مشروع سكر الجنيد.. مصنع مُعطَّل وعمال مشردون 

 عاين- 21 نوفمبر 2026

يوسف قرشي، أحد المزارعين بمشروع سكر الجنيد واحد من ألفين و528 مزارعا تعطلت حياتهم بالكامل بعد التوقف التام لمشروع سكر الجنيد في ولاية الجزيرة أواسط السودان.

يشير قرشي في مقابلة مع (عاين) إلى أن ذلك الضرر لا يعود على المزارع كفرد أو مجموعة في مشروع سكر الجنيد، بل على دائرة إنتاجية متداخلة عمادها كم من المستفيدين.

بمن فيهم القاطنون منطقة الجنيد وما حولها من مناطق شرق الجزيرة، بما يشمل 28 قرية ومدينتين هما، رفاعة والهلالية اللتان تعدان من أكبر مدن المنطقة، ويقول: “التجار والموظفون والعمال في قطاعات أخرى أيضا، دمر توقف الإنتاج خلال الأعوام الثلاثة الماضية نشاطاتهم المتعددة، لأنهم كانوا يعتمدون بصورة أساسية على حركة الإنتاج الصناعي والزراعي في المشروع، ولعقود طويلة.

ومصنع سكر الجنيد، والمعروف شعبيا “بشيخ مصانع السكر في السودان”، أحد أقدم المنشآت لصناعة السكر، وافتتح في العام 1962 بأهداف اقتصادية واجتماعية منها على سبيل المثال، تقليل استيراد السكر، وخلق وظائف لأهالي المنطقة والولاية ككل، والمساهمة في تحقيق استقرار اجتماعي بالمنطقة، وتنويع مصادر الدخل القومي، وكذلك الدخل المحلي بمنطقة شرق الجزيرة، حيث يقع المشروع على الضفة الشرقية لنهر النيل الأزرق.

 وبعد ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 تعرضت جميع المصانع في مناطق الاشتباكات إلى خسائر فادحة نتيجة للقصف المتبادل والنهب والتخريب، وكان لمصنع سكر الجنيد نصيب منها، فبعد دخول الدعم السريع لولاية الجزيرة، تعرض المشروع طبقا لتقارير صادرة من إدارة المشروع، إلى أضرار كبيرة وعمليات تخريب ممنهجة حيث تم نهب أعداد كبيرة من الآليات والمعدات بالمصنع، ومعدات وآليات زراعية أخرى تخص المشروع الزراعي، وكذلك نهبت الورش المركزية، وقطع الغيار والمخازن والأسمدة، وسكن الموظفين، والمكاتب الإدارية، كما تلفت المحاصيل المزروعة وقتها لعدم حصادها بسبب الظروف الأمنية، وتوقفت كذلك عمليات الري، وما تزال، ما أدى إلى تحول المساحة الزراعية إلى أراضي جرداء يندب فيها الأهالي حظوظهم، ويبثون عبر وسائط التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو يستغيثون فيها بلا مجيب.

توقف المشروع اضطر الناس للبحث عن بدائل بما فيها قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم نباتي للحصول على قوت يومهم

مزارع بمشروع الجنيد

يقول قرشي أن “عملية التخريب أفقدت المزارعين مصدر دخلهم الرئيسي ممثلا في إنتاجهم من القصب المادة الخام الرئيسية في تصنيع السكر،  كما أن المزارع فقد عروتين، صيفية وشتوية، بعد انتهائه من زراعة القصب، ومنهما يحصد محاصيل نقدية، مثل الذرة وغيرها ما يدر عليه دخلا إضافيا، لكن كل ذلك ذهب الآن مع الريح بدخول الحرب إلى ولاية الجزيرة”. ويضيف:”الثروة الحيوانية التي كانت ترعى خضرة المشروع، هي الأخرى تعرضت للنهب، ما أثر سلبا على الأمن الغذائي تحديدا حليب الأطفال، وبعدها أصبح أهالي القرى حاليا يعتمدون على شراء الألبان، في حين كانت الأسر تعتمد بشكل أساسي على التربية المنزلية في تغذية أطفالهم وكبارهم من الألبان”.

يطالب المزارع يوسف قرشي، الدولة بسرعة التدخل لإنقاذ مشروع الجنيد ومزارعي الجنيد، رغم أنه مدرك كما يقول إن الحكومة مشغولة بالحرب وتبعاتها وغير مهتمة ولا مكترثة لمشكلة الجنيد وأهالي الجنيد، ويشير قرشي، إلى أن أثر توقف المشروع لا يقتصر على المزارعين وحدهم فمعهم كل أهالي المنطقة، بالتالي بحث الناس عن بدائل بما فيها قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم نباتي يباع ليحصلوا على قوت يومهم.

 حال الموظفين والعمال بالمصنع

“نحو ألف عامل في المصنع، وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل، ولم يصرفوا ما كانوا يصرفونه في السابق”. يقول أحمد، وهو أحد الموظفين بمصنع سكر الجنيد لـ(عاين)، ويشير إلى أن الموظفين من أكثر الشرائح تضررا من توقف المشروع، ودخلوا في دوامة من صعوبات الحياة نتيجة عدم صرف رواتبهم في السنوات الأخرى رغم نزوحهم  أثناء الحرب، ما اضطرهم إلى العمل في مهن في مدينة عطبرة شمالي السودان والتي نزح إليها، وعاش شهورا في مخيمات النزوح، ولما انتهت الحرب بولاية الجزيرة، عاد بآمال عريضة يحلم معها بعودة المصنع بأسرع ما يكون، لكنه أصيب بالإحباط لأكثر من عام؛ لأن الماكينيات لا يزال يخيم عليها الصمت، وقنوات الري مغمورة بالحشائش بدلا المياه.

مقر مصنع السكر بولاية الجزيرة أواسط السودان

وخلال الأيام الماضية، تحرك العاملون بالمصنع عبر لجنة تمثلهم، اجتمعت في الخرطوم بكل من وزير الصناعة ومدير شركة السكر السودانية، ولم تخرج كما علمت (عاين) إلا بوعود.

ولشرح أوضاع الموظفين أكثر  يقول السر محمد آدم، وهو أحد موظفي مصنع الجنيد، لكنه تقاعد عن العمل في الآونة الأخيرة أثناء فترة التوقف هذه، إنه ومنذ مارس من العام 2023 وحينما كان هو لا يزال يعمل في المصنع، ظلت الرواتب تدفع فقط كراتب أساسي وبدون بدلات، وان كل الاستحقاقات السنوية مجمدة بأمر الإدارة، وتوقفت كذلك عن الموظفين، خدمات التأمين الصحي، كما لم يتم سداد متأخرات التأمين الاجتماعي، بدليل أنه شخصيا تقاعد في الأول من يناير 2024 ولم تصرف له حتى تاريخ اليوم، مستحقاته من أموال الضمان الاجتماعي ومستحقات نهاية الخدمة. ويشير آدم في مقابلة مع (عاين) إلى أن راهن مصنع الجنيد سيئ للغاية فالموظف في الدرجة الأولى راتبه أقل من مائة ألف جنيه،

توقف المصنع.. زاوية اقتصادية

من زاوية اقتصادية بحتة، يرى الخبير الاقتصادي عبد العظيم المهل، أن مصانع السكر في السودان أثناء الحرب تعرضت لضربات متتالية، مقترحا تشكيل لجنة قومية لا عمار مصانع السكر وتحديثها، بما فيها مصنع الجنيد، وأبان في حديث لـ(عاين)، أن توقف مصنع سكر الجنيد له آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية سالبة على كل المنطقة خاصة وأن الجنيد هو المشروع الوحيد في منطقة شرق الجزيرة، وقدر عدد المتضررين من ذلك التوقف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحوالي خمسمائة ألف مواطن، ويشمل ذلك عمال وموظفي ومهندسي ومزارعي المصنع، بالإضافة إلى العمالة الموسمية، والذين يعملون في تجارة السكر والبقاس.

الخبير الاقتصادي عبد العظيم المهل، يشير إلى أنه بتوقف الإنتاج في “شيخ المصانع” قل إنتاج السكر في السودان عامة” وبدأنا للأسف نستورد السكر من دول لا تملك أراضي ولا مياه ولا عمالة ولا خبرة مثل السودان.

أضرار على مجتمع شرق الجزيرة ككل

محمد عبد الله الشكري وهو ناشط مدني في منطقة شرق الجزيرة، يحذر بشدة من عواقب توقف مصنع سكر الجنيد مقرونا بتوقف إنتاج قسم حداف الشرقي التابع لمشروع الجزيرة، وذلك على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، ويبين في في مقابلة مع (عاين)، إن مشروع الجنيد بشقيه الصناعي والزراعي هو القلب النابض للمنطقة واقتصادياتها، وتعتمد عليه كل أشكال التجارة بأسواق المنطقة، خصوصا سوقي رفاعة وتمبول وهما من أكبر الأسواق في ولاية الجزيرة “وبتوقف المشروع عن الإنتاج الآن شلت الحياة تماما، وفقدت الغالبية وظائفها وأعمالها، وتأثرت حتى الخدمات الضرورية مثل الكهرباء والمياه وكذلك الخدمة الصحية خاصة في مستشفى الجنيد الذي كان يقدم خدماته بمستوى عال بوجود معامل حديثة، وقسم متطور للنساء والتوليد، وقسم للأسنان، ويقدم علاج بتكلفة مخفضة، والآن كل شيء تأثر نتيجة ما طال مشروع الجنيد”.

 يشير الشكري إلى أنه يتحدث لـ(عاين) عبر الهاتف من داخل سوق الجنيد حيث انخفضت القوة الشرائية إلى مستوى غير مسبوق؛ لأن السكان ليس لديهم مصدر دخل، ويعتمدون على مهن هامشية، وحتى المدارس الحكومية التي كانت تحصل على دعم مالي وعيني من المصنع من باب المسؤولية المجتمعية تأثرت هي الأخرى بسبب توقف الدعم، وتعمل الآن بالجهد الشعبي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *