(أولاد جاد الله).. مليشيا متحالفة مع الدعم السريع تروّع كردفان

عاين– 4 مارس 2026

تحت ظلال الفوضى والاضطرابات الأمنية، تنشط مليشيا “أولاد جاد الله” المتحالفة مع قوات الدعم السريع، في أعمال النهب والابتزاز والاختطاف في ولايتي غرب وشمال كردفان، وذلك طوال الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب الحالية، مما أحدث شللا في حياة السكان بتلك المناطق، وفاقم معاناة الصراع التي يعيشونها، وسط تزايد مستمر لانتهاكات هذه المجموعة وتصاعد نفوذها.

وتحول “أولاد جاد الله” من لصوص كان ينحصر نشاطهم في سرقة الأغنام والجمال في كردفان، إلى مليشيا مسلحة، تمتلك سيارات عسكرية مدججة بالأسلحة الثقيلة، ومع تطاول الصراع امتدت جرائم هذه المجموعة من النهب والاختطاف وطلب فدية، إلى اعتقال المواطنين واحتجازهم في مراكز خاصة، وإطلاق سراحهم بعد دفع غرامات مالية، وهي تطورات في مسيرة المجموعة مثيرة لقلق الأهالي في كردفان.

ومع صعودها في المشهد العام في كردفان كأكبر مهدد للسكان بالمنطقة من واقع الجرائم المرتكبة، برزت التساؤلات عمن هم أولاد جاد الله، ومن أين جاءوا، وعلاقتهم بقوات الدعم السريع التي تسيطر ميدانياً على المنطقة، وهل من قادة عسكريين يساندون هذه المجموعة في جرائمها المتصاعدة بحق المدنيين؟

يروي أحمد آدم – اسم مستعار لأحد القادة الأهليين في غرب كردفان، لـ(عاين) أن أولاد جاد الله برزوا في غرب كردفان مع مطلع الألفية الثانية كلصوص يسرقون الماشية بأنواعها، مع أنهم من مربي الأغنام والجمال وهم رحالة يتنقلون من منطقة إلى أخرى خلال فصول السنة المختلفة خاصة الصيف والخريف، بغرض الرعي ومياه الشرب، وينتمون عرقياً إلى أحد المكونات الاجتماعية في المنطقة.

ليس لهم قائد معين، ويتحركون بشكل جماعي ويعرف كل واحد منهم نفسه بـ”ود جاد الله”، وعلى الرغم من امتلاكهم سيارات، إلا أنهم يفضلون التحرك على ظهور الجمال

لدى أولاد جاد الله، فَرِيق أو مُرحال يضم نحو 300 مخيم، وهم بمثابة أسرة واحدة من أشقاء وأولاد عمومة وخالات وأحفاد، ينتقلون من مكان لآخر حسب مقتضى الحاجة إلى الرعي أو مياه الشرب لهم ولماشيتهم، وفي بعض الأحيان يقيمون في محيط القرى والمدن الكبرى، ورغم أنهم أغنياء يمتلكون أعدادا هائلة من الأغنام والضأن والإبل، إلا أنهم ينشطون في سرقة الماشية، مما وضعهم في مواجهات مستمرة مع السكان المحليين، وفق آدم.

ليس لهم قائد معين، أو اسم بارز يقود المجموعة، فهم يتحركون بشكل جماعي ويعرف كل واحد منهم نفسه بـ”ود جاد الله”، وعلى الرغم من امتلاكهم سيارات، إلا أنهم يفضلون التحرك على ظهور الجمال مع حمل أسلحة مثل “الرشاد والكلب الأمريكي، وجيم 3 في بعض الأحيان”.

ضرب التعايش

ومع تزايد احتكاكاتهم ومواجهاتهم المستمرة مع السكان في غرب كردفان، قرر المكون الأهلي الذي ينتمون إليه في 2022 التبرؤ منهم تماماً، وذلك بعد الحرج الذي سببوه له مع المكونات الاجتماعية الأخرى المقيمة في المنطقة، وتأثير نشاطهم الإجرامي على التعايش السلمي في المنطقة، بحسب ما قاله أحمد آدم.

وبعد نحو شهرين من اندلاع الحرب الحالية، ظهر أولاد جاد الله كمجموعة مسلحة، تملك سيارات وتسليحاً متوسطاً، وكانت تقيم في منطقة “طيبة” الواقعة شمال غرب محلية أبوزبد في ولاية غرب كردفان، وهي تقود تحركات ضد قوات الدعم السريع في ذلك الحين، كما عملت على عرقلة النشاط التجاري في سوق “أم دورور” بالمنطقة، بعدما سعت إلى حرمان بعض المكونات الاجتماعية من ارتياده.

وفي ذلك الوقت كانت هناك توترات شديدة بين أهليتي حمر والمسيرية وصلت حد المواجهات المسلحة والقطيعة، وكانت منطقة طيبة ضمن نطاق الثقل السكاني لمكونات الحمر، وقد استغل أولاد جاد الله هذه التوترات، وجعلوها مظلة لتحويل نشاطهم الإجرامي من السرقة، إلى النهب المسلح، وفق ما قاله حسان عبد الرحيم – اسم مستعار لمواطن من المنطقة لـ(عاين).

وبعد توترات وتصعيد، هاجمت قوات الدعم السريع منطقة طيبة في يناير من العام 2024 ودارت معركة طويلة قتل خلالها شخص من أولاد جاد الله وإصابة نحو 3 آخرين بجروح، مما دفع أولاد جاد الله إلى مغادرة طيبة، إلى منطقة السعاتة على تخوم ولاية شمال كردفان، ووضعوا مرحالهم هناك، حتى يكونوا بعيدين نسبيا عن قوات الدعم السريع التي كانت تتمركز في رئاسة محلية أبوزبد، وفق حسان عبد الرحيم.

ويقول حسان: “لم يتمكن أولاد جاد الله من الإقامة طويلاً في منطقة السعاتة بعدما دخلوا في مواجهات مع المجتمعات المحلية نتيجة انخراطهم في أعمال النهب المسلح والابتزاز، فقد قُتل بعض من مسلحيهم خلال اشتباكات مسلحة مع الأهالي، فاضطروا إلى نقل مخيماتهم إلى منطقة أولاد سحاية قرب مدينة النهود في ولاية غرب كردفان”.

تحالف الأشرار

وقبل مغادرتهم منطقة السعاتة، جمعهم النشاط الإجرامي مع سليمان صليب الديك، وهو قائد مليشيا مسلحة متحالفة مع قوات الدعم السريع كان ينشط في أعمال النهب المسلح بالمنطقة قبل مقتله، وعملا سويا في ارتكاب مختلف الانتهاكات بحق المواطنين في ولايتي شمال وغرب كردفان، بدافع النهب.

وخلال تواجدهم في أولاد سحاية لم يكن لأولاد جاد الله ولاء واضح، فتجدهم تارة مع مليشيا “اتحاد حمر صر” ومجموعة “جيش أبو جبة” المتحالفة مع الجيش، والتي كانت تتمركز في مدينة النهود وخماسات والخوي بولاية غرب كردفان في ذلك الوقت، بينما تكون في بعض الأوقات مع قوات الدعم السريع عندما تجمعها مصالح مع سليمان صليب الديك، وفق متابعات مراسل (عاين) بالمنطقة.

وبحسب متابعات (عاين)، فإن أولاد جاد الله، تحولوا في موقفهم كليا نحو قوات الدعم السريع بعد سيطرتها على مدينتي النهود والخوي في ولاية غرب كردفان في مايو 2025م، واختفاء مليشيات اتحاد الحمر من المنطقة، وأصبحوا يتحركون في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع شمال وشرق رئاسة محلية أبوزبد بولاية غرب كردفان.

جرائم أولاد جاد الله تحدث تحت سمع ومرأى قوات الدعم السريع

مواطن من كردفان

وبعد مقتل سليمان صليب الديك خلال قصف جوي بطائرة مسيرة في أبوزبد في 24 مايو 2025م، تحرك أولاد جاد الله سريعاً لملء الفراغ الإجرامي الذي خلفه، فواصلوا في نفس النشاط الذي كان يقوم به صليب الديك من نهب وابتزاز واختطاف بطلب فدية مالية، مما أدى إلى تدهور جديد للأوضاع الأمنية في المنطقة بعد تصاعد وتيرة الجرائم المرتكبة.

“تحدث كل هذه الجرائم تحت سمع ومرأى قوات الدعم السريع”. يقول عبد الله السيد – اسم مستعار لمواطن من المنطقة لـ(عاين). ويشير  إنهم يشتكون إلى قيادة قوات الدعم السريع في مدينة أبو زبد بعد أي حادثة نهب أو قتل أو اختطاف، لكنها لا تبدي أي جدية لتعقب المجرمين، مما يعزز شكوك المواطنين بوجود علاقة لقادة الدعم السريع مع هذه المجموعات الإجرامية.

قتل واختطاف

وبحسب مصادر ذات صلة تحدثت مع (عاين) فإن سليمان صليب الديك كان على علاقة وثيقة مع القائدين الميدانيين البارزين في قوات الدعم السريع، حسين برشم، وعبد المنعم شريا قبل مقتله، ويمارس النهب تحت حمايتهما، وكان حسين برشم صرح في أحد المقاطع المصورة بأن صليب الديك أحد القادة ضمن قواته.

وعِمل أولاد جاد الله لفترات مع صليب الديك بعد تحالف كان سببه وجود علاقة عرقية بين الطرفين، وبعد مقتل صليب الديك تراجعت وتيرة الجرائم، كما وضع قائد منطقة أبوزبد بقوات الدعم السريع ماكن الصادق بعض التدابير لحماية المواطنين، وعقب مقتل ماكن الصادق خلال معارك في كازقيل في سبتمبر 2025، تصاعدت الجرائم مجدداً في ولاية غرب كردفان عبر مجموعة أولاد جاد الله، في نشاط مكثف رجحت المصادر أنه بدعم وإسناد من حسين برشم الذي ارتفع نفوذه بعد مقتل ماكن الصادق.

رصد 10 حالات اختطاف تعرض لها مواطنون في محلية أبوزبد خلال ديسمبر ويناير وفبراير الماضيين

ناشط اجتماعي من كردفان

وفي 5 فبراير 2025، فرضت بريطانيا عقوبات على حسين برشم ضمن حزمة عقوبات شملت عدد من القادة في الجيش وقوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معهم، بينهم قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل، وذلك لتورطهم في جرائم وانتهاكات بحق المدنيين في مناطق النزاع في السودان.

يكشف محمد أحمد – اسم مستعار لناشط اجتماعي مقيم في غرب كردفان لـ(عاين) أنهم رصدوا أكثر من 10 حالات اختطاف تعرض لها مواطنون في محلية أبوزبد خلال ديسمبر ويناير وفبراير الماضيين، وأُطْلِق سراحهم بعد دفع مبالغ مالية، وأن معظم المختطفين هم تجار وملاك ماشية، وقد وصل مبلغ الفدية في إحدى الحالات 32 مليون جنيه سوداني.

ويشير محمد إلى أنهم سجلوا 3 حالات قتل على الأقل من المواطنين في نفس المنطقة خلال فبراير الماضي نتيجة اعتداءات مباشرة من المسلحين بدافع النهب، وأن جميع هذه الجرائم من نهب وقتل واختطاف المتهم الأول بتنفيذها هم أولاد جاد الله، فهي المجموعة الإجرامية الوحيدة التي تنشط بشكل فعلي وعلني في المنطقة.

جرائم موثقة

وفي يناير فبراير الماضي، هاجم أولاد جاد الله، قرية جر العسل شمالي محلية أبوزبد بولاية غرب كردفان، مما تسبب في إصابة اثنين من شباب المنطقة بجروح، وفق الناشط محمد.

وبحسب الناشط الاجتماعي، فإن أولاد جاد الله، اعتقلوا عشرات الشباب من التجار أواخر فبراير الماضي كانوا على متن 19 دراجة نارية “تكتوك” محملة بالفول السوداني المقشور، وزيت الفول، وقاموا باحتجازهم في حراسة بمنطقة أبو قلب، المجاورة لأبوزبد، وفتحوا بلاغات في مواجهتهم بتهمة السعي إلى تهريب محصول إلى مناطق الجيش، لكن أحد قادة قوات الدعم السريع يدعى يعقوب أبو اضينة، تدخل وحرر هؤلاء الشباب من الاعتقال، فأطلق سراحهم بعد نهب جميع الممتلكات التي بحوزتهم.

نشاط أولاد جاد الله، الذي بدأ يتحول من النهب المسلح والاختطاف، إلى ممارسة الاعتقال العلني للمواطنين، يضع آلاف السكان في ولايتي غرب وشمال كردفان أمام مخاطر واسعة مقارنة بالفترة السابقة، وسط تمدد في مساحات الفوضى والاضطرابات والفراغ العدلي والإداري.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *