكر إلى أن توقف بالكامل مع اندلاع الحرب الحالية، وتعرض إلى دمار شديد في البنية التحتية الأساسية وعمليات نهب واسعة للآليات والمعدات الزراعية في المشروع الزراعي الملحق بالمصنع والخاص بزراعة نبات قصب السكر، وصاحب التوقف تقليص كبير في مرتبات العاملين، مما وضعهم في قلب مآسي كبيرة.

وتأسس مصنع سكر حلفا الجديدة في ولاية كسلا شرقي السودان في العام 1960 كمشروع حكومي، تتوزع ملكيته بين وزارة المالية 92%، مقابل 8% لبنك السودان المركزي، تبلغ مساحة المشروع الزراعي المصاحب له 40 الف فدان، مخصصة لزراعة نبات قصب السكر. وهو واحد من نحو خمسة مصانع سكر في السودان، خرجت غالبيتها من الخدمة بسبب النزاع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع.

كذلك، تعرض مصنع سكر الجنيد في ولاية الجزيرة ومصنع سكر غرب سنار إلى أضرار واسعة بعدما اجتاحتها قوات الدعم السريع العام الماضي، كما تأثر الإنتاج في مصنع سكر كنانة في ولاية النيل الأبيض؛ بسبب الاستهداف الجوي للمنطقة مؤخراً.

يعاني مصنع سكر حلفا الجديد مشكلات إدارية تسببت في خفض إنتاجه، وأدت الحرب إلى توقفه بالكامل وتعرضه إلى تدمير واسع

 موظف بالمصنع

وأوضح محمد علي عثمان – اسم مستعار- لموظف إداري في مصنع سكر حلفا، أن هذه الشركة كانت تعمل بنظام التمويل الذاتي لأنشطتها، وتدار أموالها بواسطة الشركة السودانية ووزارة الصناعة، حيث تغطي كامل النفقات من عائد السكر ومخلفاته “المولاص”، وقد سهلت هذه الإدارة المرنة على المصنع الوفاء بمرتبات العاملين وتوفير قطع الغيار ومدخلات الزراعة والإنتاج في الوقت المناسب، بينما كانت وزارة المالية تكتفي بحصتها من إجمالي الإنتاج والعائدات.

لكن قبل فترة وجيزة من اندلاع الحرب الحالية، قررت وزارة المالية أن يتم توريد كامل إيرادات مصنع سكر حلفا إلى خزينتها، على أن تدفع هي الرواتب ومصروفات التشغيل الأخرى، مما أدى إلى تعقيد الأوضاع الإدارية والمالية في المصنع، وقاد تدريجيا إلى تدهوره وتوقفه تماماً مع الصراع وتطاول أمده، وفق عثمان.

وزارة المالية منذ استحواذها على إيرادات مصنع سكر حلفا الجديدة، واجهت عجزاً مستمراً في دفع مرتبات العاملين، إلى أن توقفت تماماً مع اندلاع الحرب

وبحسب هذا الموظف، فإن وزارة المالية منذ استحواذها على إيرادات مصنع سكر حلفا الجديدة، واجهت عجزاً مستمراً في دفع مرتبات العاملين، إلى أن توقفت تماماً مع اندلاع الحرب، وواصل المصنع العمل بشكل متعثر لمدة 6 أشهر من بداية القتال؛ ومن ثم خرج عن الخدمة بالكامل، وكان التراجع الملحوظ في إنتاج المصنع مؤشراً مبكراً لتوقفه، إذ بات ينتج 25 الف جوال فقط مؤخراً مقارنة بـ8 – 19 الف طن في السنوات السابقة.

ويقول: “واجه العمال مصاعب كبيرة طيلة الفترة التي أعقبت الحرب حيث ظلوا بلا رواتب، ومع تزايد الأزمة الإنسانية وسطهم، أمرت وزارة المالية الآن بصرف المرتب الأساسي للعاملين، وهو مبلغ هزيل للغاية يبلغ حده الأدنى 25 الف جنيه، والأعلى 110 الف جنيه وفق الدرجة الوظيفية. هذا هو الوضع السائد في مصنع سكر حلفا في ظل غياب تام للخطط والاستراتيجيات للنهوض بالمشروع مجدداً”.

 وفي ظل مَصاعِبُ كبيرة يعيشها العاملون، فإن القادة الإداريين في مصنع سكر حلفا الجديدة يتمتعون بكامل مخصصاتهم وامتيازاتهم الوظيفية والمالية، ويغطون هذه النفقات من عائدات إيجار الأراضي الزراعية والآليات في المشروع إلى مستثمرين، التي تتراوح بين 3 – 5 مليارات جنيه سنوياً، وذلك وفق ما أفاد به الموظف السابق بالمصنع عبد الرحيم البشير (عاين).

مرتبات مهينة

ويشير عبد الرحيم إلى أن العاملين ذوو الخدمة المستديمة في الدرجة الأولى، الذين كانوا يتقاضون سابقاً ما بين 250 إلى 300 ألف جنيه سوداني في الشهر، وأصبحوا الآن يصرفون 50 ألف جنيه سوداني فقط، ومع ذلك يُضْغَط عليهم للاستمرار في العمل دون أخذ إجازات، مما قد يعرضهم للفصل. أما الموظفون والعمال من الدرجة الثالثة، فأصبحوا يصرفون 30 ألف جنيه شهرياً فقط.

ويقول عبد الرحيم: “هذا المبلغ يُعد إهانة حقيقية في ظل معدلات التضخم التي تجاوزت الثلاثة أضعاف قبل الحرب، مما جعل الأسر تعتمد على القروض الشخصية أو بيع الأصول لتغطية الإيجار والمأكل. يشعر العمال بالعجز أمام أبنائهم الذين اضطروا للتسرب من المدارس لعدم القدرة على دفع الرسوم، أو أمام المرضى الذين فقدوا الأمل في العلاج بعد توقف مستشفى المصنع عن تقديم خدماته”.

يواجه العاملون في مصنع سكر حلفا الجديدة أوضاع معيشية مأساوية بعد تقليص كبير في رواتبهم، وأصبح لا تغطي سوى جزء يسير من احتياجاتهم الفعلية

 مهندس بالمصنع

وليس ببعيد من ذلك، يصف محمد علي – اسم مستعار لمهندس زراعي في مصنع سكر حلفا الجديد – الوضع الحالي للعاملين في المصنع وأسرهم بالمأساوي، فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، لم تُصرف لهم رواتب، وإنما يُمنحون جزءاً يسيراً لا يتعدى ثلث الاستحقاق. وقد جُمدت كل البدلات، بما في ذلك غلاء المعيشة، العلاج، الترحيل، السلفيات، بدل السكن، بدل الوجبة، وبدل المخاطر، وعلاوات الموقع، والتدرج الوظيفي، وغيرها.

ويقول علي في مقابلة مع (عاين): “صاحب توقف مصنع سكر حلفا الجديدة، عمليات سرقة ممنهجة طالت قسم الإنتاج الرئيسي، شملت معدات الكهرباء والنحاس والزيوت وغيرها، كما تعرضت بعض المعدات إلى التلف نتيجة الصداء وعدم الصيانة الدورية”.

الضرر الأكبر

من جهته، يقول علي أبكر وهو مهندس فني سابق في مصنع سكر حلفا الجديدة، في مقابلة مع (عاين): “الضرر الأكبر يتمثل في سرقة الزيوت من المحولات، وهي عملية معقدة، وليست سهلة حال تقرر استبدالها وتعبئتها مجدداً، وأن فقدانها قد يتسبب في تلف دائم لهذه الأجهزة الكهربائية، كما أن وجود الآليات الزراعية في العراء دون تشحيم أو صيانة يجعلها عرضة للتآكل والتلف، وستتطلب مبالغ طائلة لتعويضها، مما يصعب مهمة عودة المصنع بكامل طاقته حتى بعد توقف الحرب.

توقف عمليات زراعة قصب السكر في مشروع سكر حلفا الجديدة، سيؤدي إلى صعوبة استئناف الزراعة لثلاث سنوات قادمة

وشدد أن بعض الآليات موجودة، ولم تتعرض للتلف أو البيع من قبل الإدارة أو وزارة الصناعة، لكن المشكلة تكمن في كيفية إدخال أو استيراد قطع الغيار للسودان في ظل استهلاك الآليات الموجودة بكثرة التشغيل، كما أن عدم توفر المواد التشغيلية (زيت – جازولين – بقاس) قد أدى إلى تقييد فعالية العمل.

ويشير إلى أن توقف عمليات زراعة قصب السكر في مشروع سكر حلفا الجديدة، سيؤدي إلى صعوبة استئناف الزراعة لثلاث سنوات قادمة، حال تقرر إعادة المصنع للعمل، وهو ما يفاقم المشكلة التي حلت بالمصنع.

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي أحمد هاشم في حديثه لـ(عاين): إن “مصنع سكر حلفا الجديدة يتبع لشركة السكر السودانية، وتملكه الحكومة بالكامل، وقد ساهم منذ تأسيسه في دعم الاقتصاد السوداني وتنمية المنطقة، بتقليل استيراد سلعة السكر الحيوية وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف العمال والمزارعين. ويتابع: “تبلغ الطاقة الإنتاجية القصوى للمصنع 125 ألف طن سنوياً، لكن الإنتاج تضاءل في السنوات الأخيرة حتى توقف تماماً”.

ويضيف: “رغم أن منطقة المصنع لم تدخلها الحرب، وكان من المفترض أن يعمل المصنع لزيادة الإنتاج لتغطية العجز الذي سببه توقف المصانع الأخرى في مناطق النزاع، إلا أن مصنع حلفا تأثر بالحرب، وتدنى إنتاجه حتى توقف كلياً”. ويشدد على أن “التوقف هو نتاج لقصور في تنفيذ السياسات العامة في أوقات الأزمة، ونتاج لرؤية لا تستصحب أهمية المحافظة على مستوى معيشة المواطن، ولا تخدم الاقتصاد السوداني”.

تهديد خطير

توقف مصنع سكر حلفا الجديدة يمثل تهديداً خطيراً للأمن الغذائي، ويدفع سكان المنطقة نحو الهجرة بشكل يومي، مما يستوجب تدخلاً عاجلاً لمعالجة هذه الأزمة

 خبير اقتصادي

 يُشكل توقف المصنع تهديداً خطيراً للأمن الغذائي، ويدفع المزيد من سكان المنطقة للهجرة يوماً بعد يوم، وهذا يمثل تدميراً لمستقبل المنطقة، كما أسهم التوقف في تدني مستوى المعيشة للمواطنين وفقدان المساهمات المجتمعية التي كان يقدمها المصنع لسكان المنطقة، مما يعكس خطراً كبيراً يستدعي من الجميع التحرك لتداركه، وفق الخبير الاقتصادي أحمد هاشم.

وضمن رؤيته للحل، يقترح تنفيذ ما وصفه بالشراكة العاجلة دون انتظار توقف الحرب، بحيث تمول الحكومة مدخلات الإنتاج مثل الأسمدة والمبيدات والوقود، كما يمكن فتح الباب أمام المستثمرين المحليين أو الإقليميين الراغبين في تمويل الزراعة في هذا المشروع مقابل حصة من السكر الخام، لافتاً إلى إمكانية عقد اتفاقيات مع مصانع السكر في دول الجوار التي لا تملك مزارع لتزويدها بالقصب من مشروع سكر حلفا، ومن شأن ذلك توفير موارد جديدة تساعد على نهوض الشركة مجدداً، ودفع مستحقات العاملين.

ويدعو هاشم،  أهالي المنطقة وعمال ومزارعي المشروع إلى الدخول في جمعيات تعاونية تساهم في توفير قصب السكر للمصنع، وأن تمتلك هذه الجمعيات جزءاً من أسهم المصنع للحصول على التمويل عبر القنوات المحلية والعالمية. ويتابع:”يجب ان يعمل الجميع قبل أن يتحول الصرح إلى ركام لا يمكن إصلاحه، وتصبح هذه الأرض يابسة، ويمتلكها فلاح فاشل جداً”.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *